البخاري وصحيحه الجامع (3)

البخاري وصحيحه الجامع (3)

الطلب المبكر وعلو الهمة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد بدأ البخاري طلبه للعلم مبكرًا وأظهر فيه نبوغًا كبيرًا، قال الفربري (رَاوِيَة البخاري): "سمعت البخاريَّ يقول: أُلهِمتُ حفظ الحديث وأنا في الكُتَّاب. قلت: وكم أتى عليك إذ ذاك؟ قال: عشر سنين أو أقل، ثمَّ خرجت من الكُتَّاب فجعلت أختلف إلى الدَّاخلي وغيره، فقال يومًا فيما كان يقرأ للنَّاس: سفيان، عن أبي الزُّبير، عن إبراهيم، فقلت: إنَّ أبا الزُّبير لم يروِ عن إبراهيم. فانتهرني، فقلت له: اّْرجع إلى الأصل إن كان عندك. فدخل فنظر فيه، ثمَّ رجع فقال: كيف هو يا غلام؟ فقلت: هو الزبير -وهو ابن عدي- عن إبراهيم، فأخذ القلم وأصلح كتابه، وقال لي: صدقت. فقال له إنسان: ابن كم كنت حين رددتَ عليه؟ فقال: ابن إحدى عشرة سنة".

ثم حُبب إليه الرحلة في طلب الحديث، فقام البخاري بأداء فريضة الحج وعمره ثماني عشرة سنة، فأقام بمكة يطلب بها الحديث، ثم رحل بعد ذلك إلى سائر مشايخ الحديث في البلدان التي أمكنته الرُحلة إليها، وكتب عن أكثر من ألف شيخ.

فالأمصار الإسلاميَّة التي شدَّ رِحاله إليها ليَسمع مِن شيوخها كثيرة: حيث زار مكة، وبغداد، والبصرة، والكوفة، والشام، وعسقلان، وحمص، ودمشق، وغيرها، فسَمِع من عفان، وبمكة من المقرئ، وبالبصرة من أبي عاصم، والأنصاري وبالكوفة من عبيد الله بن موسى، وبالشام من أبي المغيرة والفريابي، وبعسقلان من آدمَ، وبحمص من أبي اليمان، وبدمشق من أبي مُسهر - شيئًا.

وقد لاقى شدة في طلبه للعلم مِن: سفر، وجوع، وغير ذلك؛ قال محمد بن أبي حاتم الوراق: "كان أبو عبد الله إذا كنتُ معه في سفر يجمعنا بيت واحد، إلا في القيظ أحيانًا، فكنت أراه يقوم في ليلة واحدة خمس عشرة مرة إلى عشرين مرة، في كل ذلك يأخذ القدَّاحة، فيُوري نارًا، ويُسرج، ثم يُخرج أحاديثَ، فيُعلِّم عليها".

وكان وهو في سن الشباب مع أقرانه مهتمًا بغير ما يهتمون به من مرحٍ ولعبٍ، يصف لنا هانئ بن النضر ذلك، فيقول: "كنا عند محمد بن يوسف -يعني الفريابي- بالشام، وكنا نتنزَّه فِعْل الشباب في أكْل الفِرصاد -التوت- ونحوه، وكان محمد بن إسماعيل معنا، وكان لا يزاحمنا في شيء مما نحن فيه، ويكب على العلم".

وكان من بركات الطلب المبكر للحديث، والهمة العالية: أن أدرك عددًا ممن يروي عن التابعين أمثال: المكي بن إبراهيم وطبقته؛ مما جعل إسناده عالٍ عن أقرانه، ووجد في صحيحه أحاديث ثلاثية الأسانيد، وكان هذا مما أهَّل البخاري فيما بعد أن يكون قبلة طالبي الحديث بأسانيد عالية.

قال محمد بن أبي حاتم الوراق تلميذ البخاري وكاتبه: "وأملى يومًا عليَّ حديثًا كثيرًا -يعني البخاري-، فخاف مِلالي، فقال: طب نفسًا، فإن أهل الملاهي في ملاهيهم، وأهل الصناعات في صناعاتهم، والتجار في تجاراتهم، وأنت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه" (سير أعلام النبلاء 12 / 445).

كما كانت مِن بركات الطلب المبكر والهمة العالية: كثرة ما أنتجه من تصانيف، حيث كان أوَّل مُصنَّف يُصنِّفه هو عندما بلَغ الثامنة عشرة عامًا، ومن أشهر الكتب التي صنَّفها: "قضايا الصحابة والتابعين"، و"التاريخ الكبير"، و"التاريخ الأوسط"، و"التاريخ الصغير"، و"الأدب المفرد"، و"القراءة خلف الإمام"، و"بر الوالدين"، و"خلق أفعال العباد"، وكتاب "الضعفاء"، و"الجامع الكبير"، و"المسند الكبير"، و"التفسير الكبير"، وكتاب "الأشربة"، وكتاب "الهِبة"، و"أسامي الصحابة"، وكتاب "الوحدان"، وكتاب "المبسوط"، وكتاب "العلل"، وكتاب "الكُنى"، وكتاب "الجامع الصحيح"، وهو أجَلُّ كُتبه نفعًا وأعلاها قدرًا.