الحقوق والحريات في الدستور الجديد

  • 145

العرف الدستوري المستقر منذ دستور 1923، وحتى دستور 2012، يقضي بضبط مواد الحقوق والحريات بما لا يتعارض مع " النظام العام ".

إن فكرة النظام العام في فقه القانون، تعبر – بصفة عامة – عن الأسس الدينية، والثقافية، والاقتصادية، والاجتماعية، والسياسية، التي يقوم عليها نظام المجتمع، والتي تهدف إلى تحقيق الحد الأدنى، الذي لا يمكن الاستغناء عنه في بناء الجماعة وكيانها، وعلى ذلك كانت القواعد المتعلقة بها من القواعد الآمرة، التي لا تملك إرادة الأفراد إزائها أي سلطان، أو قدرة على مخالفتها، لما في ذلك من تعريض كيان المجتمع للانهيار والتصدع.

وقد نصت المادة الخامسة من تعديلات دستور 2012، على احترام حقوق الإنسان وحرياته، على الوجه المبين في الدستور.

والدستور يُقرأ كجملة واحدة، وتم تأكيد ذلك في المادة رقم 227 [يشكل الدستور بديباجته، وجميع نصوصه نسيجاً مترابطاً، وكلاً لا يتجزأ، وتتكامل أحكامه، في وحدة عضوية متماسكة].

كما نصت المادة رقم 206 على أن [الشرطة هيئة مدنية نظامية، في خدمة الشعب، وولاؤها له، وتكفل للمواطنين الطمأنينة والأمن، وتسهر على حفظ النظام العام، والآداب العامة، وتلتزم بما يفرضه عليها الدستور والقانون من واجبات، واحترام حقوق الإنسان وحرياته الأساسية].
وقد تم ذكر الإعلانات والمواثيق والمعاهدات الدولية في ثلاثة مواضع من تعديلات دستور 2012، ففي الديباجة [نكتب دستوراً يفتح أمامنا طريق المستقبل، ويتسق مع الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي شاركنا في صياغته، ووافقنا عليه].

ونصت المادة رقم 93 على أن [تلتزم الدولة بالاتفاقيات، والعهود، والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان، التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها، وفقاً للأوضاع المقررة].

كما نصت المادة رقم 151 على أن [يمثل رئيس الجمهورية الدولة في علاقاتها الخارجية، ويبرم المعاهدات، ويصدق عليها بعد موافقة مجلس النواب، وتكون لها قوة القانون بعد نشرها وفقًا لأحكام الدستور.

ويجب دعوة الناخبين للاستفتاء على معاهدات الصلح، والتحالف، وما يتعلق بحقوق السيادة، ولا يتم التصديق عليها إلا بعد إعلان نتيجة الاستفتاء بالموافقة.

وفى جميع الأحوال لا يجوز إبرام أية معاهدة تخالف أحكام الدستور، أو يترتب عليها التنازل عن أي جزء من إقليم الدولة].
ويُستفاد من مجموع هذه النصوص أن قيمتها القانونية أدني من الدستور، " قوة القانون "، وأنها تفسر في سياق الدستور ككل، وبصفة خاصة باب الدولة والمقومات الأساسية للمجتمع.

ولا شك أن ممارسة الحقوق والحريات بدون ضوابط، تؤدى إلى فوضى شاملة غير خلاقة، وإذا رجعنا إلى الاتفاقيات الدولية، التي ساهمت في تكوين قواعد قانونية عرفية، شكلت ما يُسمى بالقانون الدولي العرفي لحقوق الانسان، وجدناها تؤكد هذه الضوابط.

وأهم هذه المصادر:

- الإعلان العالمي لحقوق الانسان 10/12/1948.
-العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية 16/12/1966 نفاذ 23/3/1976.
-العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية 16/12/1966 نفاذ 3/1/1976.
أما الاعلان العالمي لحقوق الانسان، فتقول ديباجته: إن الجمعية العامة للأمم المتحدة تنشر على الملأ، هذا الاعلان بوصفه المثل الأعلى المشترك، الذي ينبغي أن تبلغه كافة الشعوب، وكافة الأمم.

وقد نص في المادة 29/2 على أنه لا يخضع أي فرد في ممارسة حقوقه وحرياته، إلا للقيود التي يقررها القانون؛ مستهدفاً منها حصراً ضمان الاعتراف الواجب بحقوق وحريات الأخرين واحترامها، والوفاء بالعادل من مقتضيات الفضيلة، والنظام العام، ورفاء الجميع، في مجتمع ديمقراطي.
وأما العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، فقد نص في المادة 12/3 الخاصة بحرية التنقل، وحرية اختيار مكان الإقامة، على أنه لا يجوز تقييد الحقوق المذكورة أعلاه، بأية قيود، غير تلك التي ينص عليها القانون، وتكون ضرورية لحماية الأمن القومي، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الآداب العامة، أو حقوق الأخرين وحرياتهم.

ووردت الضوابط أيضاً بالمادة 14 الخاصة بالمساواة أمام القضاء، والمادة 18/3 الخاصة بحرية الفكر والوجدان والدين، والمادة 19/3 الخاصة بحرية التعبير، والمادة 21 الخاصة بالتجمع السلمي، والمادة 22/2 الخاصة بحرية تكوين الجمعيات والنقابات.

وهي نفس القيود الواردة في اتفاقية حقوق الطفل (20/11/1989 نفاذ 2/9/1990 في المواد أرقام 13/2، 14/3، 15/2. (

أما العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية فقد نص على هذه الضوابط في المادة 2/3، حيث يقول: للبلدان النامية أن تقرر مع إيلاء المراعاة الواجبة لحقوق الانسان، ولاقتصادها القومي، إلى أي مدى ستضمن الحقوق الاقتصادية المعترف بها في هذا العهد لغير المواطنين.
ونصت المادة 8/1/أ/ج/د على أنه: لا يجوز إخضاع ممارسة هذا الحق (تكوين النقابات والانضمام إليها) لأية قيود غير تلك التي ينص عليها القانون، وتُشكل تدابير ضرورية في مجتمع ديمقراطي؛ لصيانة الأمن القومي، أو النظام العام، أو لحماية حقوق الأخرين وحرياتهم.
حق الاضراب؛ شريطة ممارسته وفقاً لقوانين البلد المعني.

ونصت المادة 8/2 على أنه: لا تحول هذه المادة دون إخضاع أفراد القوات المسلحة، أو رجال الشرطة، أو موظفي الإدارات الحكومية؛ لقيود قانونية على ممارستهم لهذه الحقوق.

ونصت المادة 13/3 على أن: تتعهد الدول الأطراف في هذا العهد باحترام حرية الآباء، أو الأوصياء عند وجودهم في اختيار مدارس لأولادهم غير المدارس الحكومية، شريطة تقيد المدارس المختارة بمعايير التعليم الدنيا، التي قد تفرضها أو تقرها الدولة، وبتأمين تربية أولئك الأولاد دينياً، وخلقياً، وفقاً لقناعتهم الخاصة.

أما الإعلان الصادر بشأن القضاء على جميع أشكال التعصب، والتمييز القائمين على أساس الدين، أو المعتقد، والذي نشرته الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25/11/1981 فنص في المادة 1/3 على أنه: لا يجوز إخضاع حرية المرء في إظهار دينه، أو معتقداته؛ إلا لما قد يفرضه القانون من حدود تكون ضرورية لحماية الأمن العام، أو النظام العام، أو الصحة العامة، أو الأخلاق العامة، أو حقوق الأخرين وحرياتهم الأساسية.

كما نصت المادة 5/1/2 على أنه: يتمتع والدا الطفل، أو الأوصياء الشرعيون عليه – حسبما تكون الحالة – بحق تنظيم الحياة داخل الأسرة؛ وفقاً لدينهم أو معتقدهم، أخذين في الاعتبار التربية الأخلاقية، التي يعتقدون أن الطفل يجب أن يُربي عليها.

يتمتع كل طفل بالحق في تعلم أمور الدين، أو المعتقد؛ وفقاً لرغبات والديه أو الأوصياء الشرعيين – حسبما تكون الحالة – ولا يُجبر على تلقي تعليم في الدين، أو المعتقد، يُخالف رغبات والديه، أو الأوصياء الشرعيين عليه، على أن يكون لمصلحة الطفل الاعتبار الأول.

بيد أن موقف هذه المصادر الدولية من الحقوق والحريات السلبية، هو رفض أي ضوابط أو قيود رفضاً مطلقاً.

ففي اتفاقية مناهضة التعذيب، وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية، أو اللاإنسانية، أو المهينة، والمعتمدة من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 10/12/1984 نفاذ 26/6/1987 تنص المادة 2/2: 3 على أنه لا يجوز التذرع بأية ظروف استثنائية أياً كانت، سواء أكانت هذه الظروف حالة حرب، أو تهديداً بالحرب، أو عدم استقرار سياسي داخلي، أو أية حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى كمبرر للتعذيب.

لا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة، أو عن سلطة عامة كمبرر للتعذيب.

ونصت المادة 3/1: على أنه لا يجوز لأية دولة طرف أن تطرد أي شخص، أو أن تقيده، أو أن تسلمه إلى دولة أخرى إذا توافرت لديها أسباب حقيقية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيكون في خطر التعرض للتعذيب.

وتكرر نفس النهج في إعلان حماية جميع الأشخاص، من الاختفاء القسري المعتمد من الجمعية العامة للأمم المتحدة في 18/12/1992 في المادة 6/1 والمادة 7 والمادة 8/1.

- لا يجوز التذرع بأي أمر أو تعليمات صادرة عن أي سلطة عامة، مدنية كانت، أو عسكرية، أو غيرها؛ لتبرير عمل من أعمال الاختفاء القسري، ويكون من حق كل شخص يتلقى مثل هذه الأوامر، أو تلك التعليمات، ومن واجبه عدم اطاعتها.

- وفي المادة 7: لا يجوز اتخاذ أي ظروف مهما كانت؛ سواء تعلق الأمر بالتهديد باندلاع حرب، أو قيام حالة حرب، أو عدم الاستقرار السياسي الداخلي، أو أي حالة استثنائية أخري؛ ذريعة لتبرير أعمال الاختفاء القسري.

- وفي المادة 8/1: لا يجوز لأي دولة أن تطرد، أو تعيد، أو تسلم، أي شخص إلى أي دولة أخري إذا قامت أسباب جدية تدعو إلى الاعتقاد بأنه سيتعرض عندئذ لخطر الاختفاء القسري.