قراءة في قانون تنظيم الخطابة والدروس الدينية

  • 99

تُعد حرية ممارسة الشعائر الدينية – عموماً – احدى الركائز الأساسية لحقوق الانسان التي وردت في الإعلان العالمى لحقوق الانسان ، و – بصفة خاصة لأصحاب الشرائع السماوية – في الدستور المصرى الحالي .

وقد نصت مقدمة الدستور على أنه "يتسق مع الاعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي شاركنا في صياغته، ووافقنا عليه " . 
و نصت المادة رقم 93 على أن " تلتزم الدولة بالاتفاقيات والعهود والمواثيق الدولية لحقوق الإنسان التي تصدق عليها مصر، وتصبح لها قوة القانون بعد نشرها وفقاً للأوضاع المقررة " .
كما أكدت المادة 92 على أن " الحقوق والحريات اللصيقة بشخص المواطن لا تقبل تعطيلاً ولا انتقاصًا . ولا يجوز لأى قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس أصلها وجوهرها " .
وكذا حرية الرأى والتعبير عنه ، ففى المادة 65 "حرية الفكر، والرأى مكفولة . ولكل إنسان حق التعبير عن رأيه بالقول، أو الكتابة، أو التصوير، أو غير ذلك من وسائل التعبير والنشر" .
وكذا حرية تكوين الجمعيات والاتحادات والنقابات والانضمام اليها ، فقد نصت المادة رقم 76 على أن " إنشاء النقابات والاتحادات على أساس ديمقراطى حق يكفله القانون. وتكون لها الشخصية الاعتبارية، وتمارس نشاطها بحرية، وتسهم في رفع مستوى الكفاءة بين أعضائها والدفاع عن حقوقهم, وحماية مصالحهم . وتكفل الدولة استقلال النقابات والاتحادات، ولا يجوز حل مجالس إداراتها إلا بحكم قضائى . ولا يجوز إنشاء أى منها بالهيئات النظامية" .
كما نصت المادة 77 على أن "ينظم القانون إنشاء النقابات المهنية وإدارتها على أساس ديمقراطى، ويكفل استقلالها ويحدد مواردها، وطريقة قيد أعضائها، ومساءلتهم عن سلوكهم في ممارسة نشاطهم المهني، وفقاً لمواثيق الشرف الأخلاقية والمهنية ومساءلتهم . ولا تنشأ لتنظيم المهنة سوى نقابة واحدة. ولا يجوز فرض الحراسة عليها أو تدخل الجهات الإدارية في شؤونها، كما لا يجوز حل مجالس إدارتها إلا بحكم قضائي، ويؤخذ رأيها في مشروعات القوانين المتعلقة بها " .


هذه مقدمة ضرورية للفصل بين وجهتى النظر المتعارضة بالنسبة للقانون رقم 51 لسنة 2014 ، فالفريق الأول يرى أنه بمثابة تأميم للدعوة ، وجعلها على مقاس نظام الحكم وهواه ، ومغازلة لبعض القوى الداخلية والخارجية .
ويرونه جزءً من خطة أمنية يجري تنفيذها حاليا ومعروفة بـ "تجفيف المنابع"، وأن الهدف ليس منع ارتقاء المتطرفين المنابر لنشر أفكارهم وتشكيل قواعد لهم عبر المساجد الأهلية، بل أيضا منع رموز الخطابة من غير الرسميين من معارضة النهج الحكومي وتحقيق شعبية يعجز عنها أئمة الوزارة الرسميون ؟!.

أما دعوى أن كل مهنة تُحظر ممارستها إلا بترخيص، فالمحامي لا يدخل المحكمة للترافع من دون ترخيص من نقابته، كذلك الطبيب والمدرس وغيرهم ، فلماذا المساجد هي التي تكون لكل من هب ودب رغم أنها مسؤولية من أخطر ما يكون ؟!.
فيردون عليها بأن الدعوة تسمو على كل المهن ، ولا يمكن حصرها في طائفة دون غيرهم لأنه لاكهنوت في الاسلام ، كما أن المحامى والطبيب والمدرس وغيرهم يمارسون أعمالهم بمجرد تخرجهم وانضمامهم الى النقابة ، سواء تخرجوا من جامعات حكومية أو خاصة ، ولايحاسبهم على ممارسة نشاطهم المهنى سوى نقابتهم . 
بينما يراه الفريق الثانى ضرورياً لضبط الخطاب الديني وفق توجهات المؤسسة الدينية الأزهرية. 


وللتوفيق بين وجهتى النظر أرى إعطاء مهلة زمنية معقولة لتوفيق الأوضاع ،
مع تفعيل الفقرة الأخيرة من المادة الثانية " ويجوز الترخيص لغيرهم – رجال الأزهر والأوقاف - بممارسة الخطابة والدروس الدينية بالمساجد وما في حكمها وفقاً للضوابط والشروط التي يصدر بها قرار من وزير الأوقاف أو من يفوضه في ذلك"دون تدخلات أمنية .
نعم من حق الأمن أن يلجأ للنيابة إذا وجد أى مخالفة للقانون ، ولكنه ليس من حقه التدخل ابتداءً بالمنع .

وعموماً يظل القرار الادارى الصادر في هذا الشأن – أيا كان من أصدره - خاضعاً لرقابة محاكم مجلس الدولة .

ومن الجدير بالذكر أن حالة الضرورة مازالت مستثناة بالقانون رقم 238 لسنة 1996 فعندما يغيب الامام وقت صلاة الجمعة لأي عذر طارئ، يستطيع اي من الحضور ممن يأنس في نفسه الكفاءة أداء الصلاة وشعائر الجمعة حتى ولو لم يكن معه تصريح بذلك.

أما من الناحية السياسية فمثل هذه القوانين – من وجهة نظرى – تصب في مصلحة أصحاب المرجعية الدينية المعتدلة ، لأنها ستعمل على تجميع الطيف المتدين من جديد ، بدافع التخوف من استمرارها وأملاً في تعديل المسار .
كما أن بعض المراقبين يرون أنها تهدد الأمن القومى حيث تمهد لتمدد التطرف الفكرى بعيداً عن أعين الدولة ، مع اقصاء الدعاة الوسطيين ممن لا تنطبق عليهم شروط الوزارة .
فإلى الله المشتكى .