عاجل

من داخل العيادة النفسية

أميرة عبد القادر

  • 164

أغلقت الباب وراءها بقوة وحدت النظر إليّ قائله ستفهمينني أم أعود؟ نظرت إليها بهدوء وحاولت السيطرة على دهشتي، وابتسمت قائلة: سأفهمك لا تقلقي. ارتمت بجسدها على الكرسي، وهي ترتعد وتحرك رجليها بعنف وتوتر، وتضرب بيديها على المكتب، لا أحد يفهمني، الكل يعتبرني شيطانة، الكل يعتقد أن كل السوء اجتمع فيّ. بادرتها سائلة، ماما وبابا؟! ردت مسرعة: ومن غيرهما؟ للأسف نعم، وانفجرت باكية وهى تردد يا ليتني أموت، يا ليتني ما أتيت الحياة، يا ليتني ما كنت موجودة.
هدأتها قليلًا، فأخذت تحكي: لا أحد يشعر بي لا يريدون سوى التفوق الدراسي، حفظ القرآن، إذا تكلمت يستهينون بمشاكلي، وإذا حاولت أحكي ما بداخلي ينتقدونني بشدة، وإذا طلبت شيئًا لا أجد إلا كلمة "أنت بنت"، إذا بكيت من أمر ضايقني أكون تافهة، ولا يشغلني إلا سفاسف الأمور، إذا حصلت على 8 من عشرة في اختبار، يتساءلون: أين الدرجتان الناقصتان؟، وإذا أخطأت في حفظي بعض الأخطاء يقارنونني بفلانة حافظة وأنت لم تحفظي، إذا حاولت الاهتمام بشكلي ومظهري بوضع بعض المساحيق في البيت، لا أجد إلا النظرات المضحكة والسخرية "ما أنت فاضية" لا أجد إلا الأوامر والنقد والمقارنة. 

قطعت حديثها ثم نظرت إليّ محدقة، وهمست قائلة: "تعرفين يا دكتورة "أنا زيرو ثقة بنفسي"، يا دكتورة أنا أفعل أشياء كثيرة خطأ من ورائهم، أنا نفسي أترك البيت وأمشي، أنا نفسي حد يحضني، وانفجرت باكية".

هذه صورة متكررة يوميًا داخل العيادات النفسية، لا يكاد يخلو يوم إلا ويكرر المشهد، فتاة يتراوح عمرها ما بين الـ 13 إلى 18 من عمرها بنفس الشكوى، فتاة جميلة لديها كل مقومات النجاح الشخصي إلا أنها تحتاج إلى المساعدة تحتاج إلى التفهم، تحتاج إلى التقبل تحتاج إلى الدعم، لم تجده فذهبت تبحث عنه في كل الدروب والطرقات، وانتهى بها المطاف إلى عيادة نفسية لتلملم بعض شتاتها بعد أن أنهكتها الصفعات والصدمات.

هذه الفتاة ومثيلاتها تحتاج لأم واعية ناصحة تعلم طبيعة المراحل العمرية التي تمر بها ابنتها واحتياجاتها النفسية والعاطفية، وأيضا الفكرية، أم تعلم كيف تحتوي ابنتها، وتسد احتياجاتها النفسية، كيف تصنع علاقة صحيحة سليمة مع ابنتها المراهقة لكي تتخطى هذه المرحلة بأمان بلا كوارث وخسائر قادمة، تعلم كيف تراعيها دون أن تخسرها، تحتويها دون أن تدللها، تبني عقلها وفكرها دون أن تعاديها، تقنعها دون أن تتمرد عليها. تقدر وتتفهم مشاعرها دون أن تكبتها، تصلحها وتغيرها دون أن تهدمها.
وتحتاج إلى أب يدعمها دون استهزاء، يشجعها ويطمئنها أنه بجانبها، يثني على أنوثتها ومظهرها ويعطيها الثقة، يعلمها أنه فخور بها لأنها ابنته، يخصها برسالة أو نزهة أو حتى قبلة، يشعرها أنها أميرته الغالية جدًا حتى تكون غالية في نظر نفسها، فلا تحتاج أن تسمع الكلام المعسول من أول علاقة أو زميل دراسة يخدعها وتنجذب له بحجة أنه ينقصها كثير من الحب، بناتنا فلذات أكبادنا ينتظرن منا الكثير فهلا نعطيهن ما يحتجن؟!


الابلاغ عن خطأ