الدكتور راغب السرجاني الناصح الأمين

الأستاذ الدكتور راغب السرجاني أستاذ بكلية الطب جامعة القاهرة، وُلِدَ عام 1964م بمصر، وتخرَّج في كلية الطب جامعة القاهرة بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف عام 1988م، ونال درجة الدكتوراه عام 1998م (في جراحة المسالك البولية والكلى)، وهو عضو الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين الذي يرأسه الدكتور يوسف القرضاوي، وعضو الهيئة الشرعية للحقوق والإصلاح. وصاحب فكرة موقع قصة الإسلام والمشرف عليه ) www.islamstory.com) وهو أكبر موقع للتاريخ الإسلامي.
 
الدكتور راغب السرجاني باحث ومفكر إسلامي، وله اهتمام خاص بالتاريخ الإسلامي. صَدَرَ له حتى الآن 56 كتابًا في التاريخ والفكر الإسلامي. وله مئات المحاضرات والأشرطة الإسلامية؛ يتحدث فيها عن السيرة النبوية والصحابة، وتاريخ الأندلس، وقصة التتار، وغير ذلك.
 
ورغم أن الدكتور راغب السرجاني أحد رموز جماعة الإخوان المسلمين فإن رؤيته لما حدث في مصر في فترة ما بعد الدكتور مرسي تتفق كثيرًا مع رؤية "الدعوة السلفية" و"حزب النور" ، وقد تعرض الدكتور راغب بسبب هذه الرؤية لنفس ما تعرضت له  "الدعوة السلفية" و"حزب النور" من هجوم واتهامات لنفس السبب، ولكن بالطبع مع الاختلاف في الكمية والكيفية، ويتضح موقف الدكتور راغب وما تعرض له من خلال متابعة بعض ما كتبه بنفسه عن نفسه على موقعه (قصة الإسلام):
 
المقال الأول:  بتاريخ 24/7/ 2013 كتب الدكتور راغب السرجاني مقالًا بعنوان: "العلماء في زمن الفتنة" ذكر فيه أنه ينبغي على العلماء في زمن الفتنة أن يعلنوا عن رأيهم الذي يرونه صوابًا بناءً على ما درسوه من قواعد الشريعة، وقد جرَّدوا نواياهم لله عز وجل، وأجرهم عليه سبحانه.
 
وقال إن الفتنة بتعريفها أمر يحتار فيه الناس، ولا يدركون على وجه اليقين الكامل الصواب من الخطأ، ومن ثم تكثر الرؤى، وتتباين الآراء، وقد يتحمس كل فريق لرأيه حتى لا يرى رأيًا غيره، وقد يتهور بعض طلبة العلم على مشايخهم وأساتذتهم نتيجة مخالفتهم لرأيهم، أو لاتباعهم رأي عالم آخر يرى أمرًا مغايرًا، مع أنَّ هذه المخالفة العلمية في الرأي أمر طبيعي جدًا في زمن الفتنة. ولن يستطيع العالم أبدًا أن يرضي كل الأطراف، ومن ثم فعليه أن يقول رأيه مخلصًا، وهو لا يبغي إلا إرضاء رب العالمين وكفى.
 
وقال: « كل ما نرجوه من العلماء أن يتجردوا في آرائهم، فيعلنوا ما يرونه صوابًا من وجهة نظرهم بناءً على ما عرفوه من قواعد الشريعة، وفي نفس الوقت نطلب من طلبة العلم وعوام الناس أن يرحموا العلماء من ألسنتهم، وألا يمارسوا عليهم ضغطًا يقودهم إلى الخطأ في الرأي، والزلة في القرار، وهذا لأن أحدًا لن يشارك العالم في حسابه أمام الله عز وجل، بل سيظل وحده مسئولًا عن الرأي الذي قاله، والقرار الذي اتخذه، وليعلم الجميع أن العلماء هم الذين يقودون الشباب والجموع، وليس العكس، وإلا تضاعفت مضار الفتنة».
 
وذكر الدكتور راغب في ذلك المقال مثالًا لاختلاف العلماء في زمن الفتنة فاستشهد بموقف علي بن أبي طالب واختلافه في الرأي مع عائشة وطلحة والزبير - رضي الله عنهم جميعًا - في كيفية التعامل مع قاتلي عثمان بن عفان - رضي الله عنه – فقد رأوا تطبيق الحد على القتلة عاجلًا؛ لأنه لا يجوز تعطيل شرع الله، وقد قُتل عثمان -رضي الله عنه- مظلومًا، ولابد من أخذ الحق من قاتليه الآن.
 
بينما رأى علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن يؤخِّر إقامة الحد على الانقلابيين القتلة، بل سمح بوجودهم في جيشه، وذلك لأنه نظر إلى الأمر بشكل واسع، فوجد أن الحدَ الذي سيقام على القتلة الانقلابيين سيقود جموع قبائلهم إلى التمرد على الدولة في بقاع كثيرة مما قد يؤدي إلى انهيار الدولة؛ فقدَّم بقاء الدولة على إقامة الحدِّ عاجلًا، ومِن ثَمَّ قرر تأجيله.
 
وقال الدكتور راغب إن الصواب كان مع التهدئة التي أرادها علي بن أبي طالب -رضي الله عنه-، والذي كان ينظر إلى العواقب، ولا يتأثر بالحماسة المفرطة عند المطالبين بحل المشكلة الآن، ولم يكن عاطفيًّا مندفعًا، خاصة أن الجريمة التي تمت "كانت قتل الخليفة وليس مجرد عزله".
 
المقال الثاني: بتاريخ 21/8/2013 كتب الدكتور راغب السرجاني مقالًا بعنوان: "أين أنا"،  ذكر فيه أنه لم يتواجد في ميدان "رابعة العدوية" أو "النهضة" بعد الانقلاب على الرئيس الدكتور "مرسي" لأنه كان يرى من وجهة نظر شرعية وتاريخية وواقعية أن إدارة الأمر لا ينبغي أن تكون بالصورة التي جرت بها الأحداث، وقال إن هذا أمر خاص به قد يتعارض مع رؤية التحالف الوطني لدعم الشرعية حينئذ ، ومِن ثَمَّ فضَّل ألا يُحدث بلبلة في الرأي فاحتفظَ برأيه؛ لأن الشباب في نهاية الأمر لابد أن يستمعوا لرأي واحد حتى لا يحدث التشتيت، وكان هذا أقصى ما يمكن أن يفعله، وهو عدم التصريح للجموع برأي مخالف.
 
وقالَ إنه لم يكن ممكنًا أبدًا المشاركة في عمل كان يرى - من وجهة نظره- أن له نتائج كارثية؛ معللًا ذلك بأنه ليس بالضرورة أن يكون رأي الإخوان جميعًا واحدًا، إنما المهم ألا يكسر بعضهم بعضًا، وألا يتصارعوا أمام الناس.
 
وذكر في ذلك المقال أنه قام بإيصال رأيه بوضوح إلى القائمين على أخْذِ القرار في جماعة الإخوان المسلمين  وأعْلَمَهم بوجهة نظره حتى يكونوا على بيّنة من أمرهم، وأنهم اختاروا خلاف ما كان يرى. وذكر أنه ألمح إلى ما كان يراه مناسبًا في الأحداث عن طريق بعض الإشارات في بعض مقالاته، كمقال: "الأحزاب أم أحد؟"، ومقال: "العلماء في زمن الفتنة"، ومقال: "عودة مرسي"، ومقال: "إدارة الشعوب"، وذكر أن معظم قراء المقال قد فهم مقصده، وأن منهم مَن وجَّه لي الاتهامات والتخوينات والتعليقات السلبية الكثيرة؛ لأنه كان ضد التيار، ولكنه تحمل ذلك، ولم أرد بغية ألا أحدث اضطرابًا في الصف بوجود آراءٍ كثيرة تحيِّر الشباب.
 
ووعد في ذلك المقال بكتابة مقالات شارحة لوجهة نظري، وهي تفصِّل ما حدث، وتتوقع ما سيكون، وفي ختام المقال قال: « أنا لا أبحث عن رضا جمهور القراء أو رضا الجموع من المسلمين في زماننا أوفي الأزمان القادمة، إنما أبحث عن رضا الله - عز وجل-، وأتقرب إليه بهذه الآراء التي أقدمها، وأتحمل في سبيل ذلك الكلمات الثقيلة التي يكتبها طلاب علم من عمر أولادي، وأوقن أن هذا النوع من الإيذاء يتحول بقدرة الكريم – سبحانه - إلى حسنات في الموازين يوم القيامة، وأسأل الله الهداية والثبات».
 
المقال الثالث: 
بتاريخ 18/6/2014 كتب الدكتور راغب السرجاني مقالًا بعنوان:" قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ" أشار فيه إلى أن بعض المؤمنين الصالحين يغضب من توجيه اللوم إليهم عند حدوث مصيبة من المصائب، ويتعلَّلون بعِلَلٍ شتَّى كلها يهدف إلى تبرئة الذات من الخطأ؛ فبعضهم يقول: إنَّ الوقت ليس مناسبًا للعتاب؛ لأننا في مصاب. وبعضهم يقول: مِن الأفضل أن نُوَجِّه اللوم إلى الظالمين المعتدين بدلًا من جَلْد الذات. وبعضهم يُبَرِّر الأخطاء، ويلتمس الأعذار، ولسان حاله يقول - وإن كان لا يُصَرِّح-: نحن قومٌ بلا خطايا.
 
وأشر الدكتور راغب إلى أن بعض هؤلاء يعتقد أن "الدنيا" قد تلعب بالصحابة؛ لكنها لا تلعب أبدًا به أو بإخوانه وقادته، وبعضهم يصبُّ جام غضبه على اللائم، وقد يتَّهمه بالخيانة أو التخاذل أو الجهل، وبعضهم له مبرراته الأخرى التي لا تنتهي. خلاصة الأمر أن المصابين لا يُريدون أن يسمعوا أنهم "من المحتمل" أن يكونوا هم أحد الأسباب في المشكلة.
 
وقال الدكتور راغب إن البحث عن الأخطاء ليس معناه أن الظالم معذور في ظلمه للناس، أو أن الله عز وجل سيعفيه من العقاب ما دام أن المظلومين أخطئوا، ولكن هذه ليست قضيتنا في الواقع؛ إنما قضيتنا هي الخروج من المأزق، وخروجنا من المأزق إنما يكون "بالعمل" على إصلاح الذات؛ حتى نكون أهلًا لأن يرفع اللهُ عز وجل الغُمَّة عنَّا، وهذا يحتاج إلى مكاشفة ومحاسبة وإنابة وتوبة.
 
المقال الرابع: بتاريخ 16/7/2014 كتب الدكتور راغب السرجاني مقالًا بعنوان: "لا تُسْأَلُونَ عَمَّا أَجْرَمْنَا" قال  فيه إن في قلبه حسرة على ما يراه أحيانًا من ردود أفعال عنيفة على ما يعرضه من رأيٍ في قضايا عامَّة أو خاصَّة، وكثيرًا ما تكون كلمات المعترضين خارجة عن حدود اللياقة، ويبدو فيها نقص علم كبير، وعدم دراية بالسيرة النبوية.
 
وذكر أننا نعاني منذ ما يُسَمَّى بالربيع العربي من انهيار كبير في أخلاقيات التحاور، فلا أحد يُريد أن يسمع إلا ما يدعم رأيه، فإذا جاء الرأي مخالفًا رأينا تهجُّمًا صارخًا، وكلمات مثل: "صُدِمنا فيك"، و"التخاذل"، و"الجهل"، و"لم نتوقَّع منك"، وهكذا!
 
المقال الخامس:
بتاريخ 3/9/2014 كتب الدكتور راغب السرجاني مقالًا بعنوان: "وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالظَّالِمِينَ" ذكر فيه أن أفضل الطرق لرفع الظلم هو ما جاء في السُّنَّة النبوية؛ مع المطابقة بين الظروف التي ظُلِمَ فيها الرسول - صلى الله عليه وسلم - وبين الظروف التي وقع فيها الظلم علينا؛ لنفهم سُنَّته في التعامل مع هذا الظلم؛ لأننا تحت ضغط الظلم -وللأسف الشديد- ننسى كل المعايير، ونأخذ من القرآن والسُّنَّة كلَّ ما جاء عن الظلم فنستخدمه دون فقهٍ ولا دراية؛ فنقع في مخالفات شرعية جسيمة ونحن نتخيَّل أننا متوافقون مع السُّنَّة النبوية.
 
وأخطر هذه المخالفات – كما يرى الدكتور راغب - أن نخلط بين الظلم الواقع من كفار لا يُؤمنون بالله واليوم الآخر وبين الظلم الواقع من المسلمين أنفسهم؛ لأن هناك فروقًا فقهية هائلة بين الحالتين.
 
وأشار إلى مدى الخطأ الفادح الذي يقع فيه بعض المسلمين بشحن الشباب في قضية قتال وجهاد ونفير وشهادة؛ بينما السُّنَّة تقتضي عكس ذلك؛ فالرسول - صلى الله عليه وسلم - لم يُعْلِن الجهاد في حياته إلا على الكفار الصرحاء، وليس هناك استثناء واحد لذلك في سيرته، فناتجُ هذا الشحن - كما يقول الدكتور راغب - سيكون واحدًا من اثنين؛ إمَّا الجهاد في غير موضعه، بكل تبعاته على الأُمَّة، وإمَّا اللجوء إلى تكفير الحاكم والحكومة والأعوان، وكلا الأمرين خطير!
 
ودعا المسلمين جميعًا - خاصة آخذي القرار في حياتهم - إلى الاهتمام بالعلم الشرعي، وإلى العودة إلى السُّنَّة النبوية، وإذا حدث ووجد مسلمٌ نفسه غير مقتنع بنصيحةٍ قدَّمها له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلْيَتَّهم عقلَه، ولْيُصَحِّح عقيدته، ولْيعلم أن دخول الجنة لن يكون إلا خلفه - صلى الله عليه وسلم؛ قال تعالى: {وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} [الأحزاب: 71].
 
المقال السادس: بتاريخ 10/9/2014 كتب الدكتور راغب السرجاني مقالًا بعنوان: "وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ" قال فيه إن كثيرًا من الناس يتوتَّر إذا تقدَّم لهم أحدٌ بنصيحة! خاصة إذا كانت النصيحة تدعوهم إلى تغيير مسارٍ قضوا فيه فترة من عمرهم، ولو كانت فترة قصيرة؛ لأنهم لا يحبون التغيير بشكل عام، أو يخافون منه، أو يكرهون اكتشاف أنهم كانوا على خطأ طوال هذه الفترة؛ فيدفعهم كل ذلك إلى ردِّ النصيحة؛ بل والهجوم على الناصح، ولو كان أمينًا.
 
وقال الدكتور راغب إنَّ ردَّ النصيحة خُلُقٌ غير محمود؛ لذلك ذَكَرَه الله عز وجل في صفات القوم المـُهْلَكين، ولقد قال صالح عليه السلام لقومه:{وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لاَ تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ}  [الأعراف: 79]. وقد يدفع هذا السلوك أصحابه إلى شيء عجيب؛ وهو الضغط على الناصح حتى يقول ما يُوافق هوى المنصوح! مع أنهم يَضُرُّون أنفسهم بذلك؛ إذ يحرمون أنفسهم من نور الحقيقة.
 
ونصح الدكتور راغب أبناءه (من الإخوان المسلمين) قائلًا: « أيها الأبناء درِّبوا أنفسكم على سماع النصيحة، واقبلوا من هذا وذاك نُصْحَه، فإن أعجبكم فَبها، وإن كرهتموه رددتموه بأدب، ولا تحرموا أنفسكم من خبرات الآخرين، ولا تحرقوا مراكبكم، ولا تُطلقوا الأحكام على قلوب الناس فإنها سرٌّ بين الله وعباده.
 
تَفَكَّروا في نصيحة المحبين لكم، واخرجوا من معسكركم المغلق؛ فالخير ليس محدودًا في داخله؛ إنما يعيش في الكون معنا الآلاف ممن ينصحوننا بحبٍّ، ويُريدون لنا الخير بصدق؛ فوَسِّعوا مدارككم، وارصدوا المقدمات والنتائج، وراجعوا النصائح القديمة من هذا وذاك؛ لتعلموا صحَّة طريقكم من عدمه، وإياكم من التكبُّر عن تعديل المسار إن تبيَّن لكم الخطأ فيه..
 
اعملوا لآخرتكم، ولا يأخذنَّكم الشيطان بعيدًا عن نهج رسول الله - صلى الله عليه وسلم؛ فقبول الأعمال لا يكون بالنوايا الحسنة فقط؛ بل لا بُدَّ من موافقة السُّنَّة فيها، ولا تَردُّوا حديثًا لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ولا تتحايلوا عليه، ولا تُطَوِّعوه ليتوافق مع هواكم ورؤيتكم؛ فإن أول الهلكة اتباع الهوى، ولا تُغْلِقوا على أنفسكم منفذًا شرعيًّا جعله الله لكم رحمة بكم؛ فإن التضييق على النفس والناس إثمٌ كبير.
 
ويعلم الله أنَّ عندي ردًّا علميًّا مُوَثَّقًا ومتينًا على كل ما ذكره العلماء، أو كل ما علَّق به أبنائي على الموقع، ولكني لا أريد أن نعيش في جوِّ المناظرات والتشتُّت، ويعلم الله كذلك أني كنتُ أتمنى أن تكون لي معكم في هذه الفترة - أيها الأبناء الفضلاء- كلماتٌ كثيرة أتناول فيها ما أراه صالحًا لزماننا وأحوالنا -على الأقل من وجهة نظري وواقع دراستي للسيرة والتاريخ.
 
ولكن هالني ما رأيتُه من خروجٍ عن آداب الحوار، وأفزعَتْني حالة الصمم عن سماع النصيحة؛ خاصة من أبنائي الذين هم في أول طريق العلم، ثم الجدل المقيت الذي يقود إلى الشحناء والبغضاء، إضافة إلى حالة الاستنفار التي قادها بعض رجال الدعوة والعلم على صفحات الإنترنت والفضائيات، وعن طريق البيانات والتصريحات، يُهاجمون فيها شخصي، ويتعرَّضون - في غيابي- لاسمي.
 
مع أني على مدار ما يقرب من ثلاثين سنة من العمل الدعوي لم أُصَرِّح قطُّ بنقد عالمٍ بعينه، أو داعية بشخصه؛ بل كنتُ أحفظ للجميع - من كافة الاتجاهات- هيبته، وأُوَقِّر للكلِّ ذِكْرَه، ومع أني ذكرتُ رأيًا لي على موقعي، ولم أقتحم موقع أحد، ولم أُهاجم الآراء الأخرى، مع أن الجميع يُشاهد آثارها. يا قوم؛ إني لكم ناصح أمين!
 
دروس من مقالات الدكتور راغب السرجاني:
 
1- حرص الدكتور راغب على عدم تشتيت الأتباع وتحطيم الكيان رغم كارثية قرارات القيادة، فقد قام بإيصال رأيه بوضوح إلى القائمين على أخْذِ القرار في جماعة الإخوان المسلمين، وأعْلَمَهم بوجهة نظره حتى يكونوا على بيّنة من أمرهم، ومع أنهم قد اختاروا خلاف ما كان يرى فقد احتفظ برأيه وفضَّل عدم التصريح للجموع برأي مخالف؛  لئلا يُحدث بلبلة في الرأي ولئلا يحدث التشتيت ولئلا يكسر بعضهم بعضًا، وألا يتصارعوا أمام الناس.
 
فلنتعلم هذا الأدب من آداب العمل الجماعي. قال الشيخ السعدي في تفسير قوله تعالى: {وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا } [النساء: 83]
 
هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها.
 
فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه، ولهذا قال: {لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ} أي: يستخرجونه بفكرهم وآرائهم السديدة وعلومهم الرشيدة.
 
وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ. وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لافيحجم عنه؟
 
2- الدكتور راغب - حفظه الله - يُسدِي النصيحة بكل أدب ورفق لجميع الإسلاميين بل للمخالفين له في الرأي، ولمن يهاجمونه ويسيئون إليه ويوجَّهون له الاتهامات والتخوينات والتعليقات السلبية الكثيرة دون أن يصرح بأسمائهم، وفطنة القارئ تدله إلى معرفة من يقصدهم الدكتور راغب بنصيحته.
 
لابد للناصح من أن يكون لطيفًا رقيقًا أدبيًا في نصحه لغيره، وهذا يضمن استجابة المنصوح للنصيحة، ذلك لأن قبول النصح كفَتْح الباب، والباب لا يُفتَح إلا بمفتاح مناسب، والمنصوح امرؤ له قلب قد أغلق عند مسألة قصر فيها، إن كانت أمرًا مطلوبًا للشارع، أو وقع فيها، إن كانت أمرًا منوعًا من الشارع.
 
وليس من أدب النصيحة ولا من أخلاق المسلمين التشهير بالمنصوح له، فالتشهير آفة يقع فيها كثير من الناس، تراه يخرج النصيحة في ثوب خشن،ولكن إذا دققت فيها وجدت أنه يقصد التشهير بالمنصوح، وربما أفضى ذلك إلى حصول سوء، أو زيادة شر، ولم تؤت النصيحة ثمرتها المرجوة.
 
3- طلب الدكتور راغب - حفظه الله - من طلبة العلم وعوام الناس أن يرحموا العلماء من ألسنتهم، وألا يمارسوا عليهم ضغطًا يقودهم إلى الخطأ في الرأي، والزلة في القرار، وحذر من تطاول بعض طلبة العلم على مشايخهم وأساتذتهم نتيجة مخالفتهم لرأيهم، وتلك الآفةٌ الخطيرة هي أساس كل بلية نحن فيها حيث يتكلم في أمور العامة من يُحسن ومن لا يُحسن. وكما قيل: لو سكت مَن لا يعلم لَسَقَطَ أكثرُ الخلافِ. وليته حين يتكلم يكون كلامه بأدب، ولكن يصحبه اتهام للنوايا وسَبّ ولعْن وتكفير والعياذ بالله.
 
4- الدكتور راغب - حفظه الله - لم يدفَعْه بَغْيُ مَن بَغَى عليه إلى عدم الإنصاف، قال تعالى:  {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} [المائدة: 8].
 
وقد قال العلماء إن الناصح يخلو من حظ النفس في الغالب، وأما المعَيِّر فغير خالٍ من حظ نفسه ومرض قلبه: ذلك لأن الناصح يحب لمنصوحه ما يحبه لنفسه من أفعال الخير، وبالتالي يحرص على ازدياده منها، ولو كان فيها حظ نفس لما أقْدَم على النصيحة. وأما المعَيِّر فلا يحب من يريد تعييره، ولا يحب له الخير، بل يرجو له الشر، ولا تخلو مقولته من حظ نفس يدفعه إلى الأذى والإفساد.
 
5- حذر الدكتور راغب السرجاني من مرض نفسي خطير يدفع المرء إلى تبرئة نفسه من الخطأ؛ وأحيانًا يُبَرِّره، ويلتمس لنفسه الأعذار ليخدعها ويقنعها بالباطل بأنه على حق، بل يلقي اللوم على غيره، فينطبق عليه المَثَلُ العربي المعروف: «رمَتْنِي بدائِها وانْسَلَّتْ»، وهو مثل يُضرَب لمن يُعَيّر صاحبه بعيب هو فيه، فيلقي عيبه على الناس ويتهمهم به، ويُخرج نفسه من الموضوع.  
 
وفي الختام أسأل الله – عز وجل – أن يثبت الدكتور راغب وجميع الدعاة على كلمة الحق وأن يلهمهم الرشد. اللهم  قنا شر الفتن ما ظهر منها وما بطن. اللَّهُمَّ رَبَّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ، فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ، أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ؛ اهْدِنا لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ؛ إِنَّكَ تَهْدِي مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ.