صلاحية الشريعة للتطبيق في كل زمان ومكان

  • 160

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد:
نتناول في هذا المقال قضية كثر الحديث عنها في الآونة الأخيرة، وهذه القضية هي السؤال الذى يطرحه البعض: هل الشريعة الإسلامية صالحة للتطبيق في هذا الزمان أم لا؟
 
 وهي قضية طفت على السطح، فمنذ أن بدأت تيارات التغريب من المستشرقين وتلامذتهم يعملون عملهم في عقول أبناء الأمة ويشككون الأمة في صلاحية شريعتها للتطبيق ابتداء، أو على الأقل في هذا الزمان، والناس ما بين مدرك لهذا الباطل منكر له وبين مقتنع وبين متردد، ومنهم الجاهل ومنهم المتؤل، وما لا نملك أمام هذا إلا أن نجادل بالحكمة والموعظة الحسنة، وأن نبين مواطن الالتباس ما استطعنا إلى ذلك سبيلا، متوكلين في ذلك على الله عز وجل ومستندين على ما سطره علماؤنا.
 
ويمكننا تناول هذه القضية من خلال عدة أسئلة
السؤال الاول:
 هل أوجب الله علينا أن نطبق شريعته في كل عصر أم أن هذا الوجوب كان يختص بعصر دون الآخر؟
 
السؤال الثانى:
 أننا في هذا العصر الحديث الذي استحدث فيه الناس التكنولوجيا وأنواع المعاملات المعقدة على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد، فهل سنجد حكمًا شرعيًا لكل ما استجد في هذه الحياة؟
 
 السؤال الثالث:
وهل إذا عدنا إلى الشريعة وبحثنا فيها عن حكم لما استجد في حياة الناس هل سيكون هذا الحكم مناسبًا لهذا العصر أم يكون منفصلا عنه؟
 
والإجابة العقدية التي يجب أن يجيبب بها المسلم على كل سؤال من الأسئلة السابقة هي نعم.
 
نعم أوجب الله علينا أن نطبق شرعه في كل زمان ومكان.
 
ونعم سنجد إجابة لكل ما استجد من الأمور.
 
ونعم سيكون هذا الحكم مناسبًا لهذا العصر.
 
ومن ثم سوف يتفرع على هذا االسؤال الرابع وهو
 
السؤال الرابع:
إذا كان ثمة واقع يخالف الشريعة قد طبق وتجذر، فهل تقدم لنا الشريعة حلا للتعامل مع مثل هذه الأحوال؟
 
وهذا يقود إلى السؤال الخامس
السؤال الخامس:
ما هي الآلية التي تقدمها الشريعة لمعالجة الأخطاء التي يقع فيها الأفراد أو الفرق سواء ما دون منها وما لم يدون؟
 
ورغم أننا قدمنا إجابة هذه الأسئلة من حيث الجملة أثناء طرحها إلا أنه لا بد من شيء من التفصيل ومناقشة الشبهات حول كل منها.
 
إجابة السؤال الأول:
 س:هل أوجب الله علينا أن نطبق شريعته في كل عصر أم أن هذا الوجوب كان يختص بعصر دون الآخر؟
 
ج: نعلم أن الله عز وجل قد بعث في كل أمة نذيرًا، وجعل رسالته محددة بزمان ومكان، ثم بعث الله عز وجل محمدًا صلى الله عليه وسلم بالشريعة الخاتمة وخصها  بعدة خصائص؛ منها وأهمها أنها عامة زمانا ومكانا "تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيرا" ثم وصفها الله عز وجل وصفًا لم يصف به غيرها من الشرائع فقال "اليوم أتممت لكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا" وجاء رجل يهودي لعمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال يا أمير المؤمنين "آية في كتابكم لوعلينا معشر اليهود نزلت لاتخذنا هذا اليوم عيدا" قال ما هي قال "اليوم أتممت لكم دينكم ورضيت لكم الإسلام دينا"
 
ثم إن الله قضى بأن محمدًا صلى الله عليه وسلم هو خاتم المرسلين، فعلمنا من مجموع ذلك أن الشريعة واجبة وصارت هذه هي شرعة كل من جاء بعده صلى الله عليه وسلم. 
 
ولو نظرنا إلى المخالفين في هذه القضية فستجد أن مقتضى كلامهم أنهم يدعون أن الشريعة قد نسخت، وهذه حقيقة أقوالهم نجليها لهم؛ ليتوبوا إلى الله منها مع أننا في مقام إقامة الأحكام نطبق قاعدة أن "لازم القول ليس بقول".
 
وأكثر هؤلاء جرمًا من يدعي أن القرآن ذاته قابل للنقد، وهوقول قال به طه جسين وكفره من أجله علماء الأزهر ثم تاب منه، ولكن أفراخ المستشرقين يحلو لهم أن ينشروا الباطل الذي تاب منه صاحبه وأن يكتموا الحق الذي مات عليه.
 
ومنهم من يدعي تاريخية النص القرآنى ويزعم أن كل آية مقيدة بسبب نزولها، ومن هؤلاء حسن حنفي صاحب كتاب "التراث والتجديد" والذي رد عليه شيخ الأزهر الشيخ أحمد الطيب حفظه الله في كتاب "التراث والتجديد مناقشات وردود".
 
وحاصل كلام من يدعي تاريخية النص القرآني أن كل آية من القرآن نسخت فور نزولها والعياذ بالله.
 
وأما من يقول بأن الشريعة كانت صالحة لزمان نزولها، فحاصل قوله أيضا الادعاء بنسخ شريعة الإسلام، إلا أنهم يضربون أخماس في أسداس لو سئلوا عن النص الناسخ وعن تاريخ هذا النسخ وهل كان منذ قرن أم اثنين أم ماذا؟
 
السؤال الثانى:
 س: إننا في هذا العصر الحديث الذي استحدث فيه الناس التكنولوجيا وأنواع المعاملات المعقدة على مستوى الدولة وعلى مستوى الأفراد، فهل سنجد حكمًا شرعيًا لكل ما استجد في هذه الحياة؟
 
ج: والكلام هنا على قضية الإيمان بالله ورسوله، والمسلم يعتقد أن الله حكيم لطيف خبير، ويعتقد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صادق في كل ما بلغه عنه، ومن المحال أن يحيلك الله على مصدر ثم لا تجد بغيتك في هذا المصدر.
 
وهذه القضية ينبغي ألا تكون محل شك من المسلم بمقتضى عقيدته، ومن ثم فلا يجوز السؤال عنها من باب الشك وإن جاز السؤال عنها من باب التعلم.
 
ونقول إن البعض يطرح سؤالا استشكاليا حول هذه القضية وهو كيف تكون الشريعة تقوم على عدد محدود من النصوص بينما يمكنها أن تشمل أحكامًا لمسائل لا تنتهي؟
 
ومَن عَلِم القواعد الشرعية لبحث ما استجد من مسائل لزالت من عنده هذه الشبهة؛ وذلك لإن الله أنزل إلينا في الشرع نصوصًا نستخرج منها قواعد؛ من أهمها أن الأصل في المعاملات الإباحة والأصل في العبادات التحريم ما لم يكن هناك دليل ينقل عن هذا النص، وعندما نبحث أو يُستجد أي شيء من المعاملات أو من المخترعات كختراع وسائل المعلومات أو المواصلات فكل أمر من هذه الأمور لا بد أن نجد له حكمًا؛ لإن طريقة البحث تقول لك ابحث في قائمة المحرمات فإن وجدته فيها فقل إنه محرم، وإن لا فقل إنه مباح، وبهذه الصورة فلا يمكن أن نجد شيئًا لا حكم له.
 
وخريطة البحث بناء على تفريعة إما وإما، إما تجده ينطبق عليه نهي وإما أن يكون مباحًا، هذا من رحمة الله بنا وتيسيره.
 
وأما قائمة المحرمات فيبحث فيها من خلال ثلاثة خطوات؛
الأولى: هل هذا الشيء منهي عنه بذاته وبخصوصه؟ فإن لم يكن نلجأ إلى الخطوة الثانية.
 
الثانية: هل هذا الشيء داخل في عموم منهي عنه؟ فإن لم يكن نلجأ إلى الخطوة الثالثة.
 
الثالثة: هل يشترك هذا الشيء مع منهي عنه في علة النهي؟ فإن لم يكن يكون هذا الشيء مباحًا.
 
ومن هنا نعلم الحكمة الشرعية في استعمال الشرع لألفاظ العموم؛ وذلك لكي يكون هذا الشرع ثروة باقية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وأن العموم واضح في النصوص التي وردت في غير سبب، بل وفيما نزل بسبب كان ينزل بلفظ عام يحمل بداخله إجابات عن أسئلة لم تنزل بعد.
 
ومع استعمال الشرع لألفاظ العموم علَّم النبي صلى الله عليه وسلم القياس للصحابة رضي الله عنهم، فقد كان النبي صلي الله عليه وسلم يحاول أن يجعل السائل يستنبط الإجابة عن طريق القياس، مع أنه في النهاية لم يكن محتاج القياس ولا وجود للقياس مع وجود النبي صلي الله عليه وسلم؛ لإن الحكم لو أخذ بالنص فلا يجوز الأخذ بالقياس، وكان صلى الله عليه وسلم يعلم الأمة القياس، فهذا عمر يسأل النبي صلي الله عليه وسلم عن القبلة للصائم، فالإجابة إنها لا تبطل الصيام، وهذه إجابة مباشرة ولكن هنا النبي صلي الله عليه وسلم أراد أن يعلمه العلة وأن يعلمه القياس، فقال أرأيت لومضمضت أكان في ذلك بأس؟ فقال لا، فقال كذلك لوقبلت.
 
وقد يقول قائل إن هذا الكلام حول العموم والخصوص والقياس والشروط إنما بدأ مع كتاب الإمام الشافعي.
 
والجواب أنه لا بد من ملاحظة الفرق الكبير جدا بين وجود الأشياء وبين تدوينها أو تنظيمها في قواعد، فعمرو بن العاص رضي الله عنه وإذا ذكر عمرو بن العاص ذكر الجهاد والشجاعة ولا نصنفه في علماء الصحابة، ومع هذا بعد إسلامه بثلاثة أشهر فقط أرسله النبي صلي الله عليه وسلم قائدًا لغزوة ذات السلاسل، الشاهد ليس في ذلك وإنما ذات السلاسل كانت في وقت شديد البرد فوق الجبال؛ فأصابته جنابة فتوضأ وضوئه للصلاة وتيمم ثم صلى بأصحابه ثم عادوا، فاشتكوا إلى النبي صلي الله عليه وسلم، فقال النبي صلي الله عليه وسلم يا عمرو أصليت بأصحابك وأنت جنب؟ فقال عمرو نعم يا رسول الله، نظرت إلى قول الله تبارك وتعالى (ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا) فتبسم النبي صلي الله عليه وسلم حتى بدت نواجزه استحسانا لفعل عمرو رضي الله عنه، مع أن التيمم في هذه اللحظة المنصوص عليه عند فقدان الماء فقط، ولكن الأمر أصبح مشروعًا بالنص بعد ذلك بفعل عمرو واستحسان النبي صلي الله عليه وسلم، ولكن قبل ذلك يعتبر فعل عمرو اجتهادًا ثم أقره النبي صلي الله عليه وسلم.
 
إجابة السؤال الثالث:
س:وهل إذا عدنا إلى الشريعة وبحثنا فيها عن حكم لما استجد في حياة الناس هل سيكون هذا الحكم مناسبًا لهذا العصر أم يكون منفصلا عنه؟
 
ج: الإجابة العقدية بعيد عن الجدل نعم بلا شك، ولنتذكر مرة أخرى أنت تعتقد أن الله عليم خبير، وأنت تعتقد أن الله أمرك أن تعود في كل أمورك إلى الشرع، والله عز وجل هو خالق كل شيء وأنه سبحانه قد قدر أن في زمان ما سيكون أحوال الناس على حالة معينة، وأمرهم أن يعودوا إلى الشرع، فلا بد أن يكون الحكم الشرعي الذي سيحصلون عليه مناسبًا لأحوالهم، ولكن البعض يقول ومالنا لا نرى هذا؟ فنرى الدنيا كلها تقوم على الربا والشرع يقول إن الربا محرم، نرى البيوع تقوم على الغرر وغيرها من المعاملات المحرمة والشرع ينهى عن ذلك، فأقول هذا لا يعني أنه لا يناسب هذا الزمان وإنما هذا يؤدي إلى إحالة هذه الأمثلة على السؤال الرابع.
 
ذلك أن هذه الأحوال إنما نشأت من أن أهل هذا الزمان ابتلوا بالنظرة المادية، فعند وجود معظم المعاملات الراجعة إلى الربا والغرر والميسر ونحو ذلك تحقق مصالح أحيانا، وتوجد نزاعًا وشقاقًا وحزنًا وتباغضًا في كثير من الأحيان، وهذا باب طويل واضح وظاهر لكل الناس، ومن مقاصد الشرع الحفاظ على الجانب الإنساني في الإنسان، ومن هنا ظن بعض الناس أن أحكام الشريعة لا تناسب هذا الزمان، فإنما هذا ناتج من أفكار وسلوكيات خاطئة، انتشرت بين أهل هذا الزمان، ثم يستدلون بالمخالفة على عدم مناسبة الشرع، والأمر على العكس من ذلك تمامًا فإننا لا نقول إن تحريم الشرع للربا دليل على عدم صلاحيته لهذا الزمان، ولو افترضنا أن العالم إلى يومنا هذا لم يتورط في مكائد اليهود من اعتماد الربا كنظام اقتصادي، ماذا يقول الاقتصاديون؟ يقولون إن الاقتصاد الإسلامي يقوم على المشاركة وليس على الربح، المضمون إذا لا يمكن أن تحتج بشيوع الربا في هذا الزمان على أن تحريم الربا لا يناسب هذا الزمان. ولكن يمكنك أن تسأل السؤال الرابع.
 
إجابة السؤال الرابع:
س: إذا كان ثمة واقع يخالف الشريعة قد طبق وتجذر، فهل تقدم لنا الشريعة حلا للتعامل مع مثل هذه الأحوال؟
 
ج: وهذا السؤال والخوف من أن تكون الإجابة بأنه لا بد من نسف ذلك الواقع بين يوم وليلة، هو ما يدفع الكثير من المفكرين والساسة إلى تبني الأقوال المنحرفة التي تدعي أن الشريعة لا تصلح لهذا الزمان؛ وبالتالي فنحن نطمئن هؤلاء بأن الشريعة تتضمن القواعد التي تتعامل بها مع هذا الواقع؛ مثل التفرقة بين حال الاضطرار وحال الاختيار، ووجوب مراعاة المصالح والمفاسد، كل هذا للتعامل مع الواقع المنحرف، والشرع يعطيك قاعدة عامة ذكرها الله تبارك وتعالى على لسان شعيب عليه السلام (إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت).
 
ومن هذا ما قاله النبي صلي الله عليه وسلم لعائشة رضي الله عنها (لولا أن قومك حديث عهد بكفر؛ لهدمت الكعبة وأقمتها على قواعد إبراهيم) ومنه يعلم أنه يجب أن تصبر على الواقع المنحرف، على أن يكون اتجاه حركتك في الاتجاه الذي يؤدي إلى الإصلاح، ومَن راجع سيرة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه يجد شيئًا في غاية الأهمية، وهو الإصلاح من قمة الهرم بعد الانحراف في بدايات حكم بني أمية، والإصلاح كان يديره الحاكم بنفسه، ومع ذلك نقول ما الذي فعله عمر بن عبد العزيز والذي جعل الأمة تثني عليه إلى الآن؟ غيَّر الاتجاه الذي كان يسير إلى مزيد من الفساد ليعود تدريجيًا إلى الصلاح، وبهذا نقول إنه من مجددي هذه الأمة رضي الله عنه، ومن هذا نقول إنه إذا انتشر الفساد وتغلغل عندها نضع خطة للإصلاح التدريجي وهنا يحدث خطأن خطيران؛
 
الخطأ الأول: الدعوة إلى نسف الواقع بأكمله الذي يحدث فيه فساد ولو على جثث الناس، ولو على دمائهم، ولو على أعراضهم؛ ويترتب عليه سفك دماء، وضياع أمن وانهيار اقتصادي، وينشأ بعدها مجال لا يسمح بسماع حق ولا بعمل على الإصلاح، وهذا الخطأ موجود عند الكثيرين. الخطأ الثانى: على الجانب الآخر نجد من يُشرعن الخطأ بأن يقال هذا من الشرع، أو هذا لا مانع منه، أو على الأقل السكوت عليه، ومنه أن تخرج في مجتمع ما وهو مجتمع مسلم، وتجد شيوع التبرج والذى شاع نتيجة مكر الليل والنهار، وسنوات من الشبهات والشهوات؛ حتى استدرج كثير من نساء الأمة إلى هذه المعصية، إذ نحن نحتاج في هذه الحالة دعوة وبيان وإرشاد، ولكن بعضهم يقول لك سوف تغضب الكثير من هؤلاء فاسكت.
 
وكلا هذين المسلكين السابقين خطأ، والصواب أننا على المستوى العلمي والمنهجي والدعوي لا بد أن نعلم كما علم النبي صلي الله عليه وسلم السيدة عائشة رضي الله عنها، لا بد أن يعلم الناس الحق، وأن يدركوا مقدار الانحراف الذي بينهم وبين هذا الحق، وأن نأخذ طريقنا في الصلاح والإصلاح، وهنا نقول إن الشرع يعطي القواعد التي يمكنك أن تتعامل بها مع مجتمع مسلم فيه انحراف مهما بلغ، والقواعد التي يمكن أن تتعامل بها مع انحراف متجذر ومتأصل في المجتمع
 
إجابة السؤال الخامس:
س: ما هي الآلية التي تقدمها الشريعة لمعالجة الأخطاء التي يقع فيها الأفراد أو الفرق سواء ما دون منها وما لم يدون؟
 
ج: في الأسئلة الأربعة السابقة هناك من يجيب بغير ما أجبنا، ويعالج الأمور بغير الحكمة المستفادة من كتاب الله ومن سنة رسوله صلى الله عليه وسلم.
 
ولكن هذه الأخطاء يجب أن تنسب إلى الأفراد أو الجماعات ولا يُنسب إلى مجموع التراث الإسلامي، ومجموع التراث ثروة هذه الأمة والجهود المباركة لعلمائها وقادتها من عصر الصحابة والتابعين وتابعي التابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، لا سيما وأن معظم هذه الأفكار غير مدون ولكن سواء المدون منها أوغير المدون لا يلزم إلا أصحابه، ويجب التعامل مع الجميع بالقواعد الشرعية المقررة "وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا" ومن قول النبي صلى الله عليه وسلم "وإنه من يعش منكم بعدى فسيرى اختلافا كبيرا فعليكم بسنتى وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدى عضوا عليها بالنواجذ وإياكم ومحدثات الأمور فإن كل محدثة بدعة" وقول الإمام مالك رحمه الله "كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر" يعنى رسول الله صلى الله عليه وسلم.
 
ويجب أن نوقن جميعا بقوله تعالى "إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون" فدين الله محفوظ، ومن عاد إلى مصادره الأصلية استطاع بفضل الله أن ينقي التراث الإسلامي مما علق به من بدع أو انحرافات، ومما يجمل التنبيه إليه أن هذه الأخطاء تقل جدا كلما اقتربنا من عهد النبوة، وكلما كان اعتمدنا على فقه الأئمة الذين كتب الله لهم لسان صدق في الأمة، وتزداد عند المتأخرين الذين تنكبوا لتراث الأمة ورضعوا من الثقافة الغربية، أو أولئك الذين لجأوا للتراث؛ ليلوا أعناقه ويبرروا به غلوهم أو استعجالهم أو إغفالهم للسنن الشرعية والكونية.
 
ونسأل الله تعالى أن يرينا الحق حقا ويرزقنا اتباعه، ويرينا الباطل باطلا ويرزقنا اجتنابه.

rl(null,true)])