العشر الثانية على طريق الصحوة

  • 145

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛
العبودية هي وظيفة العمر التي لا ينبغي للإنسان أن يفارقها لحظة (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ) (الحجر: 99)، ولذلك فمبدأ عبودية المسلم لربه امتثالاً للأمر واجتنابًا للنهي لا يقبل فكرة "الموسمية"، ولكنه ينبغي أن يكون منهاجًا ثابتًا وطريقًا واضحًا له لا يحيد عنه قدر أنملة، وهذا لا يتعارض مع وجود مواسم للخير، ووجود هبات ربانية في بعض أوقات العام، وهذه المواسم إذا ما وضعت في إطارها الصحيح علم أنها مواسم "لزيادة الطاعة" وليست مواسم "للطاعة" التي لا ينبغي أن تكون موسمية بحال من الأحوال.

والشيطان كما تعلم فقيه في الشر، يحاول دائمًا أن يصل بالإنسان إلى أبعد مهاوي الهلكة والكفر والطغيان، ولكنه متى عجز عن ذلك لم ييأس في أن يضع الإنسان في المرتبة التي تلي ذلك سوءًا وهكذا، ومن هذا أنه روج لكثير من المسلمين مبدأ موسمية الطاعة؛ فتجد الكثيرين منهم يغير حياته في رمضان حتى يصل إلى درجة أقرب ما تكون إلى المطلوب من فعل المأمور وترك المحظور، بل من فعل الفرائض وإتباعها بالنوافل، ويبلغ الأمر مبلغه في العشر الأواخر من رمضان حيث يقارب عدد من يحضرون صلاة القيام في بعض المساجد عدد من يحضرون الجمعة، وربما زاد عليه أضعافًا مضاعفة في المساجد التي يؤم المصلين فيها قارئٌ حسن الصوت، ولا يكاد يخلو حي من أحياء المسلمين من اعتكاف يضم العشرات بل المئات أحيانا من الشباب والرجال، وربما النساء أيضًا.

ورغم أن حالنا في العشر الأواخر من رمضان حال باهتة إذا ما قورنت بحال السلف –رضي الله عنهم- في رمضان بل في سائر أيام العام، فإنها تمثل بالنسبة لنا الرئة التي يتنفس من خلالها المجتمع شيئًا من الهواء النقي وتضخ في عروقه شيئًا من الدماء الزكية، وكم نتحسر على فواتها ونتحسر أكثر على إعراض أو جهل الكثيرين منا في وسط أبناء الصحوة الإسلامية وفي وسط غيرهم، بأهم مقاصد هذا الموسم وهو أن يتزود فيه المسلم زادًا إيمانيًّا يدفعه في بقية أيامه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183)، وغني عن الذكر أن التقوى المنشودة من شهر الصيام هي سلوك دائم للقلب وليس حالا طارئة له أثناء الشهر، وما أشبه حالنا في ذلك بحال من يسير في صحراء موحشة بسيارته وقد أوشك وقوده على النفاد ثم وجد محطة وقود، ترى ما الذي يصنعه فيها؟؟

إن المُشاهد من حال الناس أن من كانت هذه حاله فإنه يحرص على ملء خزان وقود سيارته إلى آخره وإذا استطاع أن يملأ خزانات وقود إضافية فعل، بينما نكتفي نحن في مواسم الطاعات بقدر يسير من الوقود لا يكاد يكفي السيارة إلا في تجاوز محطة الوقود ثم تعود إلى سيرتها الأولى، ومع هذا كله تبقى هذه المظاهر ولو كانت ناقصة أو موسمية فتحًا من الله -عز وجل- مع أن الجهود الدعوية المبذولة لدعوة الناس إلى الإقبال على هذا الخير ليست على الدرجة المطلوبة هي الأخرى إلا أن كرم الله واسع وفضله عميم.

والذي أدرك أو سمع عن أحوال أمتنا قبل انتشار الصحوة الإسلامية يعلم أن الالتزام بالصلاة في حد ذاتها والصوم، فضلا عن الحج كان أيضا عملا موسميا، ولكن موسمه يأتي في العمر مرة لمن طال عمره حتى بلغ من الكبر عتيًّا، فحينئذ فقط يمكن أن يرتاد المساجد ويصوم رمضان ويفكر بالحج إلى بيت الله الحرام، وقد كانت هذه الصورة موجودة إلى وقت قريب في البلاد التي تأخرت فيها الصحوة الإسلامية مثل تركيا.

وثمة أمرٌ آخر في غاية الأهمية مما يدخل على النفس مزيدًا من السرور والبشر، وهو أن عناية الناس بهذه المواسم قد تتخطى موسم رمضان ليشمل الأيام المتأكد صيامها، حتى إنك في بعضها تخالك في رمضان مما تراه من المظاهر الرمضانية من إقبال الناس على شراء الطعام قبيل المغرب، ومن ازدحام الطريق بالمسرعين لإدراك فطرهم، ومن وجود التمر والمشروبات في كل المساجد تقريبًا وقت المغرب، مما يعني انتشار هذه الشعائر - بفضل الله - "ومن المضحكات المبكيات أن إحدى محطات التلفاز قد عرضت في أحد الأيام المستحب صومها إعادة لحلقة من حلقات الفوازير الرمضانية، ربما ظنًّا من القائمين عليها أن الصيام لا يتم إلا بذلك".

ومع شيوع ظاهرة صوم النوافل كيوم عرفة ويوم عاشوراء، فإن أثر صيام يوم لا يكون له نفس أثر موسم من الطاعة لاسيما مع طريقة التعامل الموسمية التي يتعامل الناس بها مع الطاعات، ومن هنا جاء اهتمام الدعاة والخطباء بالعشر الأول من ذي الحجة، وقبل شيوع عصر الكاسيت ومن بعده الإنترنت والفضائيات لم يكن الناس يعلمون شيئًا عن فضل هذه العشر، مع أنها في كتاب الله وفي سنة رسوله - صلى الله عليه وسلم- وفي كلام أهل العلم تنافس العشر الأواخر من رمضان شرفا وفضلا، بل تزيد فضلا عن أيام العشر الأواخر من رمضان، وإن كانت عشر رمضان أفضل من جهة الليالي، وهذا الفضل ثابت في قسم الله بها (وَالْفَجْرِ . وَلَيَالٍ عَشْرٍ) (الفجر: 1-2)، وفي ترغيب النبي -صلى الله عليه وسلم- في العمل الصالح فيها حيث قال (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا يا رسول الله، ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال ولا الجهاد في سبيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) رواه البخاري.

وعامًا بعد عام يزيد عدد المعظمين لهذه العشر، المعمرين نهارها بالصيام وليلها بالقيام، والمكثرين فيها من الذكر وقراءة القرآن، مما يعني أننا أمام موسم جديد للطاعة يمثل رقعًا جديدًا لخروق كثيرة في جدران قلوبنا وفي بناء أمتنا.

وبقيت نصائح مهمة للدعاة إلى الله في العمل على ترشيد الاستفادة من هذه المواسم:

الأولى:

ألا يدفعنا الحرص على استثمار هذا الموسم أو غيره إلى الابتداع في دين الله، فرسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أرشد إلى العمل الصالح عمومًا، ووردت آثار حسَّنها بعض أهل العلم في الترغيب في صيامها خصوصًا، ولكن يبقى الترغيب العام في العمل الصالح يشمل كل أفراد العمل الصالح من صلاة وصيام، وصدقة وذكر، فلا يدفعنا ذلك إلى ترتيب شيء جماعي لم يرتبه صلى الله عليه وسلم، كما يفعله البعض الآن من الاجتماع على الاعتكاف أو على قيام الليل، لما في ذلك من مخالفة هدي النبي -صلى الله عليه وسلم-، بل ينبغي أن نُبقِي على المطلق مطلقًا وعلى الراتب راتبًا.

الثانية:

أنه رغم استبشارنا بكثرة مواسم الطاعة فإن ظاهرة الموسمية في مبدأ الطاعة والالتزام هي من أكثر الظواهر خطورة في واقعنا المعاصر، ولو استطاع العدد الذي يمارس الآن نوعًا من العبادة الموسمية أن يتجاوز ذلك إلى الالتزام التام بدين الله، مع اغتنام المواسم في الازدياد من هذا الالتزام لكان لأمتنا الآن شأن آخر، وعليه فينبغي على جميع الدعاة أن يُكثِّفوا جهودهم لاغتنام هذه المواسم لمعالجة هذه الظواهر وللعبور إلى شاطئ العبودية الدائمة والاستسلام التام لدين الله تبارك وتعالى.

نسأل الله أن يستعملنا في طاعته، وأن يثبتنا على دينه، وأن يبارك لنا في أوقاتنا وأعمارنا، وأن يبلغنا أجر هذه الأيام الفاضلة وأن يرزقنا فيها العمل الصالح وأن يتقبله منا إنه ولي ذلك والقادر عليه.