عاجل

"خيركم لأهله"

  • 23
الفتح - خيركم لأهله

لم نخلق في هذه الدنيا بوعد من الله أن تكون الحياة خالية من المنغصات والآلام، بل إن الله -سبحانه وتعالى- قد خلقنا على كدر "ولقد خلقنا الإنسان في كبد" فالحياة لن تكون مثالية كما نتمنى، وكل بلاء يقدره الله على العبد فهو من تمام مصلحته، وإن علمنا مراد الله هانت علينا الصعاب، وإذا استعنّا بالله هوّن علينا الطريق، وإن صبرنا ورضينا رزقنا الله السكينة.

عند مخالطة وسماع شكوى بعض النساء من سوء معاملة زوجها، وتتساءل هل بالفعل المرأة لا حقوق لها عند زوجها -كما يدعي البعض- وهل هي مطالبة فقط بخدمته وطاعته وغير ذلك من الواجبات؟! نقول إن هذا الكلام مبتور من سياقه، فإنه كما أن المرأة مطلوب منها وواجب عليها طاعة الزوج، وتوفير سبل الراحة له في بيته، وتهيئة السكن، حتى يكون مكانًا آمنًا للحياة، فيكون ذلك سببًا في نجاتها، ودخول الجنان، وفي مخالفته سبيل للعقاب، فعَنِ الْحُصَيْنِ بْنِ مِحْصَنٍ: "أَنَّ عَمَّةً لَهُ أَتَتِ النَّبِيَّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَاجَةٍ، فَفَرَغَتْ مِنْ حَاجَتِهَا، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَذَاتُ زَوْجٍ أَنْتِ؟ قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: كَيْفَ أَنْتِ لَهُ؟ قَالَتْ: مَا آلُوهُ إِلَّا مَا عَجَزْتُ عَنْهُ. قَالَ: فَانْظُرِي أَيْنَ أَنْتِ مِنْهُ، فَإِنَّمَا هُوَ جَنَّتُكِ وَنَارُكِ.

ولكن مع هذا لم يهضم الشرع حق المرأة، وليس هناك رجل كامل القوامة يضيع الواجب عليه من مراعاة زوجته، وتوفير ما تحتاج له على قدر استطاعته، مع التعامل معها بالحسنى، والقيام بشؤونها، قال الشيخ عبدالرحمن السعدي رحمه الله تعالى: "قال تعالى: "وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ" وهذا يشمل المعاشرة القولية والفعلية، فعلى الزوج أن يعاشر زوجته بالمعروف، من الصحبة الجميلة، وكف الأذى، وبذل الإحسان، وحسن المعاملة، وتدخل في ذلك النفقة والكسوة ونحوهما، فيجب على الزوج لزوجته المعروف من مثله لمثلها في ذلك الزمان والمكان، وهذا يتفاوت بتفاوت الأحوال". 

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خَيْرُكُمْ خَيْرُكُمْ لِأَهْلِهِ، وَأَنَا خَيْرُكُمْ لِأَهْلِي"، وكان من أخلاقه -صلى الله عليه وسلم- أنه جميل العشرة؛ دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه.

فإذا أخلّ الزوجُ بواجباته، ووقع على المرأة منه ظلم أيًّا كان في النفقة أو لحاق أذى بها، كان هذا نقصًا فيه، وامتناع عن أداء ما عليه، لا يعذره فيه الشرع، وأمره إلى الله سبحانه وتعالى، فالله يجازي بالإحسان إحسانًا، لا يضيع حق عباده، ولا تفوت عنده مظلمة.

أما المرأة التي تؤدي حق زوجها، وابتليت بزوج لا يعاملها بالحسنى، فصبرت على سوء خلقه فهي مأجورة من الله، ويعد هذا إحدى العبادات وأجلّ الطاعات وطريق للتقرب من الله عز وجل، فالزوجة الصابرة مجاهدة في سبيل الله تتحمل الأذى لكي تحفظ أسرتها، وتعاني من أجل بناء مجتمعها، وحين تترفع الزوجة عن طلب الطلاق لأن الزوج سيء وتتكبد المعاناة معه من أجل أطفالها، سيكافئها الله بما صبرت، ونوصيها بالصبر والاحتساب، فتدعو الله له، وتسأل له الهداية، وأن يغير حاله إلى حال خير منها، والله سبحانه هو القادر على كل شيء، القائل: "إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ" ويقول نبيه عليه الصلاة والسلام: "ما أعطي أحد عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر". 

وكما أن الحياة الدنيا لا تخلو من كدر، إلا أن السعادة الحقيقية في الآخرة، حين نبشر بروح وريحان ورب راضٍ غير غضبان، فالتفكر في الجنة ونعيمها يهون كل الصعاب.

الابلاغ عن خطأ