التكوين النفسى والفكرى لأصحاب العنف

إذا أَمْعَنَّا النظر والفكر للتعرف على التكوين النفسي والفكري لكثير ممن وقع في براثن العنف والتطرف؛ نجد لهم سمتين غالبتين تكادان تكونان ظاهرتين عند غالبيتهم العظمى؛ السمة الأولى: طغيان العاطفة التي تطغى على قواعد الشرع والعقل، فلا يرى ولا يسمع ولا يفهم إلا في ضوء تلك العاطفة غير السوية، السمة الثانية: الاستدلال بالعمومات دون سائر أدلة الشرع مما يجعل هؤلاء يستدلون بتلك العمومات في غير مواضعها وينزلونها في غير منازلها، بل أحيانًا في عكس ما وردت فيه، يمر الشاب بأطوار أربعة حتى يصل إلى الانحراف الفكري والعنف، تلك الأطوار هي: أولًا: طور العاطفة الدينية التي لا يخلو منها مسلم، لكن مِن الناس مَن يوفق إلى توجيه هذه العاطفة لخدمة دينه ووطنه، وذلك إذا وجد مَن يبين له قواعد الشرع وأصوله، ويوجه طاقته إلى البناء والإصلاح لا الهدم والتخريب، لكن هناك الكثير مِن الشباب لا يجدون مَن يأخذ بأيديهم إلى الفهم الصحيح للدين والتعامل الإصلاحى مع الواقع، بل على العكس يجدون مَن يلعب على عواطفهم ويعمل على استثارتها وتهييجها وإبعادها عن القواعد الشرعية التي تضبط التعامل مع الواقع وخاصة مع وجود بعض المظالم والخلل الذي لا تسلم منه إدارة الدول غالبًا خاصة في حال الفتن والشدائد، ومع الإثارة المستمرة وتصوير وقائع كثيرة تصويرًا عاطفيًّا لا عقليًّا ومع التكرار تصير العاطفة هي الحكم لا الشرع ولا العقل، فيشعر أن كل شيء حوله ضد دينه، وكل شيء عدو لدينه وتئول تصرفات من حوله على أنها تصرفات ضد الدين أو على الأقل سكوت على مَن يعملون ضد الدين ومع مرور الوقت ولا يزال المتلاعبون بعاطفته يستفزونها أكثر وأكثر، ينتقل إلى المرحلة الثانية أو الطور النفسي الثاني وهو طور التشوه النفسي، فيفرح بتعطيل مصالح الناس، فيكبر ويهلل عند تفجير برج كهرباء أو تعطيل طريق عام، أو تعطيل محاضرة في كلية، أو منع الطلبة من الامتحانات، أو تعطيل المترو، أو منع الأضحية أو إفلاس الدولة وإفشالها أو حتى تحرك الأسطول الأمريكي، هذه بلا شك شخصيات مشوهة نفسيًّا وهي قنابل موقوتة تمثل موارد بشرية وبيئة خصبة لأفكار العنف والتكفير توشك أن تستخدم كمعاول لهدم بلادها بدلًا من أن تكون لَبِنَات بناء. الطور الثالث: البحث عن الوسائل للتنفيس عن هذا الألم النفسي الهائل الذي صار مرضًا مزمنًا؛ فمع مرور الوقت ولا أمل لديه في حل قريب لأزمته النفسية، بل على العكس يتلاعب بعاطفته المتخصصون في ذلك، فيخبرونه أن الحل أوشك، وأن الخلاص قرب، بل يحددون موعدًا لذلك، حتى إذا جاء ذلك الوقت المحدد لم يجد إلا سرابًا، فيزيده ذلك ألمًا إلى ألمه، وإحباطًا إلى إحباطه، وهذا هو المراد لديهم، فيتحول هذا كله إلى إرادة انتقام، لكنه لا يزال معظمًا للحرمات والدماء والممتلكات، فيجد مَن يسهل عليه كل هذا مستدلًا بالعمومات التي يضعها في غير مواضعها وينزلنها فى غير منازلها، بل أحيانا في عكس ما وردت فيه، فيقنعه بكفر مؤسسات الدولة، وكفر مَن رضي بها، ولم يعمل على إزالتها، وبالتالي وجوب الجهاد ضد الجميع أو على الأقل ضد مؤسسات الدولة إذا وقع في الطريق ضحايا من المجتمع فلا بأس بذلك، فهم راضون بما تفعله تلك المؤسسات أو على الأقل ساكتون عليها، ونضرب لذلك مثلًا: لو أن هناك دولة مسلمة عقدت صلحًا مع دولة معادية كافرة وجاء بعض المظلومين من المسلمين يطلبون مناصرة الدولة المسلمة على الدولة المعادية فلم تقم بنصرتهم للعقد والعهد الذي يمنعها من ذلك، فيقوم المتلاعبون بعواطف الشباب بتصوير هذا الأمر على أنه خذلان للإسلام والمسلمين وأنه سكوت عن ظلم مسلم مستضعف ويستدلون بالعمومات الشرعية الدالة على وجوب نصرة المظلوم ويظلون يشحنون الشباب عاطفيًّا، مستخدمين مشاهد الأذى التي تقع للمسلمين في تلك البلاد لإثارة عاطفة الشباب (ليس ضد مَن ظلمهم، لكن ضد مَن هو ملتزم بعهده الذي عقده، والذى هو مضطر للوفاء به)، ومع مرور الوقت واستمرار الشحن العاطفي تنشأ حالة من العداء لمؤسسات الدولة، ومع الوقت تنسحب على المجتمع ككل شيئًا فشيئًا يتطور الأمر إلى إرادة الانتقام مِن الجميع، فيأتي دور المبرر للاستهانة بالدماء، ويكون المبرر هذه المرة صورة ملتقطة لجلسة مفاوضات بين قيادات النظام الحاكم في تلك الدولة المسلمة مع بعض قيادات تلك الدولة الكافرة، فيصور هذا على أنه موالاة مكفرة، ويستدلون بعموم قوله تعالى: (ومَن يتولهم منكم فإنه منهم) فيكفرون النظام بهذا، ثم جيشه وشرطته؛ لأنهم أدوات حكمه، ثم باقي مؤسسات الدولة؛ لأن النظام يقوم بها، ثم المجتمع بأَسْره؛ لأنه راضٍ بالنظام، فهو راضٍ بالكفر، والرضا بالكفر كفر، ثم يبدأ الجهاد ضد تلك الدولة المسلمة بعد تكفيرها بحجة أنها هي العدو الأقرب، ولا يمكن قتال العدو الأبعد إلا بعد التخلص مِن العدو الأقرب، ولو أن هؤلاء جمعوا بين الأدلة العامة في وجوب نصرة المظلوم وبين قوله تعالى: (وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق)، وكذلك قواعد الموازنات الشرعية بين المصالح والمفاسد والقدرة والعجز، لو فعلوا ذلك لوضعوا الأمور في نصابها، ولأمكنهم أن يكونوا جزءًا مِن الحل والبحث عن طريق لتخفيف الظلم عن هؤلاء المظلومين، وفى الوقت نفسه الوفاء بالعقد والعهد مع الآخرين، ولو أنهم جمعوا بين الأدلة التفصيلية والقواعد الشرعية وبين قوله تعالى: (ومَن يتولهم منكم فإنه منهم) وأضافوا إلى ذلك المعرفة بالواقع وظروف المرحلة، لما كان منهم هذا الغلو في التكفير والاستهانة بالدماء.
 
الخلاصة أنها أربعة أطوار يمر بها الشاب قبل أن تنزلق قدمه فى العنف والتكفير (عاطفة غير منطبطة بقواعد الشرع - تشوه نفسي - رغبة عارمة في الانتقام - غطاء فكري لذلك الانتقام بالاستدلال بالعمومات وإغفال بقية أدلة الشرع ليتوصل إلى التكفير واستحلال الدماء) العلاج: لابد أن نعلم أولًا أن العلاج لا يمكن أن يكون بصرف الشباب عن التدين بتسهيل وسائل الانحلال وترويج شبهات الإلحاد، وكذلك ليس العلاج بقتل العاطفة الدينية عند المسلمين، وكذلك ليس العلاج بتجهيل الشباب بدينهم وهدي نبيهم صلى الله عليه وسلم، وكذلك ليس العلاج بمحو الأدلة الشرعية مِن الكتاب والسنة التي يفهمها البعض على غير المراد منها أو التعسف في تأويلها، وكذلك ليس العلاج بمحو الأقوال المعتبرة لعلماء الأمة التي قد يفهمها البعض خطأً أو تشويه الأئمة والدعاة الذين فهمت بعض أقوالهم خطأً، وكذلك ليس العلاج بتوسيع دائرة الاشتباه وتعريض الشباب للقهر والأذى، فإن هذا يزيدهم قناعة بها هم عليه، وإنما العلاج يكمن في نشر العلم والحض على التدين الصحيح وفتح الحوار مع الشباب واحتضانهم وإزالة شبهاتهم وتحصينهم بالتأصيل العلمي، فإن القاعدة الكبرى من هؤلاء الشباب ما زالت في المراحل الثلاثة الأولى التي يمكن إنقاذهم منها بالحوار الفكري والعلم، وهناك عدة قضايا لابد من دراستها دراسة جيدة وإيجاد كوادر شبابية تتقنها وتنتشر بين الشباب لتأصيلها والرد عن الشبهات حولها وهي
 
1- قضية تحكيم الشريعة وبيان أن الإقرار بدستور يلزم كما ورد فى حكم الدستورة سنة (85) يلزم المشرع بالالتجاء إلى أحكام الشريعة الإسلامية وعدم الالتجاء إلى غيرها، ويلزم بتعديل القوانين لتتوافق مع أحكام الشريعة الإسلامية المقر بهذا الدستور، ليس بممتنع عن تطبيق الشريعة، ثم يأتي التطبيق العملي والتفعيل لهذا النص الدستوري بالتدرج الذي نص عليه أيضًا حكم المحكمة الدستورية المذكور، وكذلك حكم عام (87).
 
2- قضية الولاء والبراء وهل يعد التفاوض مثلًا ولاءً مكفرًا؟
 
3- قضية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر معناه وصوره وضوابطه الشرعية، وهل ما يقوم به البعض مِن الإنكار الذي تزيد به المنكرات والفتن يُعد إنكارًا للمنكر؟
 
4- الجهاد: معناه وصوره وضوابطه الشرعية، وهل قتل المسلمين والمعاهدين والمستأمنين يُعد جهادًا؟
 
5- قواعد الموازنات بين المصالح والمفاسد والقدرة والعجز.
 
6- قضايا الإيمان والكفر وموانع تكفير المعين مِن العذر بالجهل وغيره.
 
7- فقه الخلاف، ومتى يكون الخلاف معتبرًا ومتى يكون غير معتبر؟ وهل الخلاف في الاستهانة بالأرواح والدماء والتكفير بالظن والأوهام يعد خلافًا معتبرًا؟ وهل مَن يقول بمثل هذه الأقوال المنحرفة يمكن أن ينسب لأهل العلم المعتبرين؟ هذا بالاضافة إلى كيفية الرد على شبهات هؤلاء الشباب المغرر بهم.