مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (7) التفاوت الطبقي

  • 297
مظاهر القسوة في حياتنا... أسباب وعلاج (7) التفاوت الطبقي

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فالتفاوت الطبقي هو الفرق الهائل بين طبقات المجتمع، بين غِنَى مُطغٍ وفقر منسٍ، ولا شك أن هذا التفاوت الذي يجد الغني كل ما يريده، وفوق ما يريده، ولا يدري كيف ينفق ماله فيُبَذِّر تبذيرًا، في الفسوق والعصيان والفواحش والإجرام كما قال -سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى-: (وَاتَّبَعَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مَا أُتْرِفُوا فِيهِ وَكَانُوا مُجْرِمِينَ) (هود:116)، وقال: (وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا) (الإسراء:16)، في حين يظل الفقير لا يجد أصل كفايته حتى يعيش في مأوى لا ترضاه الحيوانات، ولا يجد لأهله وعياله ما يكفيهم -كواحدٍ من البشر- من الطعام والشراب والكسوة؛ لا شك أن هذا التفاوت من أعظم مظاهر القسوة، ومما يسبب القسوة أيضًا، ويظل النظام الاقتصادي الرأسمالي ضاغطًا ليزداد الغَنِيُّ غِنى وتَرَفًا، ويزداد الفقير فقرًا وحاجة ومرضًا!

ولقد جاء الإسلام بتحقيق العدالة الاجتماعية بإيجاب الزكاة والحقوق الأخرى على الأغنياء القادرين؛ فإن في المال حقًا سوى الزكاة على الصواب من أقوال العلماء؛ فنفقات الأقارب واجبة على اختلاف أهل العلم في درجة القرابة الموجِبة للنفقة، ولا شك أن الأصول والفروع والزوجات داخلة في ذلك، والصحيح أن كل وارثٍ للفقير لو مات الفقير تجب عليه نفقته لمن يرثه حال الحياة؛ لقول الله -تعالى-: (وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) (البقرة:233) -أي من النفقة-؛ فكل مَن تَرِثه تلزمك نفقته إذا كان فقيرًا.

وإكرام الضيف واجب، وحقه الواجب يوم وليلة، وجائزته ثلاثة أيام.

وإغاثة المضطر واجبة؛ فلا يجوز في المجتمع المسلم أن يعلم الناس بجائع ثم يتركوه جائعًا، ولا أن يعلموا بعارٍ أو مَن لا مأوى له ثم يتركوه عاريًا مكشوف العورة أو عاجزًا عن دفع برد الشتاء وحر الصيف؛ بل يلزمهم كسوته وإيوائه، وإذا علم جماعة بذلك كان فرض كفاية عليهم؛ فإذا تَركوه تَعَيَّن على القادر العالم به، فإذا تركوا ذلك جميعًا أَثِموا جميعًا.

والصحيح أن كفاية المضطر وإغاثته حق للفقير، وليست دَيْنًا عليه، وإن كانت هذه المسألة اجتهادية؛ لأن مِن العلماء مَن يقول: "يكفونه ضرورته ثم هو دَيْنٌ عليه" لمَن أنفق فوق زكاته إذا أيسر الفقير.

وهذه المسألة -أعني إغاثة المضطر حتى لا يبقى في المجتمع جائعٌ ولا عارٍ ولا مُشَرَّد- من أهم المسائل التي يَلزم المجتمع والحُكَّام العمل على تحقيقها، وأن لا يُهتم بمساكن وأطعمة ولباس، وترف الطبقات الغنية المترفة التي تستأثر بكل منافع البلاد، وتُترك الطبقة الفقيرة التي تتحمل أعباء العمل وأعباء خدمة الدَّيْن الخارجي والداخلي وأعباء نقص الخدمات التعليمية والصحية، وأعباء الإصلاح الاقتصادي والتضخم وغلاء الأسعار لانخفاض قيمة العملة.

وإن ترك التفاوت الطبقي ينتشر ويتعاظم في المجتمع  من أعظم أسباب الغل والحقد، والحسد والبغضاء، وهذه الأمراض تُوَلِّد القسوة والعنف، والثورات التي تخلق الفوضى الهادمة -لا الخَلَّاقة-.

كما أن الغِنى المُطغي نفسه مظهر من مظاهر القسوة؛ لأن الغَنِيّ الذي يَترك الفقير لا يجد حاجته في حين أنه يحصل هو على كل أنواع الترف قاسي القلب، ويَجد أثر هذه القسوة شقاءً وتعاسة في حياته؛ لأنه يُحرم لذة العطاء التي هي أعظم بكثيرٍ مِن لذة الأخذ، فاليد العليا خير من اليد السفلى، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-.

وقد ذكر الله قسوة أهل الجاهلية في احتجاجهم بالقدر على تركهم الفقراء دون طعام بقوله -تعالى-: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) (يس:47)؛ فهذه القسوة تجلب القسوة والصراع بين الطبقات، فإذا غَلَبت طبقةٌ في يوم من الأيام أذاقت الطبقات الأخرى سوء العذاب، كما فعلت الثورات الشيوعية حين وصلت الطبقة العاملة إلى السلطة وحازتها؛ تحقيقًا لنظرية "البروليتاريا" -ديكتاتورية الطبقة العاملة- التي تنادي بها الشيوعية؛ فأذاقت الرأسماليين والإقطاعيين ألوان القتل والتعذيب، ومصادرات الأموال، وكانت الثورات الشيوعية أقسى الثورات في تاريخ الشعوب.

ولذا يجب علينا أن لا نسمح بوصول مجتمعنا إلى سيطرة طبقة على طبقة تَحطِمها وتذلها وتسومها سوء العذاب؛ لا الرأسمالية المتجبرة المستعبِدة للناس، ولا الاشتراكية والشيوعية المدمرة التي تتجاوز الحقوق حتى تصل إلى إنكار النبوات، بل إنكار الألوهية؛ بل لا بد أن نسعى إلى تقريب الفوارق بين الطبقات طبقًا للشرع، دون مصادرة أموالٍ بالباطل، ولكن بإعمال نظام الزكاة والحث عليه، ثم نظام التكافل الاجتماعي، حيث لا يبقى مضطر لا يجد حاجته، كما سبق بيانه في وجوب نفقات الأقارب وإغاثة المضطر.

ودور المجتمع ربما يكون أكبر من دور الدولة في هذا من خلال الجمعيات والمؤسسات الخيرية التي يجب أن تُدعم وتفتح لها الأبواب، وأن تكون هناك متابعة لعملها وبحث لأولويات الحالات حتى توضع الأموال -أموال الصدقات والزكوات- في مصارفها الشرعية.

وإن كانت الدولة يلزمها أن تراقب الأوضاع الاقتصادية وتجعل أولويات اهتمامها لحاجات الفقراء والمشروعات التي تحقق لهم فرص العمل التي تكفيهم حاجتهم، لا مشروعات الترف للطبقات الغنية التي هي قسوة وتجلب القسوة.

كما أن دورها -الدولة- التدخل عند الضرورة لإلزام الأغنياء بكفالة الفقراء كما عَزَم عُمَر -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- على هذا التدخل عام الرمادة، لولا فضل الله بالخير الذي جاء من أقاليم الدولة الإسلامية الأخرى التي لم تشهد القحط.

وهذا من الواجبات: أن نعلم أن الدول الإسلامية كلها كالجسد الواحد يجب أن يعود الغني منها على الفقير؛ لكفاية أفراد هذا الجسد الواحد حاجتهم.

ولا شك أن تدخل الدولة المسلمة بالإلزام عند الضرورة يكون بعد جمع الزكاة وسائر الأموال الواجبة، ثم الترغيب والحث على النفقة، كما فَعل النبي -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- في تجهيز جيش العُسرة دون أن يُلزِم الناس بأموال أو يأخذها قهرًا منهم، وتم تجهيز ثلاثين ألفا بهذه الطريقة الرائعة! وذلك راجع إلى ترسيخ حقائق الإيمان في القلوب.

وكذلك يجب على الدولة تقليل النفقات العامة، وتحقيق الأسوة الحسنة في الزهد، كما فَعَل عمر بن الخطاب -رَضِيَ اللهُ عَنْهُ- بحرمان نفسه من السمن وجَيِّدِ الطعام حتى يجده عامة المسلمين.

فإن لم تكفِ هذه الخطوات، اتجهت الدولة إلى فرض ضرائب على الأغنياء -دون الفقراء- لتجد ما يَلزمها مِن مسئوليات وخدمات، وفي هذه الحالة لا تكون الضرائب مُكُوسًا محرمة؛ بل وسيلة اضطُرَّت إليها الدولة لتقريب الفوارق بين الطبقات، وتَجَنُّب الصراع الطبقي المُدَمِّر.