الأفكار المنحرفة والأرضية القابلة

  • 160

مثّلت حادثة قتل الحسين -رضي الله عنه- بكربلاء مظلومًا نقطة تاريخية في انقسام المسلمين؛ إذ كانت الجرح الدامي الذي استغله عبْر القرون أهل البدع والشقاق، الراغبين في تمزيق الأمة وتحريف دينها؛ ليقنعوا البسطاء المحبين لأهل البيت -رضي الله عنهم- بمنهج التشيع بما فيه مِن الغلو والطعن في الصحابة -رضي الله عنهم-؛ وخاصة الشيخين أبي بكر وعمر -رضي الله عنهما-، رغم براءتهم التامة مِن قتل الحسين وظلم أهل البيت -رضي الله عنهم-، وإنما يتحمل ذلك مَن فعلوه ورضوا به، وإن كان الصحابة قد نهوا الحسين عن الخروج لعلمهم بعواقبه الخطيرة، حتى قال له ابن عمر -رضي الله عنهما- وهو يودعه بعد عدم استجابة الحسين له في عدم الخروج: "أستودعك الله مِن قتيل!".
 
لكن لم يقبل ابن عمر -رضي الله عنهما- ولا غيره مِن الصحابة والتابعين أن يجعلوا مما حدث في كربلاء سببًا لمزيدٍ مِن الانقسام والفرقة وسفك الدماء، بل أمروا بالصبر على ظلم الحكام، والاجتهاد في طاعة الله -عز وجل-؛ ليغير الله ما بالأمة مِن كرب ويولي عليها مَن يصلح، ومثّل هذا منهجًا لأهل السُّنة في كل مكان.


نقطة تاريخية: 

ومع كل هذا ظلت هذه الحادثة السبب الأكبر لتكوين الحاضنة والأرضية القابلة للانحراف والغلو في أهل البيت والحسين -رضي الله عنه- بصفة خاصة؛ لشدة الظلم الذي تعرض له ومعه أهل بيته -رحمهم الله- إلى يومنا هذا، ولعلك تعرف مِن خلال ما ذكرناه: لماذا يعتبر عاشوراء أهم أعياد الرافضة والمآسي والخرافات والخزعبلات التي يفعلونها فيه ليجددوا الأحزان ويوسعوا الأرضية القابلة ويجتذبوا مزيدًا مِن عطف المحبين لأهل البيت وأهل السُّنة كلهم محبون لأهل البيت، لكن مَن منهم على علم بضلال الشيعة بحقائق التاريخ؟ ومَن منهم يغلـِّب العقل والعلم على العاطفة والحماسة؟!
 
ما أشبه الليلة بالبارحة:
ونحن نريد اليوم تكرارًا لهذه المسألة في واقعنا المعاصر إذ تَعَرض العمل الإسلامي لأزمة كبيرة بسبب أحداث الصدام الذي وقع، ولا تزال آثاره تثير عاطفة الكثيرين، ولا يزال البعض يمثـِّل دور الشيعة في استغلال الظلم الواقع الذي لا ينكره عالم بالواقع، وخاصة ما يجري في السجون بعد التوسع والتساهل في إراقة الدماء، وحبس الناس بالشبهة؛ فأصبحتْ كربلاء جديدة سببًا أساسيًّا، بل هو الأكبر بعد بذرة التكفير والعنف الموجودة في نشأة الأفكار المنحرفة بيْن التكفير، والتوقف والتبيُّن، والقائلين بالعزلة الشعورية، وجاهلية المجتمع والدولة! واعتبارها دولة كافرة بجيشها وشرطتها، بل وكل ما مَن يتصورون موالاتهم ومتابعتهم لها، وبيْن الجماعات الأخرى القائلة بوجوب القتال والجهاد ضدها، بل ضد المجتمع كله، والغل تجاه أفراده حتى وجدنا عجبًا لا يصدر مِن سليم القلب أبدًا مثل الفرح بالحرائق التي حدثتْ، وتمني زيادتها، والشماتة بما أصاب الناس، وكذلك الفرح والسرور بأزمة البلاد الاقتصادية التي تُسبب آلامًا كبيرة للطبقات الفقيرة والمتوسطة؛ متصورين أن هذا يساهِم في سقوط النظام، بل ولا يعبأون بهدم الدولة وانقسام المجتمع لتحقيق غرضهم!
 
نظرة نحو الحل:
والعلاج لهذا الأمر لا بد أن يكون مزدوجًا؛ فلا بد مِن إغلاق حاضنة التكفير والعنف بتصفية أوضاع المسجونين، وسرعة الفصل في القضايا ومنع الأحكام الجزافية، وعدم الاكتفاء بالتحريات للحكم على الناس.
 
وعلى الطرف الآخر لا بد مِن قراءة الواقع بصدق، وتقديم مصلحة البلاد ومصلحة العمل الإسلامي كله، وترك قرار الصدام الصفري الذي لا يجر إلا الخيبة على العمل الإسلامي، ولا بد مِن استعمال عفة اللسان والقلب واليد في التعامل مع المجتمع.
 
قضية على الجهة الأخرى:
وقضية أخرى تشهد نفس المشكلة هي قضية التغريب ونشر الثقافة الغربية خاصة فيما يتعلق بالمرأة ونشر الحريات والمساواة.
 
فوجود حاضنات الظلم للمرأة وهضم حقها في الميراث وإجبارها على الزواج ممن لا تريد، وعضلها عن الزواج ممن ترغب، وأنواع الاعتداء القاسي المتجاوز للحدود عليها، مع أن الشرع قد بيَّن بجلاء حقوقها الكاملة في ذلك كله، فالقرآن نصَّ على توريثها قال الله -تعالى-: (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا) (النساء:7)، ونص الشرع على اعتبار أمرها في الزواج، ولم يجز تزويجها بغير إذنها بكرًا كانت أو ثيبًا، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (الثَّيِّبُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيِّهَا، وَالْبِكْرُ تُسْتَأْمَرُ، وَإِذْنُهَا سُكُوتُهَا) (رواه مسلم). وفي رواية: (وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فِي نَفْسِهَا) (رواه مسلم).
 
وردَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- زواج بكر زوَّجها أبوها بغير رضاها، وجعل الأمر إليها؛ فكيف بغير الأب؟!
 
ونصَّ القرآن على منع "العضل" أي: "امتناع الولي مِن تزويج المرأة ممن ترغب مِن كفءٍ لها إذا تقدم"، فقال الله -تعالى-: (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) (البقرة:232)، وليس ذلك خاصًّا لمن كانت متزوجة رغبت في العودة لزوجها، بل عند عامة أهل العلم ليس مِن حق الولي الامتناع عن تزويج المرأة ولو كانت بكرًا بكفءٍ لها؛ والكفاءة في الدين والحرية على الصحيح مِن أقوال العلماء إذا صرَّحت برغبتها في الزواج منه ولو بدون مهر المثل فالمهر حقها خالصًا لها، وإذا امتنع الولي سقطت ولايته لفسقه بعضله وانتقلت إلى الولي الأبعد أو السلطان أو مَن يقوم مقامه عند غيابه كعالم القرية أو المدينة أو عدل مِن المسلمين.
 
وحث النبي -صلى الله عليه وسلم- على تزويج المتحابين، وليس العكس كما يفعل كثير الناس اليوم، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لَمْ يرَ لِلْمُتَحَابَّيْنِ مِثْلَ النِّكَاحِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).
 
ومنع النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن الضرب المبرِّح ولو للتأديب فقال: (وَلَكُمْ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أَحَدًا تَكْرَهُونَهُ، فَإِنْ فَعَلْنَ ذَلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَيْرَ مُبَرِّحٍ) (رواه مسلم)، وهو: الذي لا يُحدث شينًا أي: لا يترك أثرًا، ولا يشق جلدًا، ولا يكسر عظمًا، بل رغـَّب في عدم الضرب مطلقًا، فقال -صلى الله عليه وسلم- عن الضرابين للنساء: (فَلَا تَجِدُونَ أُولَئِكَ خِيَارَكُمْ) (رواه أبو داود وابن ماجه، وصححه الألباني).
 
ولم يضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيده أحدًا قط؛ امرأة، ولا خادمًا، ولا عبدًا ولا أمة؛ إلا أن يجاهد في سبيل الله وإلا أن يقيم حدودًا مِن حدود الله، ونهى -صلى الله عليه وسلم- عن السباب والتقبيح، فقال في حق المرأة على زوجها: (أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ، وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ، وَلَا تَضْرِبِ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ، وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ) (رواه أحمد وأبو داود، وحسنه الألباني).
 
وفقه عريض في باب المعاشرة الزوجية والأسرية، ودور الأب والأم في جعل البيت سكنًا ومستقرًا ومودة ورحمة بيْن جميع أفراد الأسرة، والمشاكل الحاصلة في البيوت؛ هي التي شكَّلت الحاضنة القابلة لأفكار الانحلال، وإنكار الشريعة جملة، والمطالبة بالمساواة في الميراث، والندية للرجل وإنكار القوامة مع أنها نص القرآن، والمطالبة بالاستقلالية الموهومة والطعن في معنى الولاية في الزواج وغيره، وإنكار النصوص القرآنية التي في إصلاح النشوز: (وَاللاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا) (النساء:34).
 
واعتبار ذلك ظلمًا وإنكار النصوص الدالة على أن شهادة المرأة على النصف مِن شهادة الرجل، قال الله -تعالى-: (فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى) (البقرة:282). 
 
وإنكار التفاوت الطبيعي الفطري الطبي الفسيولوجي بيَّن قدرات الرجل والمرأة، وما يثبت به الحس مِن نقص المرأة عن الرجل في أمورٍ عديدة، والمطالبة بتحرير المرأة مِن ضوابط الشرع؛ في أمر اللباس والحجاب، والاختلاط والخلوة والسفر بغير محرم، وقائمة طويلة مِن المطالبات الظالمة للمرأة والرجل والمجتمع، التي تهدم الاستقرار الأسري والمجتمعي بزعم الحرية والمساواة والتمكين للمرأة.
 
العلاج:
والعلاج هو في إغلاق الحاضنة القابلة لذلك برفع الظلم عن المرأة، وتدريس فقه التعامل مع النساء، وإثبات حقوقها الشرعية، وليس الاكتفاء ببيان وجوب الحجاب والطاعة عليها، ثم لا بد مِن توقف وتوقيف للدعوات المنادية بتغريب وضع المرأة في مجتمعنا ومحاربتها إذا أصروا على باطلهم.
نسأل الله أن يحفظ العباد والبلاد مِن كل شر وسوء.
 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(*) بعد الانتهاء من المقال وإرساله للطباعة جاءت الأنباء المؤسفة عن اختفاء الطائرة المصرية القادمة من فرنسا وأن المؤشرات الأولية تشير إلى انفجارها، ومن المحتمل أن يكون ذلك بعمل إرهابي غاشم، وهو ما يبين خطورة الإرهاب وأهمية اقتلاع جذوره.
 
ولكن المشكلة في ردود الأفعال من البعض والتي استمرت في تماهيها مع حالة جمود القلب والشماتة في مصائب الناس، بل التألي على الله والزعم أن هؤلاء نالوا جزاء عدم تعاطفهم مع صورة فلان أو علان وهو مبتلى، مع أن أعيان هؤلاء المنكوبين لا يُعرَفون ولا يُعرَف بالتبع هل تعاطفوا أم لا؟
فنسأل الله العفو والعافية من مرض قسوة القلب ومن مرض الحقد والغل إذا تمكن من القلوب، ونسأل الله أن يرزق أهل الضحايا الصبر والسلوان.

rl(null,true)])