معالم في السلفية (4) التمسك بفهم الصحابة

معالم في السلفية (4) التمسك بفهم الصحابة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فنتمسك بفهم الصحابة -رضي الله عنهم-:

(5) لأنهم -رضوان الله عليهم- أشد الناس تمسكًا بما أخذوه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- مِن كتاب وسنة، ومتابعة له؛ لا يفرقون في العمل بيْن صغير وكبير، أو بين واجبٍ ومستحبٍ.

(6) أنهم -رضوان الله عليهم- كانوا أهل اجتهاد ونظر، يملكون أدوات الاجتهاد: (العلم التفصيلي بالكتاب والسُّنة، ليس مجرد معرفة أسباب النزول، بل معايشتها بأنفسهم - رجاحة العقل - الفراسة والفطنة - العلم باللغة - القدرة على الاستنباط)، فتوفرت عندهم واكتملت لديهم بما لا يكون عند غيرهم.

(7) أنهم أعلم الناس باللغة الفصيحة: يعلمون مشهورها وغريبها وأساليبها البلاغية، ولم يعرفوا لحن اللسان ولم تلحقهم شوائب العجم، فهم أفهم الناس بالمعنى المراد من اللفظ.

(8) إجماع الأمة جيلًا بعد جيل على جلالتهم وإمامتهم، والشهادة لهم بالعدالة والصلاح؛ فهم أهل صلاح وتقوى، وزهد وورع، حريصون على الآخرة، معرضون عن الدنيا، فسهل عليهم الانقياد للحق، وانفتحت لهم أبواب الهدى والعلم، ولهم في ذلك باع ونصيب، لا يلحقهم فيه مَن بعدهم، قال الله -تعالى-: (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ) (البقرة:282).

وقال ابن مسعود -رضي الله عنه-: "إن الله نظر في قلوب العباد، فوجد قلب محمد خير قلوب العباد فاصطفاه لنفسه برسالته، ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد، فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد، فجعلهم وزراء نبيه، يقاتلون على دينه، فما رآه المسلمون حسنًا فهو حسن، وما رأوه سيئًا فهو عند الله سيئ".

وعن ابن عمر -رضي الله عنهما- قال: "كان أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خير هذه الأمة قلوبًا، وأعمقهم علمًا، وأقلهم تكلفًا، اختارهم الله -عز وجل- لصحبة نبيه، ونقل دينه".

(9) أنهم -رضوان الله عليهم- أعظم مَن بذل الغالي والنفيس، بل وضحّوا -اختيارًا- بأرواحهم وأموالهم في سبيل نشر هذا الدين وإيصاله للعالمين؛ فهم أحرص الناس على إبلاغه للخلق طبقًا لمراد الله على ما فهموه من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بلا تغيير، ولا تبديل.

فعلى ما ذكر أعلاه يظهر لكل صادق منصف: لماذا نتمسك بفهم الصحابة -رضوان الله عليهم- ونتشبث بذلك في وصف المنهج السلفي الحقيقي بالرغم مِن هذا الهجوم المتواصل لهدم هذا المفهوم؟! حتى وصل الأمر ببعضهم حينما قلَّت حيلته في رد هذه الأسباب الواضحة المذكورة أعلاه إلى الكلام بالمتناقضات، حيث يقر بأن الصحابة هم مَن قام بإرساء قواعد الدين وحمايته، لكنه في ذات الوقت يدعي أن هذا كان يتطلب منهم استمرارية الجهاد في سبيل الله، والذي شغلهم عن تعلم مسائل أصول الإيمان ودراستها!

والرد على مثل هؤلاء لا يحتاج إلى كثير إيضاح، فهذا خطأ جسيم، وتفسير مقلوب؛ لأنه لا يمكن تفسير الانتصارات المذهلة للصحابة في جهادهم إلا في ضوء فهمهم المنضبط لعقيدة الإسلام الصحيحة، واستجابتهم لتطبيقها عمليًّا، كما قال -تعالى-: (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور:55)، بل إن الصحابة -رضوان الله عليهم- هم الذين اجتذبوا غيرهم مِن الشعوب ذات الحضارات العريقة في ذلك الوقت إلى الدخول في الإسلام بفهمهم الصحيح لأصول الإيمان وتطبيقاته العملية.

كما أن هذا الادعاء مخالف لما عليه أهل الحق من أن النبي -صلى الله عليه وسلم- وضَّح لأصحابه حقائق الدين ولم يترك شيئًا إلا وبيَّنه لهم سواء مِن الأمور الماضية: كبدء الخلق، أو الأمور الغيبية: كالملائكة وأحوال الآخرة، وأن الدين قد كمل قبل وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخذه الصحابة منه تامًّا، وطبقوه كاملًا، وبلغوه لمَن بعدهم وافيًا، كما قال -تعالى-: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا) (المائدة:3)؛ وإلا فإن هذا الادعاء مؤداه أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- بلَّغ قرآنًا لا يفهم معناه، وتكلم بأحاديث لا يفهم معناها، وأن الصحابة والتابعين كذلك! وهذا ضلال عظيم؛ فالنبي -صلى الله عليه وسلم- بيَّن لأصحابه معاني القرآن كما بيَّن لهم ألفاظه، فقد قال الله -تعالى-: (لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ) (النحل:44)، وهذا البيان يتناول اللفظ والمعنى.

يتبع -بإذن الله-.