العلاقة بين الدين والدولة في الدولة المصرية الحديثة

  • 1105

                                   العلاقة بين  الدين والدولة في الدولة المصرية الحديثة (1)
الحمد لله، و الصلاة والسلام على رسول الله، و بعد:
سبق لنا فى سلسلة مناهج الإصلاح أن بينا أنه لا بد لكل حركة إصلاحية من أمرين:
الأول:هو نموذج الصلاح الذى تسعى إلى إيجاده.
الثانى:هو المعرفة الدقيقة بالواقع ومدى انحرافه عن حال الصلاح المنشود.
ومن خلال هذين الأمرين ينتج المنهج الإصلاحى الذى ينبغى أن تسير عليه.
ويجب أن نراجع أنفسنا دائما فيما يتعلق بكل من هذين الجانبين، ولن نطيل الكلام هنا كثيرا على الجانب الأول على اعتبار أن درجة إدراكنا له أحسن حالا بكثير من الجانب الثانى؛ وهو ما نريد أن نتعرض له فى هذا المقال فيما يتعلق بموقع الدين فى مصر على مستوى الدستور والقانون والثقافة  (ونعنى بها الفكر والقيم والأخلاق السائدة فى المجتمع)، ويمكننا أن نقول إن الحركة الإسلامية تأثرت بخطاب أحد فصائلها، لم تحاول أن ترسم الخريطة التفصيلية لكل قطر من أقطار العالم الإسلامى لتضع الحلول المناسبة له، وإنما غلب عليها خطاب سياسى أخذ أكثر نماذج الدول الإسلامية تطرفا فى تطبيق العلمانية، وهى "تركيا"، واجتهد بعد ذلك فى محاولة إثبات أن كل الدول لا تختلف عن تركيا إلا فى قشرة ظاهرية، وأن كل القادة لا يختلفون عن أتاتورك إلا بهذا المقدار الظاهرى، وأخذوا يعممون هذا الوصف حتى على تلك الدول التى تطبق الشريعة على المستوى الدستورى والقانونى، (وإن وجدت انحرافات على مستوى الفكر والثقافة)، ونستطيع أن نقول إن الحركة الإسلامية كانت دائما ما تنظر إلى نصف الكوب الفارغ، والأدهى من ذلك أنها كانت دائما ما تقطع بأن نصف الكوب المليء ليس إلا خداعا استراتيجيا من صاحبه للحركة الإسلامية، وأن كل حاكم هو أتاتورك وإن صلى وصام وأعطى الحرية للدعوة الإسلامية.
ومن أجل ذلك خسرت الحركة الإسلامية فرص تعاون كبيرة مع كثير من الحكام الذين يوجد بينهم وبين الحركة الإسلامية أرضية مشتركة لدرجة تصل أحيانا إلى حد التطابق ولو مرحليا؛ إذا أخذنا فى الاعتبار أن الإسلاميين الذين وصلوا بالفعل إلى الحكم لم يستطيعوا أن يتجاوزوا قضية إبراز الجانب الدستورى والشعبى لتدين الدول التى حكموها، كل بحسب ما يسمح به دستور بلاده؛ ومن ثم تفاوت هذا الأمر تفاوتا كبيرا من بلد مثل تركيا إلى بلد مثل تونس، إلى أخرى مثل مصر، علمنا مقدار التجاوز فى تعميم وصف العلمانية على كل من لم ينتمِ إلى الحركة الإسلامية.
وغنى عن الذكر أن التعاون مع أى أحد كائنا من كان فى أمر من الخير لا يلزم منه السكوت عن أى خطأ عنده، والقاعدة الشرعية فى ذلك "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".
وبالتأمل فى دعوة مثل دعوة الإخوان المسلمين نجد أنها دارت حول فكرة إعادة تكوين الخلافة الإسلامية بدءا من دولة محورية ثمثل نواة لإعادة الخلافة، وكان الأستاذ حسن البنا يقارن بين السعودية ومصر، وبين الملك عبد العزيز ملك السعودية آنذاك والملك فؤاد ملك مصر آنذاك؛ ومن ثم أفرط فى الثناء على الثانى بصورة أزعجت الحركة الوطنية التى كانت تحاول أن ترسخ صلاحيات للأحزاب فى مواجهة القصر، وكذلك بالغ الإخوان فى الثناء على الملك فاروق فى بداية حكمه، وأقاموا مؤتمرهم الرابع فى القصر احتفالا بجلوسه على العرش، إلا أن تغيرا طرأ على فكر الأستاذ حسن البنا بأن هذه الدولة النواة لا بد ألا يقيمها إلا الإخوان أنفسهم؛ ومن ثم تغير موقفهم من الحكام ولم يقتصر التغير على بيان ما عند الحكام من أخطاء أو بتطبيق القاعدة الشرعية "تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان" كما هو الواجب، بل تعدى الأمر إلى الحرص على توصيف الواقع الدستورى للدول والحكام بأنها كلها نسخة من تركيا العلمانية، وأنهم كلهم نسخ من أتاتورك.
ويبقى أن نشير إلى أن أصحاب هذا الخطاب لديهم مرونة حركية كبيرة تجعلهم يتعاونون ويتحالفون أحيانا مع كثير من هؤلاء (والوقائع كثيرة لا تحصى)، وهم مع تحالفهم هذا لا يغيرون من رؤيتهم لهم قدر شعرة (ويظهر ذلك جليا فى أول خلاف).
ويبقى السلفى الذى اعتمد على هذا الفصيل من الإسلاميين فى توصيف الواقع السياسى المعاصر حائرا مضطربا؛ فإنه حين يصدق أن كلهم أتاتورك يلزمه حينئذ أن يكون فى موقف البراءة التامة منهم، فى حين أنه يجد أن من أخذ عنهم هذا التوصيف يتقلبون فى مواقفهم من الحكام تقلبا يخضع للمواقف الآنية، ولا يعبر عن موقف رفض  استراتيجي.
ومن هنا كانت الحاجة إلى دراسة الموقف فى بلادنا دراسة دقيقة محايدة، لا تجمل الواقع وفى ذات الوقت لا تلصق به كل نقيصة لتجعل من المجتمع أو من الدولة شرا محضا.
لقد عصم الله السلفيين بما تعلموه من قواعد أهل السنة والجماعة فى باب الإيمان والكفر، وبما درسوه أن من خصائص أهل السنة رحمة أهل البدع والمعاصى، وأنهم يجمعون بين معرفة الحق ورحمة الخلق؛ فعصمهم الله بذلك من الانزلاق فى وصف مجتمعات المسلمين المعاصرة بأنها مجتمعات جاهلية أو التعالى عليها، وفى ذات الوقت لم تداهن الدعوة السلفية أو تقر باطلا وإنما تعاملت مع أخطاء الأفراد والمجتمع والدولة بالحكمة والموعظة الحسنة، رغم ما يبدو من اتساع الهوة بين نمط الالتزام الدينى الذى تدعو إليه وبين نمط الالتزام الدينى الشائع (فضلا عن أنماط الانحراف)، إلا أن الدعوة حافظت بفضل الله على بقائها فى قلب المجتمع المصرى المسلم، وتفاوت موقفها من الدولة بحسب وجود فرصة الاشتراك فى تحديد  شكل الدولة سواء من الناحية الدستورية أو القانونية، أو هويتها الأخلاقية والفكرية والثقافية.
ويبقى لنا أن نعالج النظرية الموروثة "أن كل الدول الإسلامية قد تحولت إلى دول علمانية بعد سقوط الخلافة، وأن  كل حكام المسلمين من حينها ما هم إلا نسخة من أتاتورك"، والغرض ليس الدفاع عن أحد، وبالطبع ليس الهجوم على أحد، وإنما الغرض أن نعرف الواقع من حيث هو واقع لكى نتعامل معه بما يصلحه، وبحيث يجعلنا بالفعل عونا للجميع أن يقتربوا من الله عز وجل أكثر، كما قال عمر بن عبد العزيز لابنه: "والله لقد وددت أن هؤلاء القوم أطاعوا ربهم، وأن جسمى قد قرض بالمقاريض".
العلاقة بين المجتمع والدستور والقانون، بين المثال والواقع المصري:
وقبل أن نبدأ فى وصف الواقع المصرى، نود أن نشير إلى سبب من أهم أسباب الالتباس فى واقع البلاد الإسلامية بعد سقوط الخلافة الإسلامية ومنها مصر، وهو أن نظامها لا يسير على القواعد الطبيعية حيث تتحول القيم الحاكمة للمجتمع إلى دستور؛ ومن ثم تخرج المنظومة القانونية محققة لهذا الدستور، وأما فى بلادنا فالمنظومة القانونية تخالف الدستور حيث يمنع الدستور منذ 1980 من مخالفة الشريعة (وإن شئنا الدقة فإن التفسير الصحيح لدستور 1923 أنه يمنع من مخالفة الشريعة)، فى حين أن القوانين المخالفة للشريعة كانت قد دشنت بالفعل قبل هذا التاريخ بمائة عام، كما أنك تجد انفصاما كبيرا بين من يسمون بالنخبة المثقفة وبين الثقافة السائدة فى عموم الشعب.
والأمانة تقتضى وصف الواقع على ما هو عليه بكل تناقضاته، وإن كان ولا بد من تحيز فليكن للجانب الحسن؛ فمثلا إذا كان الدستور يمنع مخالفة الشريعة فى حين يوجد عددا لا بأس به من القوانين المخالفة للشريعة، فينبغى أن نقرر أن وضع هذه القوانين هو وضع مخالف لدين الغالبية العظمى من الشعب، ولثقافة الشعب ولدستوره؛ ومن ثم فهى واجبة التغيير مع الاحتفاء يكون بمنع الدستور من مخالفة الشريعة، ولكن البعض يرى أن التهوين من شأن الصواب والتركيز على الجوانب المخالفة قد يعطيه قوة مواجهة أكبر، وهذا فرع على الانحياز لخيار المواجهة ولشعور باطن بأن الإسلام لن ينصر إلا على يديه، وهى التصورات التى عطلت على الأمة الكثير من التقدم فى اتجاه ترسيخ هويتها.
وبعبارة أخرى: نريد أن نرسخ نصف الكوب المليء، وأن نسعى بالحكمة والموعظة الحسنة لملأ النصف الآخر بدلا من سياسة إفراغ الكوب لإعادة ملئه، فضلا عن محاولة كسره.
ومن الجدير بالذكر أن الأستاذ حسن البنا رحمه الله كان يؤصل لهذا الفرق بين الدستور الذى قرر أنه غير مخالف للشريعة وبين القانون الذى يخالفها، مع الأخذ فى الاعتبار أنه قرر هذا الكلام فى ظل دستور 1923، والذى تطور إلى الأحسن فى دستور 1971، ثم فى تعديل 1980، و فى دستورى 2012 و 2014.
الأطوار التي مرت بها الدولة المصرية الحديثة:
مصر تمثل إقليما ذا طبيعة جفرافية وتركيبة سكانية خاصة منذ آلاف السنين؛ مما جعلها رغم تعاقب الأنظمة السياسية التى حكمتها والإمبراطوريات التى كانت مصر جزءا منها دولة ذات وضع خاص، وتكاد تكون حدودها ثابتة على مر التاريخ حتى فى الفترات التى انصهرت فيها ضمن إمبراطوريات أخرى، ومنها بالطبع وجودها فى قلب الدول الإسلامية المتعاقبة، ومن آخرها الخلافة العثمانية التى لعبت مصر دورا محوريا فى فترات ازدهارها، وكان فى استقلال مصر عنها أثر كبير فى إضعافها، ويؤرخ الكثيرون لوجود درجة من درجات استقلال مصر عن الدولة العثمانية بالحملة الفرنسية على مصر(1789 – 1801)، وهى وإن كانت ذات تأثير على وضع مصر فى الدولة العثمانية، إلا أننا لا نستيطيع أن نؤرخ به لأنه كان حدثا على غير إرادة المصريين كشعب، وعلى غير إرادة الدولة العثمانية وولاتها فى مصر؛ ومن ثم قاومها الجميع.
ولكن الأولى أن نعتبر فترة حكم محمد على لمصر هى بالفعل الفترة التى دشنت لاستقلال مصر عن الدولة العثمانية، وإن لم يكن هذا مقصودا لمحمد على.
1-   فترة حكم محمد علي من (1805 – 1848):
ويجب من باب الإنصاف (أو من باب معرفة الواقع على ما هو عليه)، أن نفرق بين الآثار التى ترتبت على وجود دولة محمد على، وبين المشروع الذى كان يحمله؛ ومن العسير أن تجد دلائل على ما يذهب إليه كثير من مؤرخى الحركة الإسلامية بأن محمد على كان يحمل مشروعا تغريبيا رغم أن حركة التغريب قد بدأت فى عصره، ولكننا نميل أكثر إلى أن محمد على كان يحمل مشروعا عثمانيا، وأنه عندما وجد أن الدولة العثمانية فى الأستانة تنتقل من ضعف إلى ضعف؛ طمح (أو بالأحرى طمع) إلى أن ينقل مركز الخلافة إلى مصر؛ و من أجل ذلك سعى لتكوين جيش قوى فى مصر، وكان يفضل أن يعتمد فيه على المماليك والأتراك، إلا أن الظروف اضطرته إلى أن يشكل جيشه من المصريين.
لقد استطاع  محمد على بالاعتماد على المصريين فى تكوين جيشه أن يتفادى السبب الرئيسى فى ضعف الدولة العثمانية عسكريا، وهو رفض فرسانها للتدريب على الأسلحة الحديثة لركونهم لما اعتادوا عليه من الفروسية.
وتماشيا مع روح العصر أرسل محمد على الإرساليات إلى أوروبا، ويلاحظ أنه أرسل المبعوثين ليتعلموا العلوم التقنية وليست العلوم الإنسانية؛ مما ينفى عنه تهمة القصد إلى التغريب وإن كان لم ينزعج منه، ولم يتخذ التدابير الكافية لمنع تسلل التغريب إلى قلوب وعقول من يرسلهم؛ فاكتفى فى كبرى بعثاته بإرسال واعظ أزهرى مع البعثة (الشيخ رفاعة الطهطاوى)، فأوتيت تلك البعثة من خلال هذا الواعظ.
ويمكن أن نلخص ملامح موقع الدين فى دولة محمد على من خلال محاور ثلاثة  (الدستور – القانون – الفكر والثقافة).
أ‌-      الدستور:
لم يكن فى عهد محمد على دستورا مكتوبا، ولكن يمكننا أن نقول إن العقد الاجتماعى بين الوالى والشعب فى ذلك الوقت كان على ما هو عليه من أن الوالى يكتسب شرعيته بصفة أساسية من كونه ممثلا للخلافة الإسلامية فى حكم إقليم مصر.
ب‌-  القوانين:
كان العمل فى مصر كما هو فى غيرها من الولايات العثمانية بالقضاء الشرعى.
ج – الفكر والثقافة والأخلاق:
ونتعرض له على ثلاثة مسارات.
أولا: الطبقة الحاكمة:
يعتبر محمد على ذاته نموذجا لشخصية (الحاكم المدير) الذى يعنى بإدارة الدولة أكثر مما يعنى بهويتها أو أيدلوجيتها؛ وهذا لا يعنى الحياد التام، فإنه فى غاية الندرة فى البشر، ولكن نعنى أن يكون الجزء الأكبر من اهتمامات الحاكم (والذى غالبا ما يصبغ أجهزة الدولة بصبغته حتى بعد عصر الدساتير المؤسسية) موجها إلى الإدارة.
وهذا النوع من الحكام هو الأكثر رواجا فى مصر منذ هذا التاريخ، مع وجود ميل لدى بعض الحكام إلى لون فكرى أو نمط ثقافى، وغالبا ما يتشكل هذا التوجه من حالة الثقافة السائدة فى النخبة والحالة الثقافية الشعبية، كما يتأثر بصورة أو بأخرى بالعلاقات الخارجية.
 ثانيا:النخبة المثقفة:
كانت الحملة الفرنسية قد خلفت وراءها أقواما من المثقفين قد أصابتهم الهزيمة النفسية وشعروا بالدونية أمام ما شاهدوه من تقدم الفرنسيين، ويا ليت همتهم قد تحركت لنقل ما عند الفرنسيين من تقدم تقنى، ولكنهم عموا عن هذا أوتعاموا وانصرفوا عنه إلى الترويج لمناهج الحياة الغربية؛ وقد بدا هذا التيار الاستغرابى غريبا منبوذا من عامة الشعب.
وإذا كان تيار التغريب (الصريح) قد عانى عزلة شعبية، فإن تيار الانبهار بالغرب مع قدر من التحفظ الأخلاقى والذى مثله رفاعة الطهطاوى يبدو أنه مر دونما ممانعة شعبية، لا سيما أن علماء الأزهر كانوا حيال هذا التيار بين راضٍ أو عاجزٍ عن المواجهة، أو منشغل عنها.
ثالثا: الجمهور:
اتسمت الحالة الفكرية والثقافية فى هذه الحقبة بالخمول والانفصال التام بين الجمهور والنخبة بكل توجهاتها سواء دعاة التغريب أو معارضيه، مع شيوع نمط من التدين مغرق فى البدع والخرافة بعيد عن تشكيل النمط السلوكى والأخلاقى للفرد.
وكانت الدعوة الوهابية قد بذلت جهودا فى مقاومة هذا النمط من التدين الذى كان شائعا أيضا فى شبه الجزيرة العربية، وتجاوب معها بعض مصلحى مصر كالجبرتى والزبيدى، إلا أن الدولة العثمانية قد رأت فى ازدياد نفوذ الدعوة الوهابية خطرا عليها، وأنابت محمد على فى حربها؛ مما أخر تأثيرها الحقيقى فى مصر إلى بداية القرن العشرين على يد محمد رشيد رضا.
فائدة: القائد المدير والعوامل المؤثرة في توجهاته الفكرية:
ذكرنا أن محمد على دشن لنموذج الحاكم المعنى بتدبير شئون الدولة أكثر من اهتمامه بتوجهها الفكرى، وأن هذا النوع من القادة غالبا ما لا يفرض توجهه الفكرى بقدر ما تكون توجهاته نتيجة لمحصلة توازنات القوى الفكرية؛ ومن هنا تظهر أهمية مساندة من يوجد لديه توجه نحو الحفاظ على هوية الدولة من هؤلاء، وإلا شكلت التيارات الفكرية الأخرى وسطا فكريا سيبدو بصورة كما وكانت مجمعا عليها، وربما حدثت مؤثرات خارجية، وقد حدث أن جاء الخديو عباس حلمى الثانى وكانت توجهاته مناهضة للاحتلال الإنجليزى وللثقافة الوافدة، حتى إن كرومر الذى كتب عنه  فى بداية حكمه أن "مبادئ الثورة العرابية عادت مرة أخرى، ولكن عن طريق الخديو"، و لكن القوى الوطنية فشلت فى مساندته حتى رضخ للإنجليز فى نهاية أمره، ومع هذا أجبره الإنجليز على التخلى عن الحكم.  
فائدة: رفاعة الطهطاوي كنموذج لأسلوب تقييم من جمع بين حق وباطل:
من الحقائق التاريخية التى لا تخطئها العين أن رفاعة الطهطاوى قد فتح باب التغريب على مصراعيه بانبهاره بتقدم الغرب، والذى امتد إلى الإعجاب التام بنظم إداراتهم وسياستهم؛ مما أضعف السياسة الشرعية رغم تقدمها على سياسة الغرب أمام أعين الأجيال الجديدة، لا سيما وأن الطهطاوى قد ظهر وسط حالة جمود فكرى، فلم ينتبه أو لم يستطع علماء الأزهر آنذاك أن يواجهوه، وإن بدا من مذكراته أنهم لم يكونوا مرتاحين بشكل كبير لأطروحاته، وتأتى المشكلة الأكبر لدى الطهطاوى أنه حكى عادات الغرب الأخلاقية بطريقة محايدة أحيانا، وربما حاول تبريرها فى أحيان أخرى، ولكن هل يكفى هذا أن نصفه بأنه دعا إلى العلمانية؟ يجب قبل أن نقرر هذا أن نقف عند نصائحه المباشرة للمسلمين؛ فقد طالبهم بأن يتمسكوا بأخلاقهم من الحجاب والعفة وغيرها من الأخلاق الإسلامية (يراجع  كتاب رفاعة الطهطاوى بين العلمانية والإسلام).
2-   الفترة من نهاية حكم محمد علي إلى الاحتلال الإنجليزي 1882:
أولا: الحالة السياسية والفكرية العامة الفكر والثقافة:
لم تتغير الحالة الفكرية والثقافية كثيرا عن تلك التى كانت سائدة فى عصر محمد على، ولكن تفاوتت أحوال الولاة بعده على النحو التالى:
فلم يطرأ على كل من إبراهيم باشا وعباس الأول ومحمد سعيد تطورات تذكر فى هذا الجانب، وإن كان كل منهم كان أضعف من سلفه فى الجوانب الإدارية.
وبدأ الميل إلى الثقافة الأوروبية يظهر بوضوح لدى إسماعيل باشا الذى حصل على درجة استقلالية أعلى عن الدولة العثمانية، وفى الوقت أكثر من الاستدانة من الغرب والتبذير فى الإنفاق؛ ومن ذلك أنه زاد من الضريبة المدفوعة للسلطان العثمانى مقابل الحصول على لقب (الخديو)؛ ونتيجة لديونه تدخلت الدول الأوروبية كثيرا فى الشأن المصرى، وعندما أبدى امتعاضه من هذا الوضع أجبروه على تسليم الحكم لابنه توفيق الذى شهد عصره تطلع المصريين إلى تطبيق نظام حكم نيابى، وقامت الثورة العرابية وتجاوب مع مطالبها فى أول الأمر، إلا أن إنجلترا وفرنسا قد تدخلتا لإيقاف هذه الإصلاحات رغم أنها تتماشى مع مناهجهم؛ حرصوا على إذكاء الخلاف بين الخديو توقيق وقادة الحركة العرابية ليجبروا توفيق على القبول بتدخلهم، وقد حدث وقامت إنجلترا باحتلال مصر عام 1882 تحت دعوى أنها جاءت بطلب من الخديو توفيق لدحر الحركة العرابية.
 
ثانيا: الدستور:
رغم أن هذه الفترة قد شهدت ميلاد أول وثيقة لتنظيم العمل النيابى، التى يعدها البعض بمثابة أول دستور للبلاد (والبعض يرى أن بعض الوثائق التى صدرت فى عهد محمد على أولى بهذا الوصف)، ولكن كل هذه الوثائق لم تتعرض لأساس قيام الدولة والأساس الذى يتولى الحاكم بناء عليه، وهو أن مصر جزء من الخلافة العثمانية.
ثالثا: القانون:
فى هذه الفترة وقعت الدولة العثمانية ككل والدولة المصرية بالتبع فى أدنى وهداتها؛ حيث شهدت تلك الفترة الامتيازات الأجنبية التى أدت فى النهاية إلى تحكيم القوانين الوضعية على الرغم من بقاء الأساس الدستورى الذى قامت عليه البلاد، على ما هو عليه من اعتبار الدولة العثمانية خلافة إسلامية، واعتبار مصر إحدى ولاياتها؛ ولكن للأسف كانت الدولة العثمانية الأم أسبق فى تقديم التنازلات للدول الأوروبية فى جانب القوانين، ومن خلال تبعية مصر للدولة العثمانية عرفت مصر الامتيازات الأجنبية، ثم أنشأت المحاكم القنصلية التي تتبع قنصليات الدول الأجنبية للنظر في المنازعات بين المصريين ورعايا تلك الدول الأجنبية؛ حيث يُقضى في تلك المنازعات بما تراه هذه المحاكم لا بمقتضى الشريعة الإسلامية، وفي عهد الخديو إسماعيل حُولت المحاكم القنصلية إلى محاكم مختلطة تابعة للدولة المصرية يلتزم الجميع (أجانب ومصريون) بالوقوف أمامها، ولكن قوانينها كانت مأخوذة من القانون الفرنسي، وكان ذلك بمشورة نوبار باشا للتخلص من المحاكم القنصلية، وبعد دخول الإنجليز مصر أنشأت المحاكم الأهلية بجوار المحاكم المختلطة ليتحاكم إليها المصريون أنفسهم في منازعاتهم الداخلية، وقوانينها أيضا مأخوذة من القانون الفرنسي؛ وذلك في نوفمبر 1883م. وهى كما ترى محاكم غير شرعية؛ إذ لا تلتزم بالشريعة الإسلامية، وسميت بالأهلية "أي محاكم وطنية غير أجنبية"، فكان إنشاء هذه المحاكم تعميما لتحكيم القوانين الوضعية في مصر (هذا وقد أُلغيت المحاكم المختلطة بعد ذلك عام1949م، وألغي القضاء الشرعي المتعلق بأحكام الأحوال الشخصية، وأدمجت في دوائر تابعة للمحاكم الأهلية القائمة على القانون الوضعي في عام1955م).
وبهذه الخطوة حصل الانحراف الأكبر فى تاريخ مصر المعاصر، وهو فرض القوانين الوضعية وتنحية الشريعة الإسلامية رغم مخالفة ذلك لأمرين هامين:
الأول: الاعتقاد الدينى والإرادة الحقيقة للغالبية العظمى من الشعب المصرى.
الثانى: العقد الاجتماعى الإسلامى المنشأ للدولة سواء الدولة العثمانية أو الولاية المصرية.
فائدة: التدخل الأجنبي لمساندة الشريعة مفتاح الاحتلال:
القبول بالتدخل الأجنبى فى بلاد المسلمين تحت دعوى مساندة حاكم شرعى هو بعينه خطأ الخديو توفيق، وهو الذى أبقى مصر تحت الاحتلال البريطانى نحوا من 75 سنة، ومن يفكر فيه مجرد تفكير فهذا ينم عن جهل بالتاريخ والواقع والشرع قبل كل ذلك، والمعرفة بقواعد الشر.
الاحتلال الإنجليزي ونقطة التحول في الصراع على الهوية الإسلامية لمصر:
كانت الأمور كما ترى تسير من سيئ إلى أسوأ من حيث الجملة، ومن يقارن الحال الثقافى والدستورى والقانونى لمصر فى عصرنا يجد أنه أفضل على كل هذه الأصعدة من الحال فى بدايات الاحتلال الإنجليزى؛ فمتى بدأ المنحنى فى التحسن؟! وما هى نقطة التحول فى اتجاه هذا المنحنى؟!
وبالطبع نحن لا نتعامل مع دالة رياضية نستطيع أن نحدد نقاط تحولها بدقة، وإنما نحن نتعامل مع مجتمع بشرى، ولكننا نستطيع أن نقرر أن لحظة دخول الاحتلال الإنجليزى مصر هى نهاية السقوط وبداية الصعود.
نعم، جاء الإنجليز وجاءت معهم صحف وأغدقت أموال، وأسست أحزاب دعت بشكل سافر للتبعية الفكرية للغرب، ولكن هذه الدعوات الصريحة أوجدت دعوات مناوئة أكثر صراحة بخلاف حالة تسلل الغزو الفكرى الذى نتج عن تجربة رفاعة الطهطاوى.
بل ونتج عن هذا أن صار الشعب معنيا بهذه المعركة، وتقاسمت الأحزاب الرافضة للوجود الإنجليزى (الحزب الوطنى بقيادة مصطفى كامل، وحزب الوفد وجماعة الإخوان المسلمين)، الجماهير فيما بينها (على تفصيل يأتى ذكره فى المقالة المقبلة بإذن الله)، فى حين عانت الأحزاب المهادنة للإنجليز مثل حزب الأمة، وحزب الأحرار الدستوريين، وحزب السعديين، من العزلة الشعبية.
وإذا كانت إنجلترا قد استطاعت سلخ مصر عن الدولة العثمانية بإعلان الحماية عليها سنة 1914، فإن الشعب المصرى قد رد على هذا بثورة 1919 التى أجبرت إنجلترا على الاعتراف الشكلى على الأقل باستقلال مصر سنة 1922، وتلاه صدور أول دستور للبلاد سنة 1923 ينص على أن "دين الدولة الإسلام"، فى الوقت الذى كانت فيه تركيا بلد الخلافة تتجه إلى العلمانية الغالية.
وأعجب من هذا أن مصر التى سلخت من الخلافة رغما عنها وأصبحت مملكة مستقلة، كان أدباؤها وعلماؤها هم أكثر أهل الأرض بكاء على إلغاء الخلافة سنة 1924.
وعلى الصعيد القانونى جاءت إنجلترا إلى مصر وقد فرغت مصر من تطبيق القانون الفرنسى بحذافيره، وفى ظل وجوده صدر الدستور المدنى المصرى وهو أحسن حالا من سابقه، وإن ظل القانون الفرنسى هو مصدره الأول (ولهذا الأمر قصة سوف نتناولها فى المرة المقبلة إن شاء الله).
إذن كانت هذه هى نقطة التحول تبعتها خطوات تحول على المستوى الدستورى، بتقرير أن الإسلام هو دين الدولة، وتحول قانونى وإن كان فى غاية البطء نحو التحرر من القانون الفرنسى فى قانون 49، ثم فى إلغاء البغاء بعد ثورة 52، وأما الثقافة فماجت أمواجها عاتية كموج البحر وإن سارت فى الجملة فى اتجاه وعى الشعب وتمسكه بهويته.
وخلاصة ما نريد أن نقرره هنا، وما سنكمل حلقاته فى المرة المقبلة إن شاء الله:
لا ينبغى لنا أن نتبرع ولو من باب التحفيز فنقر بأن مصر تخلت عن هويتها الإسلامية حينا من الدهر، بل إن العرض السابق يوضح لنا بجلاء أن مصر على الأقل من الناحية الدستورية كانت دائما إما جزء من الخلافة الإسلامية، أو مملكة دينها الرسمى الإسلام، أو جمهورية دينها الرسمى الإسلام (دستور 56), فضلا عن دساتير 71 و 2012 و 2014.
كما أنه لا ينبغى لدعاة التمسك بهذه الهوية أن ينكمشوا فيتمدد غيرهم، فما زال الشعب رغم الأخطاء التى ارتكبت باسم الإسلام حريصا على هويته متمسكا بها، والله الموفق والهادى إلى سواء السبيل!