عاجل

يا شباب النور .. حسبكم أنكم قدمتم نموذجًا للسياسة النظيفة

  • 140

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد؛
أثناء مداخلة لي بإحدى القنوات الفضائية، ألقى عليَّ المذيع بإحدى الشبهات التاريخية التي يواجه بها مَن يخوض العمل العام أو السياسي بمرجعية إسلامية، وهي أن السياسة لعبة قذرة؛ فدخول مَن ينتسب إلى الدين فيها خطر ..

فأجبت عليه بإجابة سوف أذكرها في تفاصيل المقال، ثم تطرقنا لمسألة: هل وجد هذا النموذج في مصر؟

فقلت: نعم؛ أزعم أنه يوجد فصيل يراعي الأخلاق في السياسة ويحافظ على مصلحة البلاد، وإذا عارض عارض بشرف ومِن أجل المصلحة العامة ..

فسألني: مَن هو؟ وهو يعلم يقينًا أنني أقصد حزب النور، ولكني رفضت -مِن باب (السياسة النظيفة)- أن أذكر ذلك في سياق تنافس انتخابي، وإنما عدلت عن هذا إلى تقرير أن كل ناخب يؤيد فصيلًا معينًا أو مرشحًا معينًا فلا بد وأنه يراه يمارس سياسة نظيفة، ولكن الرجل تردد في هذا الأمر بعض الشيء .. في هذه اللحظة كان قد حدث تجاوزان في غاية الخطورة وهما:
 
1- قانون الانتخابات الذي عدل عن نظام القائمة النسبية إلى الفردي والقائمة المطلقة، وهما نظامان لهما ما لهما ووعليهما ما عليهما، فإذا ضم إليهما غض الطرف عن استخدام المال السياسي صارت هذه الأنظمة شرًّا محضًا، وأما القائمة النسبية فمِن الممكن أن يستعمل معها المال السياسي، ولكنه لا يكون بذات الأثر؛ لأنه لا ينفق في الغالب إلا رءوس القوائم، ثم إنه في النهاية يبقى الآخر الذي حصل على بعض الأصوات بطريقة (نظيفة) فلا تهدر هذه الأصوات.
 
2- الأمر الثاني هو الحملة الإعلامية التي خرقت كل معاني الشرف والمصداقية، وقص ولصق للفيديوهات، واتهامات تعرض بالأيام المتتالية متغاضية عن قاعدة «المتهم بريء حتى تثبت إدانته»، ثم تظهر البراءة في التحقيقات، ولكنها لأغراض تتعلق بالسياسة (غير النظيفة) لا تعرض «وطبعًا حتكون مثالي جدًّا لو طلبت أن تعرض وبذات الكثافة التي عرضت بها التهمة فقط، نقول تعرض»، والآن وبعد أن انضم إلى ذلك أمران أعادا للأذهان صورة برلمان 2010 وهما:
 
أ- السماح للمال السياسي بالتواجد العلني على قارعة الطريق، وهو ما يكمل مساوئ القائمة المطلقة والفردي.
 
ب- التدخل الأمني، والذي ظهر في صورة ناعمة في كثير مِن الأماكن في صورة تطبيق انتقائي للقانون، وظهر في صورة خشنة جدًّا في أماكن أخرى مِن القبض على أبرياء وتلفيق التهم لهم، وبالطبع جاءت النتيجة كما هو متوقع؛ فازت قائمة في حب مصر على قائمة حزب النور في قطاع غرب، وكانت الإعادة سيدة الموقف بالنسبة للفردي، مع تصدر عدد كبير مِن رموز الوطني وأصحاب رءوس الأموال، ورغم صمود النور أمام قائمة تضم 15 حزبًا وعددًا مِن رموز الوطني السابقين وعددًا مِن رجال وسيدات الأعمال، إلا أن الجميع احتفل بهزيمة «النور»، ورغم دخول نحو 25 مرشحًا للإعادة، إلا أن الصحف ما زالت تذيع عدد مَن يدخلون الإعادة مِن الأحزاب الأخرى على أنه فتح مبين، في حين تصف أن حزب النور حصل على صفر في الجولة الأولى، وهذا يعني أن يُقال: إن كل الأحزاب حصلت على ذلك الصفر؛ لأنه لم يحصد في الفردي إلا الإعادة.
 
وبعيدًا عن هذا كله، وأنا أكتب هذه السطور قبل الاجتماع الذي تعقده الهيئة العليا لحزب النور لبحث الاستمرار في الانتخابات مِن عدمه -وأسأل الله أن يوفقهم لما فيه خير بلادهم- إلا أنني أحب أن أوضح بعض الحقائق لشباب النور:
 
الأولى: ليس مِن العيب أن تعيد تقييم العمل في منتصفه، وربما تقرر أنه لا جدوى منه فتتركه، ولكن ليس بالضرورة أن تكون قد فقدت الفرصة لتحقيق جميع أهدافك أن تعتبره لا جدوى منه، فمِن البداية قرر الحزب تقليص نطاق منافسته؛ لأن الإعلام كان يتعامل مع مشاركته وكأن كل مقعد يُنافس عليه مضمون له؛ ومِن ثَمَّ يتباكون على برلمان النور (وهذا تدليس)، ثم يضيفون إلى هذا أنواعًا مِن حكايات ألف ليلة وليلة عمَّا سيفعله هذا الحزب، وأنه سيبايع داعش، وكأن البلاد ليس فيها دستور وليس فيها مؤسسات صلبة أصلب مِن البرلمان 1000 مرة، وكأن المتكلم يصدق أن حزب النور (الوحيد الذي نظم فاعليات فكرية حقيقة ضد داعش والذي يكفر داعش قياداته وأعضاءه) سوف يبايع داعش، ومع هذا، وكنوع مِن الحرص على السلام الاجتماعي خفَّض الحزب المقاعد التي سينافس عليها؛ بحيث إنه لو افترضنا جدلًا أنه فاز بها جميعها، فلن تكون لديه القدرة على تطبيق حكايات ألف ليلة وليلة هذه، ولكن كان لدى شباب الحزب مع هذا التقليص أمل في أن يحصلوا على كتلة مؤثرة تمكِّنهم مِن تبني أجندة تشريعية واضحة، وتمكنهم مِن مراقبة الحكومة بشرف ونزاهة، وليرى الناس كيف يمكن لكتلة معارضة أن تقف في البرلمان مؤيدة لقرار حكومي، وكيف أنها عندما تعارض تُقدِّم البدائل وتحاور الحكومة، وليس أنها تتعمد إحراجها، والآن وبعد نتيجة الجولة الأولى: هل تقلص هذا الأمل؟ لا بأس، بوسعك أن تعيد ترتيب أهدافك بأن مَن سينجح -إن شاء الله- يكون معبرًا عن توجهات الحزب في كل ما يُناقش مِن قوانين، وإن لم يمتلك الكتلة التصويتية؛ فسيكون مالكًا للحجة والإقناع وإقامة الحجة، وحتى لو أن الحزب قرر الانسحاب، فلا تظنوا أن مجهوداتكم في الفترة السابقة قد ذهبت هباءً منثورًا؛ إن مِن أهم ما ينبغي أن نسعى لتقديمه للناس (السياسة النظيفة)؛ حتى نزيل مِن الناس فكرة أن السياسة بالمطلق هكذا نجاسة.
 
ولتوضيح هذه الفكرة على عجالة على أن نعود لتفصيلها في موطن آخر نقول:
 
1- إذا قُصِد بالسياسة: دراسة النظم السياسية وكيف تنظم الدول والمجتمعات؛ فلا نظن أن أحدًا يصفها بهذا المعنى (النجاسة).
 
2- وإذا قصد بالسياسة: الممارسة السياسية والتي يلخصها قولهم: «إن السياسة هي فن الممكن»؛ فنقول: إن تلك القاعدة قد تطبق بإحدى طريقتين:
 
الأولى: السياسة الميكافيلية التي لا تعترف بالأخلاق، وكل ممكن فيها مباح، والمصلحة فيها مصلحة شخصية، والوسيلة لهذه المصالح مباحة، وإن خالفت الأخلاق.
 
الأخرى: أن تطبق على ضوء قاعدة المصالح والمفاسد الشرعية، ووفق معايير تعلي مِن شأن الأخلاق، وتُقدِّم المصلحة العامة على الخاصة، وتجعل مِن الوفاء بالعهود الخلق الأسمى في التعامل مع الأعداء قبل الحلفاء، وفي النهاية تطبق قاعدة: «إذا تعارضت مصلحتان قدمت أولاهما، وإذا تعارضت مفسدتان دفعت أكبرهما»، وهذه هي السياسة النظيفة، ومِن العجيب أن تجد أن مَن يقررون ليل نهار أن السياسة نجاسة، تجدهم فرحين مسرورين، رغم أنهم يمارسون تلك السياسة؛ يأتي على تطبيقك لتلك القاعدة في أن تترك العمل ببعض اجتهاداتك الفقهية إذا تعارضت مع وجودك في العمل العام والمستند إلى اجتهادات أخرى، فيسمون هذا ميكافيلية (نجسة)، رغم أنهم يرون أن السياسة لن تكون إلا كذلك.
 
فأنتم يا شباب النور قدمتم منذ بداية عملكم -لا سيما في الفترة بعد 30/6- نموذجًا للسياسة النظيفة؛ فرفضتم أن تعملوا بنظرية الفسطاطين؛ فسطاط إيمان وفسطاط كفر، فرماكم الإسلاميون بالعمالة، ورماكم الآخرون بعدم الوطنية، فصبرتم على أذى هؤلاء وأولئك .. أخذكم الناس بجريرة الإخوان؛ فقابلتم حنقهم بالصبر والابتسامة؛ حتى أدرك الناس الفرق، ثم رأى الناس أنكم مسئولون عن حملات الطعن في الثوابت والعري والإباحية التي تبثها كثير مِن القنوات جنبًا إلى جنب، مع سبكم وشتمكم؛ فبيَّنتم للناس خطورة هذه الأمور، وأرشدتموهم إلى أن يقفوا وراء الأزهر في التصدى لهذه الأفكار المنحرفة، وأن يبذلوا ما يستطيعون لمقاومة هذا الفساد بالحكمة والموعظة الحسنة .. رماكم الإعلام بأنكم دواعش، ولم يمنعكم هذا مِن أن تتصدوا لفكر داعش .. تمنى كثير مِن شباب الإخوان كل عثرة، وأنتم تتمنون لهم أن يرزقهم الله برجل رشيد يعيدهم إلى النهج الإصلاحي بدلًا مِن النهج القطبي الصدامي .. خضتم معركة انتخابية فيها كل ما ذكرنا؛ فلم تذكروا أحدًا بما ليس فيه، ولا بما هو فيه، وعندما تحدث نادر بكار عن رجل أعمال -لم يذكر اسمه- كان متهربًا من 14 مليار جنيه ضرائب وتصالح بشأنهم، هو يتحدث هنا عن واقعة مادية صدر فيها حكم قضائي (أي: لا يمكن وصفه بأنه حكم إخواني، حتى ولو صدر في عهدهم)، ثم تم فيه تصالح، ومع هذا قامت الدنيا ولم تقعد، ومع هذا فهذه القصة استثناء من أصل أن الحملة الانتخابية لكم انشغلت بنفسها عن غيرها.
 
ومِن آخر ما قرأت مِن قصص عنكم: أن يتم القبض على بعض مندوبيكم في مينا البصل، وأخذ معه مندوبي بعض المرشحين المنافسين خطأ، فوكل الأستاذ عصام حسنين محامين عن الجميع، واستمر في المتابعة حتى خرج الجميع بالطبع، لا أرى أنكم مجتمع خاليًا مِن العيوب؛ فكل البشر لهم عيوبهم، ولكن فرق بين مَن يكون أساسه النظري أنه لا أخلاق في السياسة ولا سياسة في الأخلاق، وبين مَن يكون مبدؤه السياسة الأخلاقية، فإن خسر فيها حفنة مِن المقاعد يكسب فيها نفسه، ويكسب مصداقيته، ويكسب حجة على العباد يمكن أن توجد سياسة نظيفة، أتمنى أن تكونوا محققين لها، وأن تنقوا صفوفكم من أية مخالفة على مسيرتكم نحو سياسة نظيفة.
وفقنا الله وإياكم لما فيه رِفعة ديننا وبلادنا .. اللهم آمين.