كن كالراعي!

  • 227

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

قال نافع: "خرجت مع ابن عمر في بعض نواحي المدينة ومعه أصحاب له فوضعوا سفرة فمر بهم راعٍ بغنمه.

فقال له عبد الله: هلم يا راعي فأصب مِن هذه السفرة.

فقال  الراعي: إني صائم.

فقال له عبد الله: في مثل هذا اليوم الشديد حره، وأنت في هذه الشعاب (وادى بين جبلين) في آثار هذه الغنم وبين الجبال ترعى هذه الغنم وأنت صائم.

فقال الراعي: أبادر أيامي الخالية فعجب ابن عمر!

قال عبد الله: هل لك أن تبيعنا شاة مِن غنمك نجتزرها (نذبحها)، ونطعمك مِن لحمها ما تفطر عليه، ونعطيك ثمنها؟

قال الراعي: إنها ليست لي إنها لمولاي -أي لسيدي-.

قال عبد الله: فما عسيت أن يقول لك مولاك إن قلت أكلها الذئب؟!

فمضى الراعي وهو رافع إصبعه إلى السماء وهو يقول: فأين الله؟!

قال نافع: فلم يزل ابن عمر يقول: قال: الراعي فأين الله؟!".

فما عدا أن قدِم المدينة فبعث إلى سيده فاشترى منه الراعي والغنم، فأعتق الراعي، ووهب له الغنم -رحمه الله-.

فهذه القصة احتوت على كثيرٍ مِن الفوائد والعِبَر، منها :

الحث على الكرم: فعبد الله بن عمر لم يستأثر بالسفرة مع أصحابه دون الراعي، وقد مرَّ بهم، بل دعاه ليأكل معهم، وهكذا المسلم يكون كريمًا، وهذا مِن الخُلُق الجميل.

وكذلك الصيام: وأن الراعي على الرغم مِن أنه يعمل عملًا شاقًّا، وفي يومٍ حارٍ، لكنه يحتسب ذلك ليوم الحساب والجزاء.

والأمانة: أن ابن عمر أحب أن يختبر أمانة الراعي، فأعجبه جوابه. وقيل: إنه بكى لقول الراعي، وهو رافع إصبعه إلى السماء ويقول: فأين الله؟!

المراقبة: وهنا درس عظيم، وهو تنمية الصلة بالله، وخشيته في الغيب والشهادة، وغرس روح المراقبة في النفوس.

وفي القصة: العاقبة الحميدة لمَن نال هذه الصفات، فالراعي الذي سمعنا عنه في هذه القصة كان عاملًا يأكل مِن تعب يده يرعى الغنم، وكان مع ذلك عابدًا، يصوم في النهار حتى في الأيام الحارة، وكان أمينًا في عمله يراقب الله -عز وجل- في نفسه، وأن الله مطلع عليه، فصلته بالله قوية؛ ولذلك رفض المكسب الحرام مع أنه قادر عليه ومتمكن منه، ولم يستغل عمله وأمانته ولم يسرق منها فأعقبه الله الحسنى، فعندما رأى عبد الله بن عمر تلك الصفات؛ أعتقه واشترى له الغنم ووهبها له.

فمِن عبدٍ يرعى غنم صاحبه، أصبح حرًّا يملك مالًا حلالًا كثيرًا!

وإنه سنة عظمية يجب أن يتربى عليها الصغير والكبير، أن مَن ترك شيئًا لله عوضه الله خيرًا منه، وأن لا يأكل المرء إلا حلالًا.

يا ليتنا نكون مثل هذا الراعي الأمين الصائم القائم، التقي النقي.

والحمد لله رب العالمين.

rl(null,true)])