الفساد (33) الأحزاب والحياة السياسية في مصر (1-4)

د علاء بكر د علاء بكر

 الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فإن للأحزاب السياسية أهمية كبيرة في أي نظام سياسي؛ فهي تملأ المساحة بين سلطة الدولة وبين المجتمع، وتتبنى مطالب ومصالح القوى الاجتماعية من خلال برامج سياسة تتنافس في الحصول على التأييد الشعبي، كما تقوم الأحزاب بإعداد كوادر سياسية مدربة، وقيادات بديلة يمكنها ممارسة الحكم في حال فوزها بالانتخابات.

ويعتبر أي تنظيم أنه حزب بتوافر ثلاثة مقومات أساسية، هي:

1- وجود صفة العمومية والاستمرارية.

2- السعي للحصول على التأييد الشعبي لبرنامجه السياسي عن طريق إقناع المواطنين به.

3- الرغبة في الوصول إلى السلطة السياسية -أو على الأقل المشاركة فيها- بطريق قانوني وسلمي (راجع: "النظام السياسي المصري بين إرث الماضي وآفاق المستقبل" 1981م - 2010 م) د. علي الدين هلال، ط. مكتبة الأسرة 2010م، ص 286).

نشأة الأحزاب السياسية في مصر:

يرجع تاريخ الأحزاب في مصر إلى أكثر من قرن، بل يرى البعض أن جذور النشأة ترجع إلى الستينيات من القرن التاسع عشر الميلادي، من خلال أنشطة سرية مارسها طلاب من الأزهر أثناء وجود الشيخ جمال الدين الأفغاني، والتي حاول الأفغاني استغلالها كأداة للعمل السياسي، إلى جانب وجود بعض الجمعيات الماسونية.

ومع تدهور أحوال البلاد في أواخر السبعينيات من القرن التاسع عشر برزت ثلاث قوى سياسية، تتمثل في: الجيش (أمراء الجهادية) - المثقفين من الأعيان والعلماء - وأعضاء مجلس شورى النواب، صاحبها تكون بعض التنظيمات مثل: جمعية (مصر الفتاة) بالإسكندرية، وجمعية (حلوان)، وكلاهما تأسس في عام 1879م، إلى جانب ما أطلق عليه: "حزب الفلاحين" وزعيمه أحمد عرابي، وسمَّاه البعض بالحزب الوطني أو الحزب الأهلي.

واعتبار هذه التنظيمات أحزابًا فيه تجاوز من الناحية العلمية؛ حيث إنها كانت جماعات وطنية لها أهداف عامة تعكس الآمال الشعبية في الإصلاح والتقدم، وتهدف لنشر الوعي لدى أكبر عددٍ مِن المواطنين، إلى جانب التأثير على السلطة الحاكمة، وهي تنظيمات تفتقد الاستمرار الحزبي أو السعي لتولي الحكم (المصدر السابق، ص 286- 287).

ويمكن التأريخ لبداية ظهور الأحزاب السياسية في مصر من عام 1907م، وتقسيم هذا الظهور إلى فترات:

أولا: الفترة من 1907م إلى تصريح فبراير 1922م، والتي شهدت ظهور أربعة أنواع مِن الأحزاب:

1- أحزاب قادت الحركة الوطنية مطالبة بالاستقلال، وأهمها: الحزب الوطني برئاسة مصطفى كامل، الذي أنشئ في اجتماع شعبي بالإسكندرية في أكتوبر1907م، واستمر حتى بداية الحرب العالمية الأولى رافعًا شعار الاستقلال التام، مدافعًا عن الحكومة النيابية منددًا بالاستبداد، وقد عانى الحزب من سياسة الاضطهاد والقمع من السلطة الانجليزية.

2- أحزاب نشأت بتشجيع من الإنجليز -أي: سلطة الاحتلال-، وقد خلت برامجها من الرفض لسلطة الاحتلال، وأهمها: حزب الأمة الذي أنشئ في سبتمبر1907م بتأييد من اللورد كرومر -المندوب السامي البريطاني- ممثلًا للصفوة الاجتماعية في مصر من كبار الملاك المصريين المتعاونين مع سلطة الاحتلال، رافعًا شعار القومية المصرية، وهو يعد أول حزب مصري بشكلٍ رسميٍ.

3- أحزاب نشأت بتأييدٍ مِن الخديوي تعكس آراء الخديوي ومصالحه، وأهمها: حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية الذي أسسه الشيخ علي يوسف -صاحب جريدة المؤيد- في ديسمبر1907م؛ للدفاع عن الخديوي في مواجهة الحزب الوطني وحزب الأمة، وانتهى الحزب بوفاة مؤسسه عام 1911م.

4- أحزاب تبنت الرفض للواقع السياسي والاجتماعي الموجود بطرح أفكارًا راديكالية، منها: الحزب الجمهوري الذي تكون عام 1907م مِن عددٍ مِن المثقفين ثقافة فرنسية، داعيًا إلى نيل الدستور والاستقلال التام عن إنجلترا والدولة العثمانية، وإعلان النظام الجمهوري.

ولم تسمح الظروف الموضوعية وقتها على نموه، فسرعان ما اختفى بعد عام من إنشائه، ومنها: الحزب الاشتراكي المبارك الذي أسس عام 1909م مركزًا على الإصلاحات في الريف، وتحسين أحوال الفلاحين.

وقد اتسمت هذه الفترة بالتعددية الحزبية، لكنها تعددية لم تنشأ في إطار برلماني، فافتقدت التنظيم حيث قامت على أعدادٍ محدودةٍ مِن النخب، فلم تتمكن من الاستمرار، كما شاب أحزاب الحركة الوطنية طابع الكفاح السري، وقد ارتبط ظهور هذه الأحزاب بإنشاء العديد من الصحف المصرية حيث أسس الحزب الوطني جريدة اللواء، وأنشأ حزب الإصلاح جريدة المؤيد، وارتبطت صحيفة الجريدة بحزب الأمة.

ثانيًا: الفترة من 1923م إلى 1952م:

وقد اتسمت هذه الفترة بالتعددية الحزبية والتنافسية السياسية، ووجود برلمان، لكن مع عدم التوازن بين الأحزاب، حيث حاز حزب الوفد -الذي أنشئ في نوفمبر 1918م برئاسة سعد زغلول- على شعبية جارفة مكنته من الحصول على أغلبية الأصوات في كل الانتخابات الحرة، في مقابلة أحزاب صغيرة قليلة العدد، تتولاها شخصيات قيادية دون برامج أو سند شعبي يعتد به، حيث تعتمد على القصر أو سلطة الاحتلال، مع استعدادها لانتهاك الدستور وتزوير ما يمكنها من انتخابات.

وقد اتسمت تلك الفترة بوجود خمسة أنواع من الأحزاب:

1- الأحزاب الليبرالية: وتتضمن حزب الوفد والأحزاب المنشقة عليه، وهي: الأحرار الدستوريين، والحزب السعدي، وحزب الكتلة الوفدية.

2- أحزاب السراي الموالية للملك، ومنها: حزب الشعب، وحزب الاتحاد.

3- الأحزاب والجماعات الدينية، ومنها: جماعة الإخوان المسلمين، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامي.

4- الأحزاب الاشتراكية، ومنها: حزب مصر الفتاة، وعدد من التنظيمات اليسارية، مثل: الحزب الشيوعي المصري، وحزب العمال الاشتراكي، وحزب الفلاح المصري.

5- أحزاب نسائية، ومنها: حزب بنت النيل السياسي، والحزب النسائي الوطني، والحزب السياسي النسائي.

وقد انشغلت معظم هذه الأحزاب بقضية الاستقلال وجلاء الإنجليز؛ لذا لم يكن لها برامج وسياسات اجتماعية واضحة.

ثالثًا: الحياة السياسية بعد 1952م:

مرت الحياة السياسية بعد ثورة يوليو 1952م بفترتين:

1- فترة التحول إلى التنظيم السياسي الواحد، وقد مرت هذه الفترة بثلاث مراحل:

أ- المرحلة الانتقالية: وامتدت لثلاث سنوات، اتسمت بمحاولة توطيد أركان النظام الجديد لضباط ثورة يوليو بتصفية أي معارضة، بدءًا من قانون حل الأحزاب السياسية في 16 يناير 1953م، وانتهاءً بحل جماعة الإخوان المسلمين في عام 1955م.

ب- مرحلة الاتحاد القومي: وامتدت إلى عام 1962م، ظلت فيها الأحزاب السياسية محظورة، مع إقامة تنظيم جديد هو (الاتحاد القومي)، كتنظيم سياسي شعبي يمثل كل طبقات الشعب بدلًا من هيئة التحرير.

ج- المرحلة الاشتراكية: والتي أعقبت صدور القوانين الاشتراكية عام 1961م، وإعلان عبد الناصر للميثاق القومي عام 1962م، وشهدت إنشاء تنظيم الاتحاد الاشتراكي العربي عام 1962م، ليحل محل الاتحاد القومي كتنظيم سياسي وحيد يقود الجماهير، ويعبِّر عن إرادتها في ظل مبادئ الميثاق.

2- فترة العودة إلى التعددية الحزبية:

بعد تولي الرئيس السادات الحكم وإعلان الدستور الدائم عام 1971م، الذي نص على حق تكوين الأحزاب السياسية وفقًا لقانون ينظم لذلك، وجاء عهد مبارك امتدادًا لذلك التوجه.

وشهدت هذه الفترة ثلاثة أجيال من الأحزاب:

أ- الأحزاب التي تأسست عام 1977م بعد تحويل المنابر الثلاثة داخل الاتحاد الاشتراكي إلى أحزاب، وهي: حزب مصر العربي الاشتراكي (منبر الوسط)، وحزب الأحرار الاشتراكيين (منبر اليمين)، وحزب التجمع الوطني التقدمي الوحدوي (منبر اليسار).

ب- الأحزاب التي تأسست بين عامي: 1977م و1990م، ومنها: الحزب الوطني الديمقراطي في عام 1978م، وحزب العمل الاشتراكي عام 1978م، وحزب الوفد الجديد في عام 1978م، وحزب الأمة في عام 1983م.

ج- الأحزاب التي تأسست بعد ذلك، ومنها: الحزب العربي الديمقراطي الناصري في عام 1992م، حزب مصر الفتاة الجديد في عام 1990م، حزب الغد في عام 2004م (المصدر السابق، ص 285- 324).

وقد شهدت الفترة بعد ثورة 25 يناير طفرة كبيرة في إنشاء وتأسيس الأحزاب بعد التعديلات على قانون الأحزاب السياسية، فتعدتِ الأحزابُ السياسية في مصر المائة حزب!

سمات التجربة الحزبية في العقود الأخيرة:

على الرغم من أن التجربة الحزبية المصرية لها جذور تاريخية عريقة تمتد لما يزيد عن قرن من الزمان؛ إلا أن مصر لم تشهد حياة حزبية نشطة وفعالة!

يتضح ذلك بما سنذكره عنها من سماتٍ، منها:

1- عدم تكافئ الأحزاب: إذ يوجد حزب واحد كبير يمثِّل التيار الرئيسي في الحياة السياسية، هو حزب النظام الحاكم، الذي له وجوده وحضوره في كل المحافظات، بينما الأحزاب الأخرى ضعيفة وهامشية، بل فيها أحزاب لم تحظَ بأي تمثيل لها في البرلمان طوال تاريخها! وبالتالي فلا يوجد تبادل وتداول للسلطة، على ما نراه في الدول الأخرى، كالحزبين: الديمقراطي والجمهوري في الولايات المتحدة الأمريكية، وحزبي: العمال والمحافظين في إنجلترا، بل ولا توجد أحزاب متنافسة متقاربة يكون لها الفرصة في تكوين جبهات وائتلافات حزبية تتولى الحكم كما هو الحال في إيطاليا أو فرنسا، وهي سمة غالبة على الحياة السياسية في مصر منذ نشأتها، تمثلت قديمًا في جماهيرية الحزب الوطني الذي أسسه مصطفى كامل عام 1907م، ثم شعبية حزب الوفد الذي أسسه سعد زغلول عام 1918م، ثم حزب مصر الذي ترأسه رئيس الوزراء ممدوح سالم عام 1977م، والذي حل محله الحزب الوطني برئاسة السادات عام 1978م، ومن بعده رئاسة مبارك في عام 1981م.

2- فشل التحالفات والائتلافات الحزبية:

شهدت فترة التعددية الحزبية العديد من مشروعات تحالف بين أحزاب وقوى سياسية معارضة على مستوى ثنائي أو جماعي انتهت بالفشل، منها: (اللجنة القومية للدفاع عن الديمقراطية) عام 1983م، و(لجنة التنسيق بين الأحزاب والقوى السياسية)عام 1995م، و(اللجنة الوطنية للإصلاح والتغيير) عام 2005م، و(الائتلاف الديمقراطي) الذي ضم أحزاب: الوفد، والتجمع، والناصري، والجبهة الديمقراطية عام 2008م، كما شهدت تحالفات، أشهرها: تحالف الإخوان المسلمين مع حزب الوفد عام 1984م وحصل في الانتخابات على نسبة نحو 15 % من نسبة الناخبين، ثم تحالف الإخوان مع العمل والأحرار عام1987م وحصل على نسبة 17% من نسبة الناخبين.

ولم يكتب لهذه التجارب عامة الاستمرار؛ بسبب اتساع الخلاف بين الأحزاب والقوى السياسية حول القضايا الأساسية وما بينها من تناقضات داخلية تضعف النزعة التوافقية والثقة فيما بينها؛ يؤكِّد ذلك ما وقع من معارك وصدامات بين أحزاب المعارضة على صفحات صحفها، تضمنت توزيع الاتهامات والتشهير بمواقف الآخرين والانتقاص منهم.

3- الانشقاقات والانقسامات:

فخريطة الأحزاب المصرية غير مستقرة، حيث تعرضت أغلب الأحزاب للانشقاقات بما فيها الأحزاب الكبيرة -كالوفد والناصري- قبل الصغيرة: كحزب مصر الفتاة، وحزب العدالة الاجتماعية، وحزب الخضر، وحزب مصر، وامتد ذلك إلى الأحزاب الجديدة: كحزب الغد، وحزب الجبهة الديمقراطية.

وأغلبها يعود إلى عوامل غير راجعة إلى اختلاف في الفكر أو الرؤى أو الأيديولوجية، وإنما لخلافاتٍ شخصية على المواقع والمناصب تحولت إلى صراعٍ بين القيادات الحزبية أو التنافس بين اثنين على رئاسة حزب لكل شخصية مؤيدوها، وقد ارتبط ذلك بتحرير محاضر في أقسام البوليس واعتداءات بدنية على الخصوم وعقد مؤتمرات لتنصيب قيادات منشقة، واتهامات بالخيانة بين رفاق الحزب الواحد، وهو ما أسفر عن تجميد لجنة الأحزاب لسبعة أحزاب: حزب مصر العربي الاشتراكي، حزب العمل الاشتراكي، حزب الأحرار الاشتراكيين، حزب الأمة، حزب مصر الفتاة، حزب الشعب الديمقراطي، حزب الوفاق القومي، وهي مواقف تشير إلى سلبياتٍ في الثقافة السياسية، وتقاليد الممارسات الحزبية (انظر المصدر السابق، ص322 - 323).

4- غياب الديمقراطية داخل الأحزاب:

تعتبر الأحزاب السياسية مدارس لتعليم الديمقراطية، لها تقاليد وممارسات حزبية وبين مؤسسيها وأعضائها توافق وتجانس واندماج، إلى جانب الحيوية والتجديد في نشاطها كمؤسسات للتنشئة وإعداد الكوادر السياسية، وكلها أمور تنظيم العمل داخل كل حزب، وتتطلب طريقة وآليات لصنع القرار الداخلي فيه، وتقاس الديمقراطية داخل الأحزاب بعددٍ مِن المؤشرات، منها: البناء التنظيمي، وعملية صنع القرار وإدارة النخبة الحزبية للحزب.

وعلى نقيض ذلك: نجد الكثير من الأحزاب المصرية تعاني من ضعف المصداقية والأداء الديمقراطي داخلها، في الوقت التي تطالب هي النظام بمزيد من الديمقراطية.

يقول د. علي الدين هلال في كتابه: (النظام السياسي المصري): "فيما يتعلق بالبناء التنظيمي يلاحظ التعارض بين واقع الأبنية التنظيمية للأحزاب المصرية ونصوص لوائحها الداخلية، ففي الأغلب يهيمن المستوى القيادي أو رئيس الحزب على السلطة والاختصاصات.

ففيما يتعلق بعملية صنع القرار الحزبي تشهد صناعة القرارات داخل أغلب الأحزاب الانفراد من جانب رئيس الحزب بالتعاون مع حلقة ضيقة من النخبة الحزبية، مع محدودية مشاركة المستوى الوسيط، وضآلة مشاركة المستوى القاعدي.

وفيما يتعلق بدوران أو حراك النخبة تشهد معظم أحزاب المعارضة شبه جمود في قياداتها حيث تراجع التصعيد والحراك النخبوي أو التجديد للدماء؛ فضلًا عن شيوع قيم الشخصانية والشللية والعائلية".

ويضيف: "رأس فؤاد سراج الدين حزب الوفد الجديد منذ عام 1983م حتى وفاته في يونيو 2000م"، "ومن 1984م رأس أحمد الصباحي حزب الأمة حتى وفاته في يناير2009م.

وفيما يتعلق بالصراع على السلطة والنفوذ تعاني معظم أحزاب المعارضة من استئثار رئيس الحزب بالسلطة المطلقة، فضلًا عن دوره المحوري عند التدخل لإدارة الصراع على النفوذ داخل الحزب، وأبرز مثال على ذلك: ما شهده حزب الأحرار عقب وفاة رئيسه مصطفى كامل مراد، والذي اشتعل الصراع من بعده، ولم يسلم أحد الأحزاب مثل حزبي الغد والجبهة الديمقراطية من هذه الصراعات عندما انشقت مجموعات عن كل حزب لتصبح هناك تيارات متصارعة على رئاسة الحزب".

ويقول: "وإضافة إلى ذلك فإن الكيانات التنظيمية للحزب كالمؤتمر العام والأمانة العامة وغيرها من المسميات: كالمكتب السياسي، وأمانات المحافظات، واللجان الموضوعية لا تنعقد بشكل دوري، وأحيانًا كثيرة لا تنعقد على وجه الإطلاق، والمستويات العليا من تنظيمات الحزب هي فقط التي تنعقد عندما تثار مشكلات مرتبطة بوجودها ودورها، حيث تقوم قيادة الحزب بحشد التأييد والدعم لشخصها في مواجهة المعارضة الداخلية بالحزب، والتي عادة ما تكون من الأجيال الشابة أو من قيادات الصف الثاني الطموح".

ويضيف: "والحقيقة أن السمة الخاصة بغياب أو نقص الديمقراطية الداخلية في الأحزاب لها جذورها في الخبرة المصرية، وفي هذا الصدد خلصت إحدى الدراسات لأحزاب فترة ما قبل 1952م إلى أن كل أحزاب تلك الفترة افتقدت إلى الديمقراطية الداخلية وتركزت السلطة داخلها في المستوى القيادي"، "وقد أدَّى تركيز السلطة في يد المستوى القيادي وتهميش المستوى القاعدي إلى غياب فعالية المستوى الوسيط في كل الأحزاب" (المصدر السابق، 331 - 334 بتصرفٍ).

5- ضعف البنية التنظيمية للأحزاب:

لا تمتلك الكثير من أحزاب المعارضة المصرية بنية تنظيمية مؤسسية واضحة، فلا تمثيل لها أو مقار في كل المحافظات، ولا تستطيع تقديم مرشحين لها في كل الدوائر أو أغلبها، ولا يمكنها تغطية جميع دوائر مجلس الشعب الانتخابية.

فعلى سبيل المثال: كان عدد مرشحي حزب التجمع في انتخابات عام 2000م: 58 مرشحًا، وحزب الأحرار: 37، والحزب الناصري: 33، وحزب العمل: 39، وحزب الخضر: 7، وحزب مصر الفتاة: 7، وحزب الوفاق: 6، وحزب التكافل: 4، وحزب العدالة الاجتماعية: 3، وحزب الأمة: مرشح واحد، وحزب الشعب: مرشح واحد، وثلاثة أحزاب لم ترشح أحدًا! بينما كان عدد مرشحي الحزب الوطني الحاكم: 433 مرشحًا (المصدر السابق، ص 337).

6- التشابه في البرامج الحزبية:

أغلب أحزاب المعارضة المصرية تتشابه في الخطوط العامة لبرامجها السياسية باستثناء أحزاب قليلة لها أيديولوجية واضحة: كالوفد، والتجمع والناصري، وحزب العمل. فالمواطن البسيط لا يرى تميزًا واضحًا بين برامج هذه الأحزاب "وربما يكون ذلك هو ما لمسه د. مصطفى الفقي على شكل عتاب رقيق في كتابه: (الرؤية الغائبة) الذي أشار فيه إلى أن الدراسة المقارنة للبرامج التي طرحتها بعض الأحزاب في مناسبات مختلفة تكشف عن درجة من التشابه في الخطوط العريضة، فلا نكاد نجد حزبًا يتخذ موقفًا مختلفًا عن غيره من قضايا ترتبط بالدين والقومية، فضلًا عن أن برامج بعض هذه الأحزاب لا تخلو من شيء من الاضطراب" (المصدر السابق، ص 336)، هذا رغم اشتراط قانون الأحزاب المنظم لإنشاء الأحزاب في السبعينيات أن يقدم الحزب المزمع تأسيسه برنامجًا جديدًا يختلف عن برامج الأحزاب القائمة.

7- ضعف نسبة تمثيل المعارضة في البرلمان:

فرغم تعدد الانتخابات البرلمانية منذ السبعينيات، فنتائج أحزاب المعارضة فيها ضعيفة، فهناك أحزاب دخلت انتخابات ولم تفز فيها بأي مقعدٍ: كحزب العدالة الاجتماعية، وحزب الوفاق القومي، وحزب الشعب الديمقراطي.

وفي انتخابات برلمان 2005م لم يفز في الجولة الأولى أي مرشح من مرشحي الجبهة الوطنية للتغيير، والتي ضمت أحزاب المعارضة الرئيسية: الوفد، والناصري، والتجمع، والعمل، وعددهم: 89 مرشحًا، وفاز 9 مرشحين فقط لكل المعارضة في الجولة الثانية!

وهذا يشير إلى ضعف الثقة الشعبية بدور أحزاب المعارضة في الحياة السياسية في مصر وعدم اهتمام المواطن المصري بها، وهذا ما أكدته استطلاعات للرأي التي بينت أن نحو 80 % من المواطنين لا اهتمام لهم بتطورات الحياة الحزبية، وأن 76 % لا ينتمون لأي حزب سياسي.

وكان من مبررات ذلك:

أ- عدم الاقتناع بفاعلية هذه الأحزاب، أو بسبب الانتماء لتيار سياسي غير مسموح له بتأسيس حزب كالإخوان المسلمين.

ب- تفضيل المشاركة في العمل العام على المشاركة في العمل الحزبي، كتفضيل الانضمام إلى المنظمات أو الجمعيات الأهلية على الانضمام لحزب سياسي.

ج- التأكد من عدم إمكانية وصول أحزاب المعارضة للحكم.

ويعلِّق د. علي الدين هلال على ذلك بقوله: "ويمكن إرجاع هذه الأزمة إلى نوعين من الأسباب: الأول: يشير إلى البيئة السياسية والقانونية التي عملت هذه الأحزاب في إطارها، ودرجة انفتاح النظام السياسي وسماحه لها بالحركة والنشاط. والثاني: يتمثل في الاختلالات الداخلية، مثل: ضعف التنظيم الحزبي، وغياب أو ضعف الديمقراطية الداخلية، واستمرار القيادات التي أنشأت الحزب دون تغيير وهيمنتها، بحيث أصبحت الاستقالة الفردية أو الانشقاق الجماعي هو السبيل المتاح لحل الخلافات، وهو الأمر الذي يبرز أهمية تحديث هذه الأحزاب وتفعيل دورها" (المصدر السابق، ص 341)