الفساد (40) الإعلام من البناء إلى الهدم (4-4)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمن المعلوم أن دور الإعلام البحث عن الحقيقة وإظهارها، وتثقيف الناس ثقافيًّا وفكريًّا، ومِن هنا كانت أهمية الإعلام، ولكن ليس من شأن الإعلام نشر ما يسيء إلى الدولة أو المجتمع أو بعض من أفراده، وللأسف لا يخلو الإعلام من فترة لأخرى من توجيه التهم جزافًا، ونشر ما ليس بصحيح أو ما ينبغي التثبت منه قبل نشره فيثير بذلك الفتن.

الإعلام والأمن القومي:

في فترة من الفترات وفي (زحمة الأحداث وارتباك المشهد العام، وحالة الفوضى التي سادت حياة المصريين، وجدنا على شاشات التليفزيونات وصفحات الجرائد والمجلات أسرارًا وقصصًا وحكايات لا يمكن أن يكون لها غير مصدر واحد هو مؤسسات وأجهزة الأمن القومي، وهذا يطرح سؤالًا في غاية الأهمية إذا كانت السرية التامة هي أهم خصائص هذه الأجهزة، فكيف تسللت أوراقها وأسرارها وتسجيلاتها إلى هذه العلانية من خلال الصحف والتلفزيونيات؟! ومتى كان الإعلام قادرًا على الحصول على مثل هذه الأسرار بأساليبه التقليدية المتعارف عليها؟! إن هذا يعني أن مثل هذه الأسرار قد تسربت لأسبابٍ واضحةٍ ورغبة حقيقية في توصيلها للرأي العام، وإن الإعلام لم يكن أكثر من وسيلة)، (ونحن نعلم أن أسماء كثيرة تمارس أعمالًا مزدوجة ما بين الإعلام وأجهزة الأمن، ولكن ذلك كان يتم بطريقة سرية، ولم يصل الأمر إلى مثل هذه الأنشطة المكشوفة التي تعكس خللًا في أداء الأدوار والمسئوليات) (انظر مقالة: "بين الإعلام والأمن القومي" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 16 مايو 2014م، ص 13).

(في عام 1968م ثارت الدنيا حول عددٍ مِن التقارير التي تسربت من إحدى المؤسسات السيادية التي تختص بقضايا الأمن القومي وهي جهاز المخابرات العامة، ويومها تم الكشف عن أسرار كثيرة حول تجاوزات هذا النظام في عهد رئيسه صلاح نصر، وكان خروج هذه التقارير من دائرة السرية حدثًا كبيرًا اهتزت له أركان كثيرة)، (كان واضحًا أن ظهورها كان يهدف إلى التأثير في مسيرة)، (محاكمة صلاح نصر وعمليات التصفية التي دارت بين القوى السياسية في سلطة القرار في ذلك الوقت)، (وعندما قام الرئيس السادات بثورة التصحيح وأطاح برموز حكم عبد الناصر، ذهب بنفسه وحطم أسوار سجن طرة، معلنًا بداية عصر جديد من الحريات بعيدًا عن السجون والمعتقلات وكتابة التقارير)، (هذه كلها ملابسات أحاطت بدور ومسئوليات أجهزة الأمن القومي، وإذا كان التاريخ قد سجَّل بعض تجاوزات هذه الأجهزة أمام تصفية الحسابات السياسية بين قوى متصارعة أو وقائع حقيقية؛ إلا أن هذه الأجهزة قامت بدور كبير في حماية الوطن ضد المؤامرات الخارجية والداخلية)، (ولا أحد ينكر دور جهاز المخابرات ومعاركه الخارجية ضد الموساد، وأجهزة المخابرات العالمية، والتي حقق فيها إنجازات رهيبة) (المقال السابق بتصرف).

يقول الكاتب فاروق جويدة: (في فترة قصيرة شاهدنا على الشاشات قصصًا وحكايات وأسرار مكالمات تليفونية بين نشطاء سياسيين، ورموز مختلفة من جميع التيارات والقوى السياسية، وهذه التسجيلات تحمل أكثر من وجه؛ إن فيها أسرارًا تهدد الأمن القومي المصري، وفيها أحاديث ومكالمات تليفونية تدين أسماء كثيرة، بل إنها تصل بها إلى مستنقع الخيانة العظمى حيث التآمر ضد مصالح الوطن)، و(على جانب آخر: فإن هذه التسجيلات لم تراعِ قضايا حقوق الإنسان والحياة الخاصة للمواطن)، (وهنا تصبح المسئولية مزدوجة على من أعطى نفسه حق التسجيل، ومن باعه وسربه إلى وسائل الإعلام، وهنا ينبغي أن تبرئ أجهزة الأمن القومي نفسها، وأنها لم تكن شريكًا في هذه العملية على الإطلاق)، (سوف يقول الزملاء الصحفيون أن أسرار المهنة تمنع سؤالهم عن مصادرهم، وماذا يقول هؤلاء إذا كان القانون يمنع الاعتداء على خصوصيات الناس واقتحام حياتهم الخاصة)، (إن الخلط بين منظومة العمل الإعلامي وأنشطة الأمن القومي يسيء إلى الاثنين معًا، فليس المطلوب من الصحفي أن يكون مخبرًا وليس المطلوب من رجل الأمن القومي أن يتخلى عن سرية نشاطه، ويصبح ما لديه من الأسرار مشاعًا للجميع) (المقال السابق بتصرف).

الإعلام والتمويل الأجنبي:

جعلت الظروف المالية التي عانت منها الفضائيات المصرية وتراجع حجم الإعلانات (البعض من هذه الفضائيات يبحث عن مصادر تمويل خارجية قد تضر بالأمن القومي المصري. هناك فضائيات فتحت أبوابها للأموال الخارجية، ولا أحد يعلم مصادر تمويلها، وإن كانت أجهزة الدولة على علم بكل ما يجري في هذا القطاع الخطير، وهي في حالة نوم عميق، كان التمويل الخارجي أكبر جريمة في حق الإعلام المصري في السنوات الأخيرة) (راجع مقال: "الفضائيات بين إفلاس الفكر وإفلاس المال" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 10 أبريل 2015 م).

إساءة الإعلام لدول شقيقة:

من خطايا الإعلام ما يقع أحيانًا من بعض الإعلاميين من الإساءة لبعض الدول الشقيقة؛ فبلا أي مبرر مقبول (يجلس المذيع ويبدأ مسلسل التحليل الإستراتيجي الفنكوشي، ويسخن قليلًا، ويطيح بدولة عربية شقيقة، ويوهم الناس بان لديه معلومات من مصادره الرسمية، وكأنه يتحدث باسم الدولة المصرية، وتنطلق الكلمات من المذيع الجهبذ لتسكن العواصم العربية، مرة في الدار البيضاء، ومرة في بغداد، وأخرى في الرياض أو الخرطوم أو الإمارات أو الكويت، وتتلوث المياه الصافية بين البلدين، ويضحك المذيع الإستراتيجي بعد أن أوقع الدولة في مصيبة، وتذهب الوفود لتقديم الاعتذارات، وكأن البيت بلا صاحب! الأسوأ مِن هذا أن يتحول المذيع إلى رجل دين يفتي ويصدر الأحكام، ويسب العلماء والأولياء والصحابة) (راجع مقال: "كيف يدمر الإعلام شعبًا" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 15 مايو 2015 م).

أزمة ماسبيرو (مبنى اتحاد الإذاعة والتلفزيون):

يعد مبنى ماسبيرو مؤسسة عريقة لعبت دورًا كبيرًا وتاريخيًّا في الثقافة المصرية، بل والعربية؛ تخرجت منه أجيال من الإذاعيين، ولكنه يعاني الآن واقع جديد فرض نفسه حين فرطت الدولة في رعايته، وتركته يواجه ظروفًا صعبة وقاسية.

لقد خرجت في أكثر من دولة عربية كيانات إعلامية منافسة لماسبيرو بعد ثورة البترول انطلقت هذه الكيانات بإمكانيات مالية ضخمة غيرت من منظومة القواعد والقيم في دنيا الإعلام، وفرضت واقعًا جديدًا سيطر فيه المال على المؤسسات الإعلامية، ولم تعد الرسالة الإعلامية أو الفكرية هي الهدف، وصارت السياسة تحرك كل شيء، وقد استطاع المال استقطاب المواهب الإعلامية، وتسربت حشود من الإعلاميين إلى هذه الكيانات الجديدة الصاعدة أمام إغراء المال، وكان انسحاب هذا العنصر البشري البداية للخسائر التي تعرض لها الإعلام المصري، ومع اتساع دوائر الإعلام العربي في ظل أرصدة ضخمة من الأموال بدأ القطاع الخاص المصري يتجه إلى الأنشطة الإنتاجية التجارية، وسرعان ما توسع فيها واصطحب معه حشودًا من الفنانين، ليقدِّم صورة جديدة من الإنتاج على أسس تجارية، والتي بدأت على استحياء ثم تطورت وأصبحت تجارة رائجة، أخذت معها الإنتاج السينمائي. و(أمام منافسة ضارية ابتداءً بالأموال وانتهاءً بالتكنولوجيا ودرجة التطور، وقبل هذا كله بالقوة البشرية التي صنعها ماسبيرو وهاجرت، بدأ ماسبيرو رحلة التراجع، وأصبح يواجه تحديات ضخمة في الإنتاج والعمالة وحجم الإنفاق لأنه لا يستطيع أن يجاري الكيانات المنافسة التي تملك الملايين ولديها قدرات غير عادية).

لقد أصبح ماسبيرو في انحدار مستمر نتيجة نقص الكفاءة والفساد، وظهور وسائل الاتصال الشعبية، مثل: شبكات التواصل الاجتماعي، والمواقع الإخبارية، والصحف الإلكترونية. و(لم يكن ماسبيرو قادرًا على توفير الأموال التي تمنحه القدرة على المنافسة، ولم يكن قادرًا على استعادة قواه البشرية التي رحلت، وفي نفس الوقت تشكلت كيانات ضخمة استطاعت أن تفرض سيطرتها على سوق الفن والإعلام والتوزيع، وهنا بدأت رحلة ماسبيرو مع الخسائر والديون، وتراكم العناصر البشرية، ولم يكن غريبًا أن يقترض ماسبيرو أكثر من 200 مليون جنيه شهريًّا من بنك الاستثمار القومي لسداد مرتبات العاملين فيه، ومع تكدس العمالة التي زادت على 40 ألف موظف تجاوزت الديون 22 مليار جنيه، ولا أحد يعرف تمامًا قيمتها الآن؛ خاصة إذا أضفنا لها حجم الفوائد) (راجع مقالة: "ماسبيرو بين البيع والإنقاذ" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 9 فبراير 2018 م).

(إن الأخطر من ذلك: أن الدولة تركت ماسبيرو غارقًا في أزماته وديونه وموظفيه، ولم تحاول أن تمد له يد الإنقاذ، وذهبت في طريق آخر تمامًا لإنشاء مؤسسات إعلامية بديلة دفعت فيها مليارات الجنيهات، ولم تنجح هذه المؤسسات الجديدة في أن تكون البديل المناسب لغياب ماسبيرو) (المقال السابق).

(إن المشكلة الأكبر في قضية الديون بين بنك الاستثمار واتحاد الإذاعة والتلفزيون: أن مدينة الإنتاج الإعلامي والنايل سات بكل الأصول مرهونة للبنك، ولا يحصل اتحاد الإذاعة والتلفزيون على أي عائدٍ من دخل هذه المنشآت، حيث يتوجه الدخل كله إلى البنك سدادًا للفوائد والديون)، بل (في اتفاق الرهن بين البنك واتحاد الإذاعة والتلفزيون: أن مِن حق البنك بيع هذه الأصول لنفسه أو للغير، وهذا يضع إشكالية كبيرة بين الحكومة والبنك والأصول التي ترغب الدولة في بيعها سدادا للديون).

ويمنع بيع هذه الأصول: أن هذه الأصول (تدخل في نطاق التخصيص وليس الملكية؛ بمعنى أن الاتحاد لا يستطيع بيعها؛ لأنه لا يملكها، فهي فقط مخصصة من الدولة في نطاق نشاط الاتحاد)، (فلا يحق أن يبيعها لكي تتحول إلى عمارات ومنتجعات ومولات وأنشطة تجارية)، كما (أن بيع أصول اتحاد الإذاعة والتلفزيون ليس حلًّا أمام هذا الحجم من الدين، وأمام التزامات مالية ضخمة تتمثل في مرتبات وأرباح ومكافآت). (إن الحل هو أن تعمل هذه المؤسسات، وتنتج وتشارك في تنمية الاقتصاد القومي؛ أما أن تفكر في بيع الأصول، فهذا خطأ فادح ومخاطر جسيمة. إن المؤسسات الصحفية عليها ديون كثيرة فهل تبيع أصولها من المباني والمطابع أم تطور أنشطتها، وتبحث عن مصادر دخل تتجاوز بها محنتها، يضاف لذلك: أن قضية العمالة الزائدة لا بد أن تجد لها الحكومة حلًّا في فتح مجالات للتدريب والتأهيل والخبرات؛ خاصة أن ملايين الشباب المعينين في مؤسسات الدولة وبلا عمل يمثلون عبئًا على الاقتصاد المصري بكل قطاعاته) (راجع في ذلك مقالة: "الإعلام بين الترشيد وتجارة الأراضي" للكاتب فاروق جويدة - الأهرام الأسبوعي الجمعة 22 مايو 2015 م).

إن علاج ماسبيرو هو: عدم الإبقاء على هذا الكم الكبير من الإذاعات والقنوات التابعة للدولة، فيكفيها العدد القليل منها، واحدة منها رسمية تتحدث باسم الدولة، وواحدة منها إخبارية، والباقي يمكن تمليكه للعاملين فيها عن طريق الأسهم أو تعمل مع شراكة مع القطاع الخاص يتحمل إدارتها؛ فهذا أجدى بكثيرٍ من الإنفاق على قنوات لا تؤدي دورًا، ولا يهتم بها الكثير من المواطنين.

أهمية الصحافة الإقليمية:

لقد (صدرت توصيات مهمة في مؤتمرات عدة، منها: (مستقبل الصحافة الإقليمية) الذي عقد بالإسماعيلية، أو مؤتمر المنيا الشهير حول التحديات ومستقبل الصحافة الإقليمية، وغيرها من بعض الأبحاث والدراسات والكتب التي صدرت عن بعض كليات الإعلام المختلفة، غير أن التوصيات ظلت حبرًا على ورق منذ صدورها وحتى الآن. ورغم الحاجة الماسة في بلادنا لأهمية العمل على تطوير الصحافة الإقليمية خصوصًا مع الحصار الإعلامي وسيطرة الصوت الواحد، ومع ما يواجه الصحف الحكومية والمستقلة في بلادنا من مشاكل مالية وإدارية وفنية)، فالصحافة الإقليمية تمهد (لمستقبل صحافة أكثر تعبيرًا عن أماني وطموحات ومشاكل المواطنين، وتتحدث كثيرًا عن التنمية ومواجهة الفساد، ونشر الأخبار والتحقيقات والحوارات الثرية والموضوعية، والارتقاء بالمستوى المهني والعمل الواقعي للصحافة في بلادنا).

(إن الفرص مواتية وبشكلٍ حقيقيٍ من أجل أن تتبنى المؤسسات والمجالس الإعلامية ونقابة الصحفيين وغيرها من كليات الإعلام، وخبراء وأساتذة الإعلام في مصر ضرورة الاهتمام بالصحف الإقليمية بالمحافظات، ودعمها ماليًّا وفنيًّا وإداريًّا وسياسيًّا وإعلاميًّا من أجل إعلام مسئول اجتماعيًّا وإنسانيًّا عن صحافة حقيقية تعبِّر عن طموحات أهالينا في المحافظات، ومن أجل تطبيق ديمقراطية اللامركزية من أجل مستقبل أفضل لبلادنا) (انظر: "المسكوت عنه في المحليات" عبد الحميد كمال - من سلسلة: (كتاب سواسية) ط. 2018 م، ص 93 - 95).

أهمية الإذاعات الإقليمية:

إن (المتابع لمسيرة القنوات المحلية في بلادنا يدرك مدى أهمية تلك القنوات التلفزيونية المحلية باعتبارها نقلة حضارية ونوعية نحو إعلام جماهيري يهتم بأبناء تلك الأقاليم بطول البلاد وعرضها بالمحافظات)؛ ولهذا قامت الحكومة بحماس وهمة بإنشاء 6 قنوات محلية في الثمانينيات وبداية التسعينيات، ولكن (للأسف فإن الواقع من خلال ما يزيد عن ربع قرن من الزمن على إنشاء تلك القنوات كشف عن حجم المشاكل والتحديات التي واجهت تلك القنوات المحلية، وكلها ترجع إلى الإهمال وعدم المتابعة، وانعدام التقييم، وغياب السياسات الواضحة، والأسس والمعايير الصحيحة) (المصدر السابق، ص 98 - 99 بتصرف).

(إن التطوير الحقيقي لتلك القنوات يبدأ بدراسة موضوعية وتقييم أمين وعلمي حول عناصر القوة والضعف من أجل التطوير، وذلك بمشاركة الخبراء الوطنيين وأعضاء هيئات تدريس كليات الإعلام، ومن المسئولين عن تلك القنوات، ومن لهم خبرات في إدارتها مع مشاركة المجتمعات المحلية)، (وغني عن البيان تأكيد الدستور المصري والتشريعات على حق المواطن بأن يتلقى الخدمات الثقافية وكفالتها بالمجان، مع مراعاة الأقاليم الجغرافية وحق المعرفة والإعلام بشكل يساهم في التنمية) (المصدر السابق، ص 102 بتصرفٍ).

إن دعم هذه القنوات الإقليمية يعني زيادة تقديم خدمات للمحافظات التابعة لها، ويساهم في الكشف عن مواهب جديدة، ويفتح الأبواب أكثر لمناقشة القضايا الداخلية مما يقوي ويدعم الانتماء الوطني.

من مخاطر وكالات الأنباء العالمية:

وكالات الأنباء العالمية مؤسسات إعلامية الغرض منها تقديم الخدمة الإخبارية المجردة للصحف والإذاعات المرئية والمسموعة (انظر: "وكالات الأنباء: رؤية جديدة"، شفيق محمود عبد اللطيف - سلسلة كتابك رقم: 101 - دار المعارف، ص 55)، فوكالة الأنباء تتولى استقاء الأخبار من مصادرها الأساسية في مناطق متفرقة من العالم وتوزعها على الصحف والإذاعات المرئية والمسموعة بأجهزتها المختلفة، وتمثِّل الخدمة الإخبارية التي تقدمها وكالات الأنباء لأجهزة الإعلام والصحف 80 % على وجه التقدير، علاوة على التحقيقات والتسجيلات السياسية والصور من موقع الأحداث) (المصدر السابق، ص 10).

وأهم وكالات الأنباء العالمية: وكالة (أسوشيتدبرس) التي أنشأت عام 1892م بمدينة (إيلينوي) في أمريكا، ووكالة (يونايتديرس) التي تكونت من إدماج وكالتي (أنترناشيونال نيوز سرفيس) و(يونيتد برس أسوسيشن) عام 1958 م، وتتعدى الصحف المشتركة في هذه الوكالة ومحطات الإذاعة السبع آلاف، ووكالة (رويتر)، ووكالة (تاس)، ووكالة (الأنباء الفرنسية).

وهذه الوكالات الخمس تحتكر الخدمات الإعلامية في العالم كله، وذلك عن طريق شبكات هائلة ومتداخلة في أرجاء الكرة الأرضية (المصدر السابق، ص 11)، وهي تغطي 99 % من سكان العالم (المصدر السابق، ص 17).

ومما يؤخذ على هذه الوكالات:

1- أنها لا تهتم بأخبار بعض المناطق بدرجة كافية، خاصة في إفريقيا ودول العالم الثالث، فتترك في بعض المناطق مراسلين غير مؤهلين، أو مراسلين من أهل تلك المناطق والذين غالبا يخشون سطوة حكوماتهم.

2- تغلب على بعض وكالات الأنباء النزعة الوطنية المتحيزة للبلد الذي تنتمي إليه، ويبدو ذلك واضحًا في الوكالات التي تحصل على إعانات مالية من الدولة.

3- لا تخلو تفسيرات بعض هذه الوكالات من الغموض أو البعد عن الصواب، فقد يكتب كاتب غير متخصص في أبعاد صراع في منطقة، أو يكون الخبر في يد مَن لا يرغب في إظهار الصورة الحقيقية للحدث أو الخبر.

4- قد يفتقد الخبر الصدق نتيجة الرغبة في سرعة إرسال الخبر ولو غير مؤكد؛ لتحقيق السبق في ظل التنافس القوي بين وكالات الأنباء.

5- صعوبة التنسيق بين أخبار هذه الوكالات فهي تبعث سيلًا من البرقيات يصعب مع كثرتها تصنيفها لتشعب اتجاهاتها، مما يربك سير العمل في الأقسام الخارجية بالصحف.

6- لا يخلو الأمر من عيوب في ترجمة الأخبار من لغة إلى أخرى؛ مما قد يتسبب في إحداث أزمات سياسية إذا لم يتم التحري التام للبيانات والتصريحات التي يدلى بها المسئولون.

وقبل ذلك وبعده فمشكلة وكالات الأنباء تتمثل في:

أ- تسلط رأس المال وتحكمه في أسلوب الوكالة.

ب- محاولة الدولة إخضاع سياسة الوكالة لوجهة نظرها بوسائل خفية ومعلنة (راجع المصدر السابق، ص 55 - 58).

حكم وسائل الإعلام:

يتبيَّن لنا مما ذكرنا وبوضوح: أن وسائل الإعلام سلاح ذو حدين؛ إن استعملت في ما هو خير وصلاح فهي أداة بناء، وإن استعملت فيما هو شر وفساد؛ فهي أداة هدم. والوسائل المسموعة أو المرئية حكم ما يسمع منها أو يرى فيها هو نفسه حكم ما يسمع منها أو يرى؛ فما تعرضه ويحرم سماعه شرعًا هي به محرمة، وما تعرضه ويحرم رؤيته شرعا فهي به محرمة، وما يجوز سماعه أو رؤيته شرعًا فهو جائز. فوسائل الإعلام مهما اختلفت فغيبتها غيبة، ونميمتها نميمة، وبهتانها بهتان، وقذفها قذف، وسبابها سباب، وإثارتها إثارة، فلينظر مَن يطلع عليها على ماذا يرد ومما ينهل؟ وهل هو يقدم على شر أم على خير؟! قال -تعالى-: (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا . وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا) (الشمس:9-10)، والله (يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ) (غافر:19).

(فلا يختلف اثنان: أن هذه الوسائل المذكورة إن استخدمت في الخير، ونشر العلم، وتثبيت العقيدة الإسلامية، وتدعيم الأخلاق الفاضلة، وربط الجيل المسلم بأمجاده وتاريخه، وتوجيه الأمة إلى ما يصلحها في أمور دينها ودنياها، وتربية الأبناء على ما يقودهم نحو العز والمجد، لا يختلف اثنان في جواز استعمالها والاستفادة منها والاستماع إليها، أما إذا استعملت لأجل ترسيخ الفساد والانحراف، ونشر الميوعة والانحلال، وتحويل الجيل الحاضر من صغار وكبار وشباب وشابات إلى مبادئ غير إسلامية وأخلاق غير إسلامية وتوجيهات غير إسلامية، فلا يشك عاقل يؤمن بالله واليوم الآخر بحرمة استعمالها ووزر مَن ينظر أو يستمع إليها) (راجع في ذلك: "حكم الإسلام في وسائل الإعلام" عبد الله ناصح علوان - أستاذ الدراسات الإسلامية جامعة الملك عبد العزيز بجدة ط. دار السلام الثالثة 1983 م – 1403 هـ).

فليحذر مَن يشارك في وسائل الإعلام إعدادًا وتقديمًا مِن المشاركة في فسادها؛ فإن الله -تعالى- يقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (النور:19)، ويقول: (إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ) (النور:15).

وليحذر مَن يستمع لهذه الوسائل أو يشاهدها مِن مفاسدها، فإن الله -تعالى- يقول: (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) (النور:30).