عاجل

الدين الإبراهيمي بين الحقيقة والضلال (162) دعوة غيَّرت وجه الأرض (9)

  • 37

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

قال الله -تعالى-: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأصْنَامَ . رَبِّ إِنَّهُنَّ أَضْلَلْنَ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ . رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ . رَبَّنَا إِنَّكَ تَعْلَمُ مَا نُخْفِي وَمَا نُعْلِنُ وَمَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ فِي الأرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ . الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ . رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ . رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ) (إبراهيم: 35-41).

الفائدة العاشرة:

قوله -تعالى-: (الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ): فيه شكر الله على نعمة الولد الصالح؛ خاصة على الكبر بعد طول انتظار، وفي هذا الجزء من القصة: عدم استعجال الإجابة، فإبراهيم -صلى الله عليه وسلم- طلب الولد عند خروجه عن قومه، كما قال -تعالى-: (وَقَالَ إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ . رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ) (الصافات: 99، 100)، وقد كان فتى حين ألقي في النار، قال -تعالى-: (قَالُوا سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ) (الأنبياء: 60)، ولم يمكث كثيرًا بعد إلقائه في النار ونجاته منها، بل اعتزلهم وما يعبدون من دون الله بعد أن ردوا دعوته رغم رؤيتهم الآيات، ومنها ومن أعظمها: النار التي ألقوه فيها، فلم تحرقه، بل كانت عليه بردًا وسلامًا.

ومع أن أباه قال له: نعم الرب ربك يا إبراهيم؛ إلا أنه لم يستجب لدعوته، ولم يقبل دعوة التوحيد، فدعا بهذه الدعوة العظيمة حين خرج عنهم وذهب إلى ربِّه: (رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ)، وتأخرت الإجابة إلى أن بلغ الكبر والمؤمن ينبغي عليه الدعاء وعدم استعجال الإجابة؛ لأن الاستعجال من أسباب عدم الإجابة، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ) قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: (يَقُولُ: قَدْ دَعَوْتُ وَقَدْ دَعَوْتُ، فَلَمْ أَرَ يَسْتَجِيبُ لِي ‌فَيَسْتَحْسِرُ ‌عِنْدَ ‌ذَلِكَ، وَيَدَعُ الدُّعَاءَ) (متفق عليه).

فالاستجابة قد تتأخر لحِكَم بالغة، منها: أن يتحقق العبد بكمال التفويض لله -عز وجل-، وحسن الظن به، وشدة التعلق به -سبحانه-، والرضا بما قسم، والإلحاح في الدعاء، وهو يحبه الله؛ لأنه عبادة، فيُثَاب على كل دعوة دعا بها، والإجابة لها صور، فالإجابة بنفس الدعاء صورة، أو أن يُصرَف عنه من السوء مثلها، أو يدخر له يوم القيامة ثوابها، فعن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَدْعُو بِدَعْوَةٍ لَيْسَ ‌فِيهَا ‌إِثْمٌ ‌وَلَا ‌قَطِيعَةُ ‌رَحِمٍ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ بِهَا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِمَّا أَنْ يُعَجِّلَ لَهُ دَعْوَتَهُ وَإِمَّا أَنْ يَدَّخِرَهَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا أَنْ يَصْرِفَ عنهُ من السُّوءِ مثلَها) قَالُوا: إِذنْ نُكثرُ، قَالَ: (الله أَكثر) (رواه أحمد والحاكم، وصححه الألباني). وفي رواية ذكرها في الترغيب والترهيب: "حتى يقول العبد يوم القيامة يا ليته لم يستجب شيئًا"؛ لما يرى من الثواب العظيم الذي أعدَّه الله له بدلاً من دعواته التي دعا بها ولم يرَ لها إجابة.

وتأخر الإجابة لا يلزم منه بُعد العبد عن ربه، بل إبراهيم خليل الله وأُخِّرت إجابة دعائه بالولد إلى الكبر، وخاصة من سارة التي لم يكن معه غيرها حين الخروج من أرض كنعان إلى الشام، وصحبته عمره حتى في رحلته إلى مصر التي أعقبها أن وهب لها الملك الجبار هاجر ووهبتها هي لإبراهيم حبًّا لزوجها وتحصيلًا لوجود الولد الصالح منه، وهذا فيه أعظم التضحية من هذه المرأة الصالحة التي اختارها الله -عز وجل- زوجة لخليلة -عليه الصلاة والسلام-، ورضي عنها.

فلا تيأس أيها المسلم ولا تبتأس إذا تأخرت الإجابة، وأيقِن كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ادْعُوا اللَّهَ ‌وَأَنْتُمْ ‌مُوقِنُونَ ‌بِالإِجَابَةِ) (رواه أحمد والترمذي، وحسنه الألباني).

الفائدة الحادية عشرة:

وقوله: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ): فيه استحضار هذا الاسم من أسماء الله الحسنى سميع الدعاء، والثناء على الله -عز وجل- به، وحمده -سبحانه وتعالى- على نعمته للاستجابة للدعاء، كما وعد -سبحانه- فقال: (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ) (غافر: 60)، وقال -تعالى-: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) (البقرة: 186)، وقال صالح -عليه السلام-: (فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) (هود: 61)، وقال شعيب -عليه الصلاة والسلام-: (وَاسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) (هود: 90).

ومعنى السمع في هذا الموطن -(إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ)-: الإجابة، كما في قول المصلي: "سمع الله لمن حمده" أي: استجاب الله له وقَبِل منه دعاءه وصلاته.

وتقديم الحمد في الدعاء، وختمه بأسماء الله الحسنى -خاصة سميع الدعاء- مِن أسباب إجابة الدعاء، فلا ينبغي للعبد أن يهمل ذلك في دعائه، فإنه عظيم الأثر في حصول مطلوبه، والله أعلى وأعلم.

الابلاغ عن خطأ