واجب الوقت (2)

  • 171

تعرَّضنا في المرة السابقة لمفهوم طاعة الوقت، وبيَّنا أن مِن جملة ما يتعلق به الأمراض التي تطرأ أو يزداد انتشارها في فترة ما، وسنحاول في هذا العدد أن نمر مرورًا سريعًا على أهم الأمراض والآفات، أو أهم البدعة المنتشرة في هذا الزمان، والتنبيه على خطرها، وبالتالي التنبيه على أهمية أن ندرسها وندرس الرد عليها ونشيع ذلك الرد:
 

أولًا: قضية الغلو في التكفير
مرض الغلو في التكفير هو الأخطر مِن بين الأمراض الأخرى بسبب سرعة انتشاره:
 
يأتي في المقام الأول قضية الغلو في التكفير، والبعض سيبادر ويسأل: هل قضية الغلو في التكفير تأتي قبل قضية الإلحاد؟!
 
نقول: إن قضية الإلحاد هي أخطر قضية على الإطلاق؛ لأنها كفر صريح بالله عز وجل، ولكن ليست الخطورة دائمًا بمقدار الانحراف (مقدار بطلان هذا القول)، بل الخطورة في سرعة انتشاره؛ فبهذا المعيار قضية الغلو في التكفير أخطر.
 
وخطورة قضية الغلو في التكفير أنها تأخذ من رصيدٍ هو في الحقيقة أفضل رصيد في هذه الأمة. ولا نقصد بذلك أننا نغمط حق عموم المسلمين؛ لئلا نقع فيما وقع فيه أصحاب هذه الآفة -أعني آفة الغلو في التكفير-، ولكن في الواقع درجة اهتمام المسلمين بإسلامهم متفاوتة، ودرجة اهتمام المسلمين بقضية فروض الكفايات وقضية الدعوة إلى الله متفاوتة؛ وبالتالي المسلم الذي وُجدت عنده عاطفة أن يدعو إلى الله وأن يؤم المساجد ويعمرها قد خطا خطوات أفضل للأمام يمكن أن يهدي الله به أقوامًا بعده، فتأتي بدعة التكفير على هذا الرصيد وتستنزفه.
 
«داعش» أسوأ حالًا مِن الخوارج الذين يكفرون مرتكب الكبيرة:
 
فصاحب بدعة الغلو في التكفير يكفر مرتكب الكبيرة، وكثير منهم –أعني «داعش»- لا يكفر مرتكب الكبيرة، لكنه أسوأ ممن يكفر مرتكب الكبيرة.
 
وتجد مَن يدافع عن «داعش» مثلًا ويقول: هم يتبرءون من تكفير مرتكب الكبيرة.
 
نقول له: هل أنت متفق معنا أن تكفير صاحب الكبيرة بدعة شنيعة؟ وأن هذه البدعة سمَّى العلماءُ أصحابَها بالخوارج؟ وأسقطوا عليهم أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم في ذمهم وأنهم كلاب أهل النار وغير ذلك؟
 
فإذا قلت: نعم، فنقول: ما هي مشكلة الخوارج؟
 
إذا أردتَ الإجابة فانظر إلى الضابط النبوي: «يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلَامِ»، ولم يذكر أنهم كفَّروا مرتكب الكبيرة، فالقضية أنهم كفَّروا المسلم و ليست القضية بماذا كفروه؟ القضية أنهم استحلوا دمه بغض النظر عن الشبهة التي كفروه بها ووفق هذا الضابط النبوى يستحق أي أحد يكفر المسلمين ويستحل دماءهم لقب "خارجي".
 
لكن لما كان الخوارج الأولون يكفِّرون مرتكب الكبيرة قال العلماء: هذه هي طريقة الخوارج يكفِّرون شارب الخمر ويستحلون دمه، فإذا جاء أناس يكفِّرون المسلم السالم من الكبائر فالعقل يقول: إما أن تجعله خارجيًّا كأولئك الخوارج الأوائل، وإما أن تجعله أسوأ منهم، لكن لا يصح الدفاع عنهم بدعوى أنهم لا يكفِّرون مرتكب الكبيرة؛ لأنهم فعلوا الأسوأ؛ كفَّروا مَن لم يرتكب كبيرة أصلًا، طالما أنه لا يواليهم ولا يقاتل في صفوفهم فهو عندهم كافر! فهؤلاء إما خوارج وإما أسوأ مِن الخوارج.
 
فالحاصل: أن هذه البدعة قد طال شرُّها؛ فلم تعد قاصرة على تكفير مرتكب الكبيرة، أو تكفير عوام المسلمين؛ لأنهم لم يتعلموا التوحيد كما ينبغي في زعمهم -وكل هذا مِن الشر المستطير- بل امتدت حتى طالت مَن انشغل بالعلم والدعوة، هم عندهم كفار أيضًا لكنهم عندهم أقل كفرًا من غيرهم؛ يقولون لمن كان كذلك: أنت فهمت التوحيد وأقررت بوجوب الحكم بما أنزل الله لكنك ما زلت كافرًا، ويبقى لك خطوة واحدة وتسلم: أن تكفِّر الكفارَ (يقصدون عموم المسلمين الذين يكفِّرونهم)؛ فتدخل بذلك في الإسلام.
 
فهذا المرض –أعني مرض التكفير- أصاب فريقًا كان من المفترض أن يقوم بنقل الخير للباقين وبنشر الحق، ولكنه ابتُلِي بذلك المرض فصار طاقة تدميرية، ولذا نقول: إن الأمر في هذا الوقت صار خطيرًا جدًّا، لهجرة كثير مِن الشباب مِن السلمية إلى العنف، ومِن السنة إلى الغلو في التكفير؛ استجابة لرءوس تلاعبوا بمن وثق بهم مِن الشباب، وواصلوا تحميسهم حتى أوقعوهم في الغلو في التكفير، ولعلهم بدءوا هم أنفسهم يكتوون بنار تلك الفتنة.
 
إذا رجعنا لتاريخ الحركة الإسلامية المعاصرة وعلاقتها بفتنة الغلو في التكفير؛ فسنجد أن بلادنا ابتليت بموجة علمانية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين؛ فظهرت في مقابلها موجة مقاومة للعلمانية (وإن كان فيها درجة مِن الانهزامية) مثل حركة جمال الدين الأفغاني، ثم نُقِّحت بعض الشيء على يد محمد عبده ثم نقحت أكثر على يد محمد رشيد رضا، ولم تظهر بدعة التكفير إلا في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات، ووصلت أقصاها في بداية السبعينيات على يد شكري مصطفى، ثم انحصرت في مجموعات صغيرة، لكن كانت هذه المجموعات الصغيرة كانت دائمًا مصدر إزعاج؛ فكانت ترتكب الجرائم ثم تنسبها إلى الإسلام؛ فتصد الناس عن سبيل الله في الداخل وفي الخارج.
 
وإذا كانت هذه المجموعات على صغرها قد تسببت فى هذا الازعاج، فما بالك بعد أن اتسع نطاق تلك البدعة، وتحوَّل أناس بأعداد كبيرة كان لهم وجودهم وإسهاماتهم في إسداء الخير إلى الناس كنصيحة أو تكافل اجتماعي أو أنواع من قضاء حوائج الناس، ولسبب أو لآخر يُبتلى أحدهم بشبهات فينقلب إلى التكفير أو إلى درجة مخففة منه.
 
ولاحظ أن أية درجة فيها تعامل مع المسلم على أنه ليس بمسلم، أو أنه مسلم درجة ثانية، أو أنه منزلة بين المنزلتين، أو أنه لا يستحق أن يُعطى حقوق الأخوة الإيمانية؛ فهذا كله في أثره العملي كالتكفير تمامًا، ولعل هذا أحد معاني قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لَعْنُ المسلمِ كَقَتْلِهِ».
 
واجبنا في مواجهة الغلو في التكفير:
 
فإذا وجدنا اتجاهًا كهذا وجب علينا أن نُحصِّن أنفسنا، وأن نُحصِّن الناس، وأن ننصح أي أحد يسير في هذا الاتجاه مهما كانت ظروفه النفسية، ومهما كان شعوره بالظلم، ونذكره بالله عز وجل، ونذكره بضوابط هذه القضية وبالمعاني الشرعية، ونذكره ببعض مواقف من تاريخ من يُعظِّمهم ومن يراهم مصلحين وأئمة وقادة؛ كيف كان سلوكهم في مواطن كهذه؛ لكي نغلق الباب على هذا المرض الأخطر الذي ينقل ذوي الطاقات النافعة من خانة النفع العام إلى خانة الضرر العام، يعني من النقيض إلى النقيض تمامًا.
 
فهذه القضية -بلا شك- يمكن اعتبارها واجب الوقت، ويمكن اعتبارها قضية ذات أولوية قصوى في زماننا.
 
ثانيًا: قضية الشيعة
 
يمكن أن يقارب قضيةَ الغلو في التكفير في الأهمية قضيةُ الشيعة، ولقد عشنا زمانًا طويلًا ومعظم الناس يعتبرون الكلام في هذه القضية ترف فكرى. وكما ذكرنا في المقال السابق أن الكلام في الرد على الشيعة أو غيرهم من أهل البدع هو من قبيل الدواء، فكما لا يلزم أن يتعلم كلُّ الناس الطب وأنواع الأمراض وإنما توجد فيهم نسبة كافية من الأطباء ممن يحسنون تشخيص المرض وصف الدواء، ويتناول المرضى ما يحتاجونه منه، فكذلك ليس كل الناس يحتاج أن يعرف ماذا يقول الشيعة؟ وما هو الرد عليهم؟ ولكن لا بد أن يوجد منهم مَن يقوم بهذا.
 
وقد استفاق الكثيرون إلى خطر الشيعة، ولكن استفاقتهم جاءت في وقت متأخر جدًّا؛ فالحوثيون -على سبيل المثال- كانوا مِن الشيعة الزيدية، والشيعة الزيدية لا يكفرون الصحابة ولا يؤذونهم، لكنهم كانوا يرون أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان أولى بالخلافة فقط، وهذا الكلام في حد ذاته بدعة تستحق الرد، ولكنها ليست على درجة خطورة الرافضة، فانظر كيف تكون بداية البدعة وكيف تكون نهايتها؟! أن ترى أفضل الخلق بعد الأنبياء لما اختاروا أخطئوا في الاختيار، وأنت الذي تختار الصواب!! ولكن عموما كانت هذه قضية محصورة، وهم فيما عدا ذلك يعظمون الصحابة رضي الله عنهم، ويرجعون إلى كتب السنة المعتمدة، وهذا بخلاف الروافض الذين لهم كتب غير كتب السنة المعتمدة، وهذا فرع على قضية تكفير الصحابة عندهم.
 
سكتنا إلى أن وصلت إليهم إيران فأخذتهم عندها وعلمتهم مذهب الشيعة الإثني عشرية فانقلبوا من مذهب الزيدية إلى مذهب الإثني عشرية.
 
وماذا يعني أنهم صاروا شيعة إثني عشرية؟
 
معنى ذلك أنهم صاروا يسبون الصحابة ويرون أننا طالما نترضَّى عن أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم، ونحب أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها صرنا عندهم بذلك متلبسين بتهمة أننا المسئولون عن دم الحسين رضي الله عنه!! وأصبحوا يظاهرون علينا مِللَ الكفر المختلفة.
 
والحاصل أن الشيعة الزيدية تحولوا إلى شيعة إثني عشرية والأمة في سبات عميق، ثم كانت المرحلة التالية لتحوُّل الفكر: مرحلة المال والسلاح، ثم كان الواقع الذي نراه الآن.
 
الاتفاق النووي الإيراني الغربي وأثره على زيادة الجهد في نشر التشيع في العالم العربي:
 
والجديد بالنسبة لنا في مصر وغيرها هو الاتفاق النووي الإيراني الأمريكي، فبدون تفاصيل سياسية محصلة هذا الاتفاق هي الإفراج عن الودائع الإيرانية ورفع الحظر عن صادرات البترول الإيرانية، أما أمريكا فتقول: أيها العرب لا تخشوا من الإفراج عن الأرصدة الإيرانية؛ فإيران لن تنفقها على التشيع في العالم العربي؛ لأن الاقتصاد الإيراني متدهور وهي في حاجة إلى إنعاشه، مع أن حقيقة الأمر أن إيران كانت تنفق على التشيع رغم أن الاقتصاد الإيراني كان متدهورًا والأرصدة الإيرانية مجمدة وصادرات البترول محظور عليها، أفبعد أن تأتي هذه التدفقات يقولون: نحن سنصلح الاقتصاد؟ أم سيزيد الإنفاق على التشيع؟ فهذه هي القضية: أنك تتوقع ترويجًا للتشيع.
 
وسائل الترويج للتشيع بين أهل السنة:
 
هذا الترويج للتشيُّع يأتيك من خلال طريقة صوفية مخترقة شيعيًّا -كما اكتشفت الأجهزة الأمنية-، أو يأتيك بنفس طريقة توغل الفكر التكفيري الذي يكلمك عن التوحيد ووجوب الحكم بما أنزل الله -وهي قضايا هامة ومطلوبة بلا شك- ولا يزال بك حتى تكفِّر المسلمين، وكذلك يأتيك الشيعي ويحدثك عن حب آل البيت -وهو أمر هام من الإيمان بلا شك- ولا يزال بك حتى تتبرأ من الصحابة رضي الله عنهم.
 
فأنت بحاجة أن تلقِّن الناس وتعلمهم حب النبي صلى الله عليه وسلم وأزواجه أمهات المؤمنين وحب أصحابه رضي الله عنهم، وحب آل بيته؛ لأن شبهات الشيعة تتسرب إلى الناس بهدوء، عبر أسئلة عن دم الحسين وخلافة عليٍّ رضي الله عنهما، وعبر كُتُبٍ ورسائل مشكِّكة، حتى ينتهي الأمر بوقوع من غلبته هذه الشبهات في سب الصحابة رضي الله عنهم، واتهام عموم الأمة عبر التاريخ أنهم مسئولون عن دم الحسين رضي الله عنه، وأن الأمة ارتدَّت بعد وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا ستة من الصحابة، ويتحول هذا الشخص إلى كاره للأمة كلها.
 
فخطر الشيعة يأتي من خلال بعض الطرق الصوفية، أو من خلال بعض البسطاء، أو من خلال علمانيين. وهذا من أعجب الأمور أن تجد بعض العلمانيين يطعن في الدين ويقول: الفكر الغيبي والخرافة، فإذا كان هو يكره الخرافة ويحاربها، فالخرافة بأفظع صورها هي في دين الشيعة الذين يجرحون أبدانهم ويضربون أنفسهم بالسلاسل والسيوف، ويفعلون هذا بالأطفال، وغير ذلك مما يفعلونه يوم عاشوراء.
 
والعجيب صمتُ المنظمات الإنسانية والجمعيات الحقوقية عن هذا!
 
العلمانيون يريدون ضرب أهل السنة بالشيعة؛ فالعلمانيُّ يريد خصمًا سهلًا، ويريد دينًا خرافيًا يناقض العلم؛ ليثبت أن الدين خرافة، وأنه لا واقع له في الحياة كما حدث في أوروبا، وبالتي فهو لا يريد أن يُبرز الدين الذي حارب الخرافة ألا وهو دين الإسلام الصحيح الذي حرَّم التمائم، وحرَّم أن تنسب الأمور إلى النجوم أو إلى الكواكب وغيرها، وحرَّم كل مظاهر وأنواع الوثنية كالطواف بالقبور والتمسح بها، وحرَّم أن تسأل حوائجك من غير الله تعالى؛ لأن هذا الدين الحق هو الذي هُزِمتْ أمامه العلمانية.
 
الخلاصة: الشيعة قد يتسللون من خلال بعض الكُتاب العلمانيين، ولْتراجع السنين العشر الماضية: ما الجرائد التي نشرت تحقيق: «أسوأ عشر شخصيات في تاريخ الإسلام» وذكر أولهم عائشة رضي الله عنها، هذا تقرير كان قد نشر في ثلاث جرائد متزامنة، تقريبًا سنة ????، والجرائد أسماؤها معروفة، ورؤساء تحريرها معروفون.
 
فهذا الحلف الشيعي العلماني غير مستغرب على الإطلاق، على الرغم من أن كلًّا منهم لو كان منصفًا لكان هذا الحلف أبعد ما يكون، لكن لا يوجد إنصاف لا عند هؤلاء ولا عند هؤلاء، وإنما هي أحلاف مصلحية وقتية.
 
الخطر الثالث: خطر محاولة علمنة الإسلام
 
محاولة العلمانية المتطرفة تكرار النموذج الغربي في العلم الإسلامي:
 
أما الخطر الثالث فهو خطر محاولة علمنة الإسلام، فمنذ ثلاثة قرون تقريبًا والعالم الإسلامي يتعرض لهجمة علمانية في غاية الشراسة، هذه الهجمة في بداية الأمر استثمرت خرافات الصوفية لكي تعيد إنتاج نفس السيناريو الذي تم في أوروبا: دين خرافي يأتي أمام العلم فيُهزم، ثم يأتي العلماني ويقول دعوكم من الدين وابقوا مع العلم، إما ترك الدين بالكلية عند فريق منهم، وإما أن يكون داخل جدران الكنيسة لا خارجها عند فريق آخر، فيكون للكنيسة بالداخل أحكامها، والخارج له أحكامه التي يضعونها بأهوائهم، فهذا الانفصال التام هو ما يريد منا العلمانيون أن نصل إليه.
 
ففي أوروبا، قامت معركة بين الدين المحرف المصادم للعلم وبين العلم، فانتصر العلم، وصار الدين حبيس دور العبادة، وقد أراد العلمانيون أن يفعلوا هذا الأمر في بلاد المسلمين مستغلين الخرافات التي كانت منتشرة بين الناس من الطواف بالأضرحة والاستشفاء بترابها، وبالفعل كانت تحدث حوادث وجرائم ويأتي العلماني يقول: هذا هو الدين! هو الذي فعل بك هذا! والعلم سوف يعالجك، فانتصروا انتصارًا مرحليًا مؤقتًا، ثم مَنَّ الله على الأمة بانتشار الدعوة إلى السنة التي تحارب الخرافة وتحارب العلمانية فصارت العلمانية لا تجد مبررًا لوجودها، وصارت غير قادرة على تنفير الناس من الشريعة؛ لأن الشريعة -كما رآها الناس- كلها عدل وحكمة، فانسحبت هذه العلمانية المتطرفة مؤقتًا، وصار البديل هو العلمانية المتنكرة بعض الشيء؛ التي لا تبدأ بتخطئة الدين والشريعة ومحاربتهما.
 
انسحاب العلمانية المتطرفة وتقدم العلمانية المغلفة:
 
العلمانية التي تقول: «الدين أفيون الشعوب» انسحبت، والعلمانية التي تقول الإسلام ليس فيه شريعة، وهو مجرد علاقة بين العبد وربه انسحبت كذلك، أو أخذت مساحة صغيرة من الناس، الذين تستطيع أن تصل إليهم وتخاطبهم بهذا الخطاب، أما عموم الناس الذين يقرؤون القرآن وسمعوا قوله تعالى: ?قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ?، فلا تجرأ الاتجاهات العلمانية على أن تصادم القرآن معهم؛ فالعلماني الآن لا يعارض العقيدة ولا الشريعة من حيث المبدأ، ولكن يطالب بتحريفها من خلال أبوابٍ الأصلُ أنها صحيحة كتغيُّر الفتوى بتغيُّر الزمان والمكان بضوابطه هذا صحيح، وتجديد الدين بضوابطه، هذا صحيح؛ بمعنى تنقية الدين، إزالة ما علق به من بدع، وليس إدخال في الدين ما ليس منه مما يخالف. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها»، فهذا المجدِّد لا يأتي ليُدخِلَ في الدين ما ليس منه بل يأتي لينقِّيَ ويحذف ما ألصقه الناس بالدين من بدع، وللأسف بعض الناس يستعمل هذا اللفظ «لفظ التجديد» لإضافة أشياء مخالفة للدين.
 
فإذا تكلم أحد عن «تجديد الدين»، فمن الخطأ أن تتهمه بالتلاعب أو تعارضه إجمالًا، كما أن من الخطأ توافقه إجمالًا بغير تفصيل، بل عليك أن تفصِّل القضية وتوضحها، فإذا كان من ينادي بتجديد الدين يقصد أن نراجع ما به من بدع كالتكفير والتشيُّع وبدع الصوفية، وما علق به من مفاهيم مغلوطة فهذا حسن ومطلوب بل هو واجب، وإذا كان يعني تغيُّر الفتوى بتغير الزمان والمكان، ونراجع الفتاوى التي قيلت في واقع مختلف، فنراجعها بمقتضى الأحكام الشرعية الثابتة على الواقع الجديد فهذا أيضًا حسن، وإذا كان يقصد أن نتلاعب في الأحكام، فهذا تحريف وتبديل،  وبهذا التفصيل تكون إجابتك فيها نصيحة للأمة، وفيها إغلاق لباب الفتن.
 
  
الخطر الرابع: خطر الإلحاد
 
الخطر الرابع في ترتيب كلامنا هو الإلحاد، ولا نريد أن ندفن رءوسنا تحت الرمال، وفي نفس الوقت لا نريد أن نهول من الأمر، وقد ذكرنا في المرة السابقة أن هذه أمراض، وتحتاج علاج.
 
الإلحاد يشبه مرض كانت نسبته واحد في المليون ثم وجدناه فجأة قد أصبح واحد في الألف، فباعتبار أنه تضاعف تقول الخطر يزيد ولكن فى ذات الوقت نسبته مازالت محدودة جدًا، فلا يقل لك أحد: إن الإلحاد ملأ السهل والوادي، لذا لابد أن يكون الرد على قدره، لكن يحتاج إلى رد بلا شك.
 
لما انسحبت العلمانية وتركت مكانها محاولة تحريف الدين وتبديله هذا من جهة، ومن جهة أخرى من يؤمن بالقرآن لا يقبل قول من يقول: «الدين علاقة خاصة بين العبد وربه»؛ لأن القرآن يقول: ?قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ?، وأطول آية في القرآن هي آية الدَّيْن، والقرآن فيه أحكام وحدود، فلما يئسوا من قبول المسلمين للعلمانية بكل أشكالها، صار الحل عندهم من البداية فأطلقوا علينا كتائب الإلحاد؛ عن طريق مواقع التواصل الاجتماعي وغيرها، وصار من السهل أن يوجد شخص في إسرائيل أو غيرها يسمِّي نفسه محمدًا، ويدعى أنه كان مسلمًا وألحد، أو هناك نماذج حقيقية لمن وقع في الإلحاد وينتشرون عبر وسائل التواصل الاجتماعى؛ فالأمر خطر بدرجة تقتضى أن أي أحد يقول إنه يريد أن يساهم بدور في نهضة الأمة وعلاج الأمراض، لابد أن يقوم بدراسة شبهات الملاحدة والرد عليها.
 
ولا تُعطِ الدواء لشخص لا يحتاج إليه، لكن يمكن أن تعطي التطعيم لمن لم يصبه المرض، أن تتكلم في الخطب والدروس عن قدرة الله وخلقه ومظاهر ذلك في الكون، وأن تتكلم عن فطرة التوحيد، فبذلك تعطي الأمصال دون أن تتكلم عن الإلحاد بعينه، لكن ستجد في مكان ما أناسًا ملاحدة، فيجب أن يكون عندك القدرة على الرد عليهم.
 
القاسم المشترك بين هذه الأخطار الأربعة: الطعن في السنة
 
الملحد يطعن في الكتاب والسنة؛ لأنه يطعن في أصل قضية التدين، لكنك ستجد معظم طعن الملحد على السُّنة لأنه يريد أن يذبذب من أمامه فيأخذ الأمر الأسهل.
 
والخوارج يطعنون في السنة لأن السنة فيها رد تفصيلي على بدعتهم، وهم يريدون أن يحذفوا التفصيل ويبقى القرآن مجملًا؛ فيؤوِّلونه على ما يريدون.
 
والشيعة يطعنون في السنة؛ فهم يطعنون في الصحابة نَقَلَةُ هذه السنة، وهم، كمن قبلهم، يريدون القرآن مجملًا ليؤوِّلوه، فيحملون أي آية فيها ميثاق على عليٍّ رضي الله عنه، ويحملون أي آية فيها لعن على أبي بكر وعمر رضي الله عنهما؛ لأنه حذف الشرح والتوضيح والبيان؛ وهي سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وسلم.
 
وكذلك من يريد تحريف الدين يقول: «خذ روح الشريعة والقواعد الإجمالية».
 
فالطعن في السنة هو القاسم المشترك بين كل هؤلاء.
 
ومن يحاول ترويج «الإسلام الليبرالي» ،كما يسمونه، ويروجون للطعن في السنة من خلال برامج ضخمة ليتخلصوا مما فى السنة من شرح و توضيح ليضعوا هم شروحهم التى تناسب أفكارهم
 
و كل صنف من هؤلاء الطاعنين فى السنة لا يخدم قضيته فقط، بل هم يخدم في مقابلها قضايا النقيض تمامًا فكل منهم يريد القضاء على السنة النبوية؛ لأن كل منهم له تأويل للقرآن مصادمٌ تمامًا لتأويل الآخر، والحق أن أي تأويل مصادم للسنة الشارحة للقرآن تأويل باطل، قال الله عز وجل: ?وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ?.
 
إذًا فقضية السنة هي قضية محورية وهي أوجب واجبات ذلك الوقت، وأداء ذلك الواجب بأن نتعلم السنة وحُجِّيَتها والذَّبَّ عنها ضد الشبهات المثارة عليها، وأن نلقِّن هذا لإخواننا وأبنائنا؛ حتى يعرف الصغير والكبير والعالم والجاهل فضل سنة النبي صلى الله عليه وسلم ودورها في التشريع الإسلامي؛ لأن هذا فيه النصف، أو أكثر، في تحصين الناس ضد فكر الخوارج، وضد فكر الشيعة، وضد فكر التحريف والتبديل، وضد الإلحاد.
 
فهذه من أوجب القضايا التي يجب علينا أن نتمسك بها في هذه الآونة.