كيف تقضي يومك وليلتك؟

  • 226

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالحمد لله على نعمة الإسلام، فدين الإسلام كله نظام، ومَن يتدبر في تكاليف هذا الدين ينبهر، بل يفخر بالانتساب إليه؛ نظَّم حياة الفرد على أحسن نظام وأجمل عبادات، هذا لو استثمر المسلم وقته وانشغل بالطاعات والعبادات، وكان مخلصًا لله ومتابعًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فكيف يقضي المسلم يومه وليلته؟

هذا يحتاج إلى نظرٍ في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لكيلا يضيع لحظة مِن عمرة في لهوٍ أو لغوٍ، قال الله -تعالى-: (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خِلْفَةً لِّمَنْ أَرَادَ أَن يَذَّكَّرَ أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) (الفرقان:62(.

عن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "مَن فاته شيء مِن الليل أن يعمله أدركه بالنهار، أو مِن النهار أدركه بالليل".

وقوله: (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَذَّكَّرَ) يقول -تعالى- ذكره: جعل الليل والنهار، وخلوف كل واحد منهما الآخر، حجة وآية لمَن أراد أن يذكَّر أمر الله، فينيب إلى الحق (أَوْ أَرَادَ شُكُورًا) أو أراد شكر نعمة الله التي أنعمها عليه في اختلاف الليل والنهار.

قال ابن كثير -رحمه الله-: "أي جعلهما يتعاقبان توقيتًا لعبادة عباده، فمَن فاته عمل في الليل استدركه في النهار، ومَن فاته عمل في النهار استدركه في الليل". 

فالمسلم أول ما يبدأ يومه بصلاة الفجر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَن صَلَّى الصُّبحَ فَهُوَ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ، فَلا يَطلُبَنَّكُمُ اللَّهُ مِن ذِمَّتِهِ بِشَيْءٍ فَيُدرِكَهُ فَيَكُبَّهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ) (رواه مسلم).

قال النووي: "الذِّمَّة هنا: الضمان. وقيل: الأمان" (شرح مسلم).

وقال الشيخ ابن عثيمين -رحمه الله-:" في هذا دليل على أنه يجب احترام المسلمين الذي صدَّقوا إسلامهم بصلاة الفجر؛ لأن صلاة الفجر لا يصليها إلا مؤمن، وأنه لا يجوز لأحد أن يعتدي عليهم".

هذا مسلم افتتح يومه بأداء فريضة في وقتها، فلابد أن يكون مخلصًا في عمله في أي مجالٍ مِن مجالات الحياة، ثم يخرج إلى عمله قائلًا ذكر الخروج مِن البيت، قال النبي: (مَنْ قَالَ يعنِي إذا خَرَج مِنْ بيْتِهِ: بِسْم اللَّهِ توكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ، ولا حوْلَ ولا قُوةَ إلاَّ بِاللَّهِ، يقالُ لهُ هُديتَ وَكُفِيت ووُقِيتَ، وتنحَّى عنه الشَّيْطَانُ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني).

- ثم تأتي الضحى فيؤديها اتباعًا للسنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ، فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ، وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ، وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنَ الضُّحَى) (رواه مسلم).

- ثم يؤذن لصلاة الظهر فيسارع إلى صلاة الجماعة لعلمة لفضلها وعظيم أجرها، قال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ تَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ فَأَسْبَغَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ مَشَى إِلَى الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ، فَصَلَّاهَا مَعَ النَّاسِ أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ غَفَرَ اللهُ لَهُ ذُنُوبَهُ) (رواه مسلم)، وقال: (مَنْ صَلَّى لِلَّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فِي جَمَاعَةٍ يُدْرِكُ التَّكْبِيرَةَ الأُولَى كُتِبَ لَهُ بَرَاءَتَانِ: بَرَاءَةٌ مِنَ النَّارِ، وَبَرَاءَةٌ مِنَ النِّفَاقِ) (رواه الترمذي، وحسنه الألباني).

- ثم يعود مِن عمله وأثناء سيره إذا وجد فقيرًا يعطيه بعض المال لعلمة بفضل الصدقة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَا مِنْ يَوْمٍ يُصْبِحُ الْعِبَادُ فِيهِ إِلَّا مَلَكَانِ يَنْزِلَانِ، فَيَقُولُ أَحَدُهُمَا: اللهُمَّ، أَعْطِ مُنْفِقًا خَلَفًا، وَيَقُولُ الْآخَرُ: اللهُمَّ، أَعْطِ مُمْسِكًا تَلَفًا) (متفق عليه).

- يدخل بيته ذاكرًا لله؛ لعلمه بالسُّنة، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا دَخَلَ الرَّجُلُ بَيْتَهُ، فَذَكَرَ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: لَا مَبِيتَ لَكُمْ، وَلَا عَشَاءَ، وَإِذَا دَخَلَ، فَلَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ دُخُولِهِ، قَالَ الشَّيْطَانُ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ عِنْدَ طَعَامِهِ، قَالَ: أَدْرَكْتُمُ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ) (رواه مسلم).

 -ثم يأكل مِن طعام بيته لا يعيب طعامًا، قانعًا عفيفًا، ثم ينام ساعة ليتقوى بها على طاعة الله -عز وجل-، ثم ينكب على كتب العلم، وأولها: القرآن الكريم؛ مراجعه وحفظًا ساعة، ثم الكتب الأخرى ثلاث ساعات، ثم ليذهب ليأخذ درسًا لأحد العلماء، أو ليعطي درسًا لبعض طلاب العلم، وهو مع ذلك لا يضيع صلاة الجماعة.

ثم يأتي بعد صلاة العشاء ليتابع أولادة وحالة منزله وزوجته، ناصحًا لهم ومعلمًا، ومؤدبًا لهم، هذا شأن الراعي المسؤول عن رعيته.

- ثم يأتي الليل وهو ربيع المسلم فيصف قدميه بيْن يدي ربه مصليًا قانتًا لله، ولو كان متعبًا مِن العمل نوى القيام لله؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَتَى فِرَاشَهُ وَهُوَ يَنْوِي أَنْ يَقُومَ يُصَلِّي مِنَ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ حَتَّى أَصْبَحَ كُتِبَ لَهُ مَا نَوَى وَكَانَ نَوْمُهُ صَدَقَةً عَلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

ثم هو يتعاون مع إخوانه في الأعمال الجماعية المطلوبة منه بكل حب وتفانٍ، وبغير مشاكل وأنانية وحب زعامة، بل هين لين.

هكذا يقضى المسلم يومه وليلته. اللهم اجعلنا منهم.

والحمد لله رب العالمين.

rl(null,true)])