الغاية يا صاحب القضية!

الغاية يا صاحب القضية!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فرغم طبيعة الواقع الذي يعيشه المجتمع، وتعيشه الأفراد من تغيرات وتقلبات على جميع الأصعدة؛ إلا أنه لا بد من الانتباه إلى أن الغاية الحقيقية التي يجب ألا ننشغل عنها وسط زحام الحياة وضجيج الواقع وتوالي الأحداث اليومية، بل واللحظية هي تحقيق العبودية بمفهومها الشامل، وتبليغ الرسالة للناس.

فنحن -لا شك- نعيش في واقعٍ أحداثه كثيرة ومتتالية لا تنتهي، بل متجددة ومتشعبة، ومَن ينشغل بها تشغله، وتأخذه في تيارها، فلا يخرج من حدث إلا وينشغل بآخر، فينخرط في التحليلات والردود والاعتراضات والتأييدات، وتصيبه الأزمات النفسية والأمراض المجتمعية، فيغفل عن دوره الحقيقي، ويضل عن السبيل، وتُلْقِي به الأحداث في أودية الهلاك.

وكل مَن يتأمل في الحياة اليومية؛ يجد يومه مزدحمًا بالأعمال والأخبار والكلام؛ وأن الوقت ضيق جدًّا لا يتسع للوقوف مع كل شيء، وللأسف فإن مَن هذا حاله فهو كالمضارب بلا ربح، وكالساعي في غير الطريق الصحيح، فهو يجهد نفسه جهدًا كبيرًا، ويجري خلف سراب كاذب، فلا أرضًا قطع، ولا ظهرًا أبقى.

وأيضًا عند التأمل تجد الكل يتحرك، والكل يتابع، حتى الذي يجلس في بيته أمام التلفاز ليشاهد الأخبار أو المباريات فهو أيضا عنده نوع حركة، يتحرك بفكره واهتمامه بشيء هو مقتنع به، لكن أَتَرَاه يسير على الجادة، أو أن حركته في المسار الصحيح؟! كلا، فليس المقصود مجرد الحركة في أي اتجاه، بل المقصود هو صواب الحركة، وإخلاص العمل، ونبل المقصد؛ لذا أقول لك: إياك إياك أن تنخدع فتنجر إلى معارك جانبية، أو سفاسف الأمور، فالمعارك والسفاسف اليومَ كثيرة جدًّا، والباطل عنده تجربة، ودربة في جر أهل الحق وأصحاب الغايات النبيلة مِن طريقهم إلى سبيل الغواية، وإضاعة الأوقات والأعمار.

قال الله -تعالى-: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (الأنعام:153).

تأمل: (فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ)، وتأمل التي قبلها: (وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ)، فالطريق واضح والحجة ظاهرة.

وما أروع تجلي معاني الحقيقة في قول الله -تعالى-: (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا) (الكهف:28)؛ فليس الأمر في الكثرة أو الوجاهة أو الحجم، بل الأمر كل الأمر في المؤثر الحقيقي، والصفقة الرابحة؛ (وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ) وإن ظننتهم قِلة، أو ضِعافًا، ولكنهم على الحق (وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا)، وإن ظننته صاحب عزة ومنعة وسطوة وجاه، ولكنه على الباطل، ولن ينفعك ما هو فيه، بل سيزول عنه، ما أروع القرآن!

أيها الجيل... الفتن أَخَّاذة ولها بريق وإذا أقبلت سحرت الألباب، وسال لها اللعاب، ولا يثبت أمامها إلا مَن ثبته الله -عز وجل-؛ ولذلك كانت وصية خير البرية: (بَادِرُوا بِالْأَعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ الْمُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بِعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا) (رواه مسلم)، فإذا ظهرت الفتن بَادِر إلى الأعمال التي تعين على تحقيق الغاية والتقوى.

وفي زمن الفتن الكل ينشغل، ولكن هناك مَن ينشغل بالجزئيات والنقاشات والردود والجدال؛ خاصة وأن التفوق في الجدال له لذة وشعور بنشوة الانتصار، لكن الحقيقة أنه قد لا يدرك البعض أن هذا المذاق أشبه بسحابة صيف عابرة لا مطر فيها ولا نفع، وفي الصباح تجد نفسك مكانك وقد تأخرت عن أعمالك المطلوبة ودورك الحقيقي؛ لذا ينبغي أن تكون أكثر نضجًا وأكثر يقظةً للغاية والقضية؛ فكم مِن طاقات ضاعت وأعمال تعطلت، لربما كانت كفيلة أن تنقلك خطوات إلى الأمام.

وتأمل قاتل المائة نفس، وكيف أنه لما نأى بصدره إلى أرض التوبة أخذته ملائكة الرحمة!

ويعقوب -عليه السلام- وهو على فراش الموت يقول لأبنائه: (مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) (البقرة:133)، قضى حياته في الدعوة والبلاغ، وحتى في آخر لحظات الحياة، فالغاية حاضرة لم تغب عنه، والقضية ظاهرة، بل هي منهج الحياة التي عاشها، وأراد أن يموت عليها، فما أعظم توفيق الله -عز وجل- لهم!

الصِّدِّيق -رضي الله عنه- وهو ينازع الموت يقول لعمر -رضي الله عنه-: "إني ميت اليوم أو الليلة فلا تشغلنكم مصيبة عن أمر دينكم وإن جلت"، نعم، قضية حاضرة ومنهج حياة، وكذلك عمر -رضي الله عنه- وهو في النزع الأخير يقول للشاب الذي رأى ثوبه يمس الأرض: "يا ابن أخي، ارفع ثوبك فإنه أتقى لربك، وأنقى لثوبك".

المواقف كثيرة والغرض المقصود: اقصد البحر، ولا تنشغل عن غايتك وقضيتك في زحام الحياة، وصخب مواقع التواصل الاجتماعي، فكم مِن أناسٍ كانت لهم مشاريع إصلاحية ودعوية، تغيرت وجهتهم اليوم وأصبحنا نرى منهم مَن يتكلم بلغة الليبرالية والعلمانية بعد ما كان بالأمس يرفع شعارات السلف وكلامهم، نسوا منطلقاتهم وغاياتهم أثناء السير، وحادوا عن الطريق شيئًا فشيئًا، وكان انحرافهم في البداية أقل من القليل، ولكن طال عليهم الأمد، وكثرت عليهم الفتن، وضعفت عباداتهم، وقست قلوبهم، فاستحوذ عليهم الشيطان، وكان الأولى بهم التمسك بالمنهج، والسعي في تحقيق الغاية، والصبر على طول الطريق وصعوباته؛ لذا أيها الجيل، انصب عينك على الطريق، ولا تعد عينك عنه، وتذكر دائمًا أن كدر الجماعة خير من صفو الفرد، وأن التعاون على البر والتقوى أَقْوَى، فامتطِ الإخلاصَ والصدق والتجرد تصل -بإذن الله-.

ونحن لنا سلف ساروا على الطريق، والإسناد بهم متصل، وكلامهم موجود، وقواعدهم مدونة، وعلمهم منشور، فنحن الآن لا نحتاج إلى تعقيد ولا تقعر، ولا ادعاء أننا سنأتي بجديدٍ، بل نحتاج فقط اتباعًا مقرونًا بعلمٍ مع معرفة بالمنهج، وتفاصيل قواعد القوم، والسير عليها، قال -تعالى-: (فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوا) (البقرة:137).

وأكرر: لا تنس الغاية الحقيقية يا صاحب القضية؛ فالطريق طويل.

 ولنا أمل.