ما ورد من أحاديث وآثار في بيان الفرج بعد الشدة والاصطبار

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

عن أبي العباس عبد الله بن العباس -رضي الله تعالى عنهما- قال: كنت خلف النبي -صلى الله عليه وسلم- يومًا فقال لي: (احْفَظِ اللَّهَ يَحْفَظْكَ، احْفَظِ اللَّهَ تَجِدْهُ أَمَامَكَ، تَعَرَّفْ إِلَيْهِ فِي الرَّخَاءِ، يَعْرِفْكَ فِي الشِّدَّةِ، وَإِذَا سَأَلْتَ، فَاسْأَلِ اللَّهَ، وَإِذَا اسْتَعَنْتَ، فَاسْتَعِنْ بِاللَّهِ، قَدْ جَفَّ الْقَلَمُ بِمَا هُوَ كَائِنٌ، فَلَوْ أَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ جَمِيعًا أَرَادُوا أَنْ يَنْفَعُوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنْ يَضُرُّوكَ بِشَيْءٍ لَمْ يَكْتُبْهُ اللَّهُ عَلَيْكَ، لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ، وَاعْلَمْ أنَّ فِي الصَّبْرِ عَلَى مَا تَكْرَهُ خَيْرًا كَثِيرًا، وَأَنَّ النَّصْرَ مَعَ الصَّبْرِ، وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا») (رواه أحمد، وصححه الألباني).

قال ابن رجب -رحمه الله-: "قوله -صلى الله عليه وسلم-: (وَأَنَّ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ)، هذا يشهد له قوله -عز وجل-: (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِن بَعْدِ مَا قَنَطُوا وَيَنشُرُ رَحْمَتَهُ) (الشورى:28)، وقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (ضَحِكَ رَبُّنَا مِنْ قُنُوطِ عِبَادِهِ، وَقُرْبِ غِيَرِهِ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني)، والمعنى أنه -سبحانه- يعجب من قنوط عباده عند احتباس القطر عنهم، وقنوطهم يأسهم من الرحمة، وقد اقترب وقت فرجه ورحمته لعباده بإنزال الغيث عليهم، وتغييره لحالهم، وهم لا يشعرون".

وقال -تعالى-: (فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ . وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ) (الروم:48-49)، وقال -تعالى-: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) (يوسف:110)، وقال -تعالى-: (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) (البقرة:214).

وعن أبي الدرداء قال: سئل عن هذه الآية: (كلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن:29)، فقال: سئل عنها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: (مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَغْفِرَ ذَنْبًا، وَيُفَرِّجَ كَرْبًا، وَيَرْفَعَ قَوْمًا، وَيَخْفِضَ آخَرِينَ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّ اللهَ يُنَزِّلُ الْمَعُونَةَ عَلَى قَدْرِ الْمَئُونَةِ، وَيُنَزِّلُ الصَّبْرَ عَلَى قَدْرِ الْبَلَاءِ) (أخرجه البزار، وصححه الألباني)، وعن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَصَابَتْهُ فَاقَةٌ، فَأَنْزَلَهَا بِالنَّاسِ لَمْ تُسَدَّ فَاقَتُهُ، وَمَنْ أَنْزَلَهَا بِاللَّهِ، أَوْشَكَ اللَّهُ لَهُ بِالْغِنَى؛ إِمَّا بِمَوْتٍ عَاجِلٍ، أَوْ غِنًى عَاجِلٍ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني).

وعن إبراهيم بن محمد بن سعد عن أبيه عن جده قال: كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ النَّبِيِّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ: (أَلا أُخْبِرُكُمْ بِشَيْءٍ إِذَا نَزَلَ بِرَجُلٍ مِنْكُمْ كَرِبٌ أَوْ بَلاءٌ مِنْ بَلايَا الدُّنْيَا دَعَا بِهِ يُفَرَّجُ عَنْهُ؟) فَقِيلَ لَهُ: بَلَى، فَقَالَ: (دُعَاءُ ذِي النُّونِ: (لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنْ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء:87)) (رواه الحاكم، وصححه الألباني).

وروى ابن أبي الدنيا قال: كان تاجر من تجار المدينة يختلف إلى جعفر بن محمد فيخالطه، ويعرفه محسن الحال، فتغيرت حالته، فجعل يشكو ذلك إلى جعفر بن محمد، فقال جعفر:

فَلَا تَجْزَعْ وَإِنْ أُعْسِرْتَ يَوْمًا

 

فَقَدْ أَيْسَرْتَ فِي الزَّمَنِ الطَّوِيلِ

وَلَا تَيْأَسْ فَإِنَّ الْيَأْسَ كُفْرٌ

 

لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِي عَنْ قَلِيلِ

وَلَا تَظُنَّنَّ بِرَبِّكَ ظَنَّ سُوءٍ

 

فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ

وعن محمد بن الحسين قال: وكان القاسم بن محمد بن جعفر يتمثل كثيرًا أبيات:

عَسَى مَا تَرَى أَنْ لَا يَدُومَ وَأَنْ تَرَى

 

لَهُ فَرَجًا مِمَّا أَلَحَّ بِهِ الدَّهْرُ

عَسَى فَرَجٌ يَأْتِي بِهِ اللَّهُ إِنَّهُ

 

لَهُ كُلَّ يَوْمٍ فِي خَلِيقَتِهِ أَمْرُ

إِذَا لَاحَ عُسْرٌ فَارْجُ يُسْرًا فَإِنَّهُ

 

قَضَى اللَّهُ أَنَّ الْعُسْرَ يَتْبَعُهُ الْيَسَرُ

وكتب بكر بن المعتمر  إلى أبي العتاهية من السجن، يشكو إليه طول الحبس وشدة الغم، فكتب إليه:

هِيَ الْأَيَّامُ وَالْغِيَرُ

 

وَأَمْرُ اللَّهِ يُنْتَظَرُ

أَتَيْأَسُ أَنْ تَرَى فَرَجًا

 

فَأَيْنَ اللَّهُ وَالْقَدَرُ