وقفة مع فاتح المدينة... مصعب بن عمير -رضي الله عنه-

  • 175

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد سبقتْ هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- بعامين تقريبًا، بعث مصعب بن عمير -رضي الله عنه- إلى المدينة، يعلِّم أهلها الإسلام، وكان -رضي الله عنه- رجلًا فوق العادة، في إيمانه، وبذله وعطائه، وجهده، وأخلاقه، وإخلاصه، فهو مِن فئة: "الرجل الأمة".

مهَّد مصعب المدينة لاستقبال النبي -صلى الله عليه وسلم-، حتى لم يكن بيتٌ في المدينة قبْل الهجرة إلا وفيه مسلم أو أكثر، وبعضها أسلم كله، بل أسلمتْ قبائل بأسرها، فكان فتح المدينة -عاصمة الإسلام الأولى- على يديه -رضي الله عنه-، بلا سيفٍ أو سنانٍ، وبلا جيشٍ أو قتالٍ، وإنما كان رجلًا مِن أهل الإيمان، متخلق بأخلاق الإسلام، متصف بصفات عباد الرحمن.

وحتى نعلم هذا الطراز الفريد مِن الفاتحين وأهل الإسلام، الذين فتح الله بهم البلاد وقلوب العباد، وحتى نعلم كيف يُنصر الدين، نتأمل في موقفين لمصعب -رضي الله عنه-:

الأول: يوم وفاته، قال عبد الرحمن بن عوف -رضي الله عنه-: "قتل مصعب بن عمير وهو خير مني، كُفن في بردة إن غطي رأسه بدت رجلاه، وإن غطي رجلاه بدا رأسه".

وكان -رضي الله عنه- قبْل أن يسلم أنعم فتى في مكة، حتى إنه إذا أقبل مِن طريق عرفه مَن في آخره مِن رائحته وعطره الذي يفوح، وكان حظي أبويه، فلا يطلب شيئًا إلا ويجاب، فترك كل هذا النعيم لله -تعالى-، ولم يمنّ يومًا أو يرى لنفسه فضلًا أو أنه يستحق ما لا يستحق غيره، ولم يرَ نصر الله لنبيه، أو يقطف مِن ثمرة جهده ودعوته في الدنيا، ولم يرَ راية الدولة التي شارك في تأسيسها ترتفع.

الثاني: قصة إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير -رضي الله عن الصحابة أجمعين-، لنعلم بأي أخلاق سُدْنا، وبأي إيمان فُتحت لنا الدنيا، وبأي إخلاص ترق القلوب القاسية، وبأي طريقة للدعوة فُتحت القلوب، وبأي بذل وتضحية ترتفع راية الدين، وبأي قلوب انتصرنا ودُحر أعداؤنا!

وصلِّ اللهم وسلم وبارك على عبدك ونبيك محمدٍ، وعلى آله وصحبه وسلم.