اتركوا هذين حتى يصطلحا

  • 224

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛
فيعاني مجتمعنا بوجه عام، وجماعات الحركة الإسلامية بوجه خاص، وداخل كل حركة منها بوجه أخص، مِن حالةٍ شديدةٍ مِن الاحتقان والاستقطاب، والتباعد والتباغض والتناحر، وتعاني بلاد كثيرة -أكثر مِن ذلك- مِن التقاتل وسفك الدماء، وانتهاك الحرمات.
 
وقد خصَّ الله أيامًا متعددة بأنها يُرفع فيها العمل إلى الله -عز وجل-؛ فاقتضى ذلك مِن كل واحد مراجعة عمله فيها، ومراجعة ما يمكن أن يكون مِن موانع المغفرة مما ارتكبه، فيستغفر الله ويتوب إليه.
 
فمن ذلك يوم الاثنين ويوم الخميس: روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: "قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (تُعْرَضُ الْأَعْمَالُ فِي كُلِّ يَوْمِ خَمِيسٍ وَاثْنَيْنِ، فَيَغْفِرُ اللهُ -عَزَّ وَجَلَّ- فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ لِكُلِّ امْرِئٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا امْرَأً كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: اترْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، اترْكُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا)، وفي رواية لمسلم أيضًا: (تُفْتَحُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَ الْاِثْنَيْنِ، وَيَوْمَ الْخَمِيسِ، فَيُغْفَرُ لِكُلِّ عَبْدٍ لَا يُشْرِكُ بِاللهِ شَيْئًا، إِلَّا رَجُلًا كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَخِيهِ شَحْنَاءُ، فَيُقَالُ: أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا، أَنْظِرُوا هَذَيْنِ حَتَّى يَصْطَلِحَا).
 
ومِن ذلك: ليلة النصف مِن شعبان، فعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: (يطَّلعُ الله إلى جَميعِ خَلْقهِ ليلةَ النصْفِ مِنْ شَعْبانَ، فيغْفِرُ لجميعِ خَلْقِه إلا لِمُشْرِكٍ أو مُشاحِنِ) (رواه الطبراني في الأوسط وابن حبان في صحيحه، وقال الألباني: حسن صحيح).
 
وشهر شعبان تُرفع فيه الأعمال إلى الله -تعالى-، والذي يظهر أنه رفع خاص قبْل رمضان: فعن أسامة بن زيد -رضي الله عنهما- قال: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، لَمْ أَرَكَ تَصُومُ شَهْرًا مِنَ الشُّهُورِ مَا تَصُومُ مِنْ شَعْبَانَ، قَالَ: (ذَلِكَ شَهْرٌ يَغْفُلُ النَّاسُ عَنْهُ بَيْنَ رَجَبٍ وَرَمَضَانَ، وَهُوَ شَهْرٌ تُرْفَعُ فِيهِ الْأَعْمَالُ إِلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ، فَأُحِبُّ أَنْ يُرْفَعَ عَمَلِي وَأَنَا صَائِمٌ) (رواه النسائي، وحسنه الألباني).
 
فقلب الإنسان يحتاج إلى الصفاء والنقاء والسلامة قبْل رمضان؛ حتى يتهيأ لاستقبال المنح والعطايا الإلهية في شهر رمضان؛ مِن الحب والخوف والرجاء، والتقرب إلى الله -سبحانه وتعالى-، والإخلاص والشكر، والرضا والصبر، وتدبر القرآن، ومشاهدة أمور الآخرة، وغير ذلك.
 
فشُرع في شعبان الصيام الذي يهذب النفس ويزكيها ويقربها للتقوى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة:183).
 
وشُرع فيه مراجعة أعمال السَّنة، وشرع فيه -خاصة- قبْل ليلة النصف مِن شعبان مراجعة تحقيق التوحيد، فـ(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ) (النساء:48).
 
ويشرع مراجعة علاقات الأخوة بيْن المسلمين، فإنه ليس أضر على القلب -بعد الشرك بالله والكفر والنفاق- مِن البغضاء والشحناء والغل للمؤمنين، وبقي على ليلة النصف أسبوع واحد، فهي فرصة للتواصل مع إخواننا، والتسامح والعفو والصفح، فإن قَبِل أخوك فقد تحقق المقصود، وإن ردك فقد برئتَ مِن الإثم، وزال عنك إثم الشحناء بينكما؛ فهي مِن طرف واحد، وهو الذي رد طلب الصلح والعفو، ومَنَّ الله عليك بصفاء النفس وسلامة القلب؛ إذ قدَّمتَ الخير وسعيت إليه، وكذلك يسهِّل عليك العفو إن جاءك أخوك مصالحًا يومًا مِن الأيام، فلن تجد صعوبة في المسامحة لسلامة القلب.
 
وكذلك فلنكفّ خلال هذا الأسبوع ألسنتنا وأقلامنا عن قول أو كتابة ما يؤذي المسلمين بغير حق، وليس مِن ذلك النصح، والنهي عن الفساد والبدعة، والفسوق والمعاصي؛ فإن أكثر ما يؤدي إلى الشحناء والتقاطع والتدابر الكلمات الحادة والسب والشتم واللعن والألفاظ البذيئة، والنقد الهدام الذي يستعمله البعض.

فرصة عظيمة فهل مِن مشمر لها؟
 
والله المستعان.
 

rl(null,true)])