(فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا)

  • 226

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال -تعالى-: (هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا فَامْشُوا فِي مَنَاكِبِهَا وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ) (الملك:15).  

 فنعم الله -تعالى- على عباده لا تعد ولا تحصى، وكثير منها ربما لا يشعر بها المرء مع عظيم نفعها وفائدتها، ومن هذه النعم: تذليل وتمهيد الأرض للعباد.

قال السعدي -رحمه الله-: "هو الذي سخر لكم الأرض وذللها، لتدركوا منها كل ما تعلقت به حاجتكم، من غرس وبناء وحرث، وطرق يتوصل بها إلى الأقطار النائية، والبلدان الشاسعة" (تفسير السعدي).

ولك أن تتخيل أن جميع الطرق مرتفعات ومنخفضات، كيف سيكون حال الناس وكيف يكون معاشهم وأنت تلحظ ذلك حينما تصعد مرتفعًا أو تنزل منخفضًا، ماذا تشعر؟! فتمهيدها من تمام إحسان ورحمة الله بعباده، وقال -تعالى-: (وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ)، قال في التفسير الوسيط والمراد بقوله: "(وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ): الانتفاع بما فيها من وجوه النعم، وعبر عنه بالأكل؛ لأنه أهم وجوه الانتفاع" (انتهى).

فهذا حث على السعي والتكسب وتعمير الأرض واستغناء عن المسألة، وأخذ بأسباب القوة وما أحوج أمتنا للعمل والجد والإنتاج، لتقوى وتعلو وتستغني عن غيرها حتى لا أن تكون تحت وطأة اعدائها الذين يريدون تسييرها كيفما شاءوا في خلاف شرع الله، وأيضًا: في الوقيعة أبناء الأمة بعضهم بعض، فهذا العالم الذي لا يعترف إلا بالقوة؛ أما الضعيف فلا يأبه له وإن فعل به ما فعل من ظلم وعدوان، لا سيما إن كان مسلمًا، والحاضر والماضي شاهد على ذلك.  

وأيضًا في قوله -تعالى-: (مِنْ رِزْقِهِ): حث على شكر الله -تعالى- على هذه النعم والمأكل؛ لأنها من رزق الله -تعالى-، الرزاق الكريم فهي دعوة للشكر لا دعوة للبطر والكبر، وكذلك ربطت الآية الكريمة المسلم بالدار الآخرة وانه ثم بعث وحساب، قال القرطبي -رحمه الله-: "(وَإِلَيْهِ النُّشُورُ): الْمَرْجِعُ. وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاءَ لَا تَفَاوُتَ فِيهَا، وَالْأَرْضَ ذلولًا، قادر على أن ينشركم" (تفسير القرطبي).

ولعل -والله أعلم- السبب أيضًا في ذكر قوله -تعالى-: (وَإِلَيْهِ النُّشُورُ): أي البعث، وهو إشارة إلى الجزاء والحساب حتى يتقي العبد ربه في حاله سعيه وجهده، وطلب معاشه، لا يأكل إلا ما أحل الله، وأن يجتنب ما حرمه الله؛ لأنه في أثناء سعي المرء سيصيبه بلاء وعقبات لربما يقع المرء في الحرام لتأخر الرزق أو الحاجة، وغير ذلك، فذكره -تعالى- بالدار الآخرة والجزاء والحساب؛ ليكون ذلك من أعظم الدوافع على تقوى الله -تعالى-.

فهذه الآية مثال لوسطية الإسلام وتماشيه مع الفطرة والعقل والحكمة، فابتدأت بالتذكير بنعم الله من تذليل الأرض وتمهيدها، وأمر بالسعي والتكسب لا الرهبنة والعزلة، ولكن سعي مَن يعلم أنه إلى ربه راجع، وأنه محاسب لا كسعي الغير الذي لا يهمه مصدر المال أيًّا كان مصدره من حرام أو من شبهة، جل ما يهمه هو الحصول على المال ولو كان مِن ربا أو قمار أو تجارة في مخدرات ودعارة أو تجارة في أعضاء كما يفعله الغرب الكافر، ومَن صار على شاكلتهم، بل ربما يفتعلون الحروب ليبيعوا أسلحة تحصد بها أرواح الأبرياء، ولا شك أن ذلك أثر من نسيان الآخرة، والغرق في المادية العفنة.

أما المسلم فيسعى هنا وعينه على الآخرة، فليس ثم انفصال ولا نزاع عنده بين الدنيا والآخرة، بل كان أكثر دعاء نبينا -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً، وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً، وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) (متفق عليه).

وصلى الله وسلم على محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.