الفساد (41) المتسربون من التعليم... مسئولية مَن؟ (1-2)

  • 373

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلا شك أن أطفال اليوم هم شباب المستقبل ورجاله؛ لذا فهم أهم ثرواتنا، ومن أخطر القضايا التي تتعرض لها بلادنا تسرب الأطفال من التعليم خلال فترة التعليم الأساسي قبل اكتساب مهارات الكتابة والقراءة، ومبادئ الحساب والعلوم الأساسية، وما يترتب على ذلك من آثار اقتصادية واجتماعية؛ خاصة في ظل التقدم العلمي والتكنولوجي وثورة المعلومات والاتصالات التي يتسم بها العصر.

لقد أدركت الدولة أهمية التعليم في سنوات الطفل المبكرة؛ إذ هو الركيزة التي يتسلح بها الفرد في مواجهة أعباء الحياة، والتقدم العلمي الكبير في شتى المجالات؛ لذا دمجت الدولة التعليم الابتدائي والإعدادي في مرحلة واحدة تحت اسم: (مرحلة التعليم الأساسي)، تمتد من العام السادس للطفل إلى العام الخامس عشر من عمره، وجعلتها مرحلة إلزامية، ويعاقب قانون التعليم رقم 139 لسنة 1981م والد الطفل أو المتولي أمره إذا تخلف الطفل أو أنقطع دون عذر مقبول عن المواظبة على الحضور إلى المدرسة، وتتعدد العقوبة بتكرار المخالفة، وللأسف لم يعرف هذا القانون طريقه إلى التطبيق الكامل بعد.

إن التعليم الأساسي في هذه الفترة المبكرة يوفِّر للطفل الحد الأدنى من الاتجاهات والمهارات والمعارف اللازمة للاستمرار في التعليم، وللارتفاع بمستوى الإنتاج وجودته ومستوى معيشة الأسر، فالتعليم في المدارس الابتدائية والإعدادية من العوامل الأساسية لتكوين الطفل وإكسابه المهارات، وتكملة دور الأسرة في التنشئة الاجتماعية؛ إذ لا يقتصر دور المدرسة على كونها مؤسسة تعليمية وتربوية فحسب، بل أصبحت أيضًا مؤسسة اجتماعية على جانبٍ كبيرٍ من الأهمية، ففقد دور المدرسة في حياة الطفل من خلال التسرب من التعليم في هذه المرحلة من أخطر المشكلات التي تواجه التعليم في مصر، وتنعكس آثارها السيئة على الطفل وأـسرته والمجتمع، بداية من زيادة نسبة الأمية ومرورًا بمشاكل ارتفاع نسبة عمالة الأطفال في السن المبكر وزيادة نسبة الانحراف السلوكي، وضعف المساهمة في التنمية.

وتشير الإحصائيات إلى ارتفاع نسبة التسرب من التعليم في مصر، ففي الوقت الذي يزيد فيه عدد التلاميذ في المدارس عن 17 مليون تلميذ، تشير البيانات الأولية لتعداد السكان لعام 2006م - 2007م أن نسبة المتسربين مِن التعليم الأساسي 37 و2 %، ونسبة مَن لم يلتحقوا بالتعليم 76و5 %.

وهذه ظاهرة يجب أن نهتم بها عند الحديث عن التعليم؛ لأنها تعني أن هناك قصورًا في التعليم الأساسي ينبغي الاهتمام به، والتعامل معه وعلاجه (راجع في ذلك: "المتسربون من التعليم: دراسة ميدانية"، إعداد: دعاء عبد العزيز أنور- الهيئة المصرية العامة للكتاب - ط. أولى 2017 م: ص 18، 22 - 23).

اهتمام الإسلام بالأطفال:

اهتم الإسلام بتربية الطفل اهتمامًا كبيرًا ابتداءً من حسن اختيار الزوجة الصالحة -أم المستقبل- المناسبة لهذه المسئولية وحسن اختيار اسم الطفل عند ولادته وإتمام إرضاعه عامين كاملين، إلى تأديبه وتنشئته على الصلاة والعمل الصالح، وحسن الخلق، وتحفيظه ما يقدر عليه من القرآن الكريم، وتعريفه بالرسول صلى الله عليه وسلم وهديه، مرورًا بالعناية به بدنيًّا وصحيًّا، وعاطفيًّا ونفسيًّا، وفكريًّا وعلميًّا من خلال أساليب تربوية عديدة يتبعها الوالدان والمربون.

وهذا باب واسع يؤكد لمن درسه وتأمله من خلال نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة عناية الإسلام الكبرى بالأطفال، وتحميله الوالدين والمربين ومن خلفهم المجتمع كله مسئولية ذلك، وإرشادهم إلى كيفية القيام بأعباء هذا الدور الخطير (راجع في ذلك: "منهج التربية النبوية للطفل"، تأليف: محمد نور سويد - دار الوفاء - المنصورة).

اهتمام الإسلام بتعليم الأطفال:

وفي مجال تعليم الطفل القراءة والكتابة، وأساسيات علوم العصر ومعارفه، نرى الاهتمام بذلك واضحًا في سنة النبي -صلى الله عليه وسلم- وعليه كان المسلمون من بعده جيلًا بعد جيل، ولا نكون مبالغين إذا قلنا: إنه لا يوجد في التاريخ دين مثل دين الإسلام حرص على تعليم أبنائه، ولا ننسى أن العرب في العهد النبوي كانوا أمة لا تقرأ ولا تكتب، ولا تهتم بذلك، فصاروا بعد الإسلام لهم السبق في العلوم، وقادة للحضارة البشرية لقرونٍ طويلةٍ لما حباهم الله -تعالى- بعد الدخول في الإسلام مِن حبِّ العلم والتعلم من الصغر.

والأمثلة على ذلك من السنة النبوية -وهي البداية- كثيرة، فمنها:

- ما رواه ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: "كَانَ نَاسٌ مِنَ الْأَسْرَى يَوْمَ بَدْرٍ (وهي أول غزوة في الإسلام حيث وقعت في السنة الثانية من الهجرة) لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِدَاءٌ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ-، فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلِّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ" ("رواه أحمد بسندٍ حسنٍ، وأخرجه الحاكم في مستدركه وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه، وأقره الذهبي". وانظر: المرجع السابق ط. دار الوفاء الرابعة 1413 هـ - 1993 م، ص 229).

- ما رواه أبو يعلى وابن عساكر عن زيد بن ثابت -رضي الله عنه- قال: "أتي بي النبي -صلى الله عليه وسلم- مقدمه المدينة، فقالوا: يا رسول الله هذا غلام من بني النجار، وقد قرأ مما أنزل عليك سبع عشرة سورة، فقرأت على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأعجبه ذلك، قال: يا زيد، تعلم لي كتاب يهود، فإني والله ما آمن يهود على كتابي، فتعلمته، فما مضي لي نصف شهر حتى حذقته، فكنت أكتب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إذا كتب، وأقرأ إذا كتبوا إليه. قال ابن عمر: وكان زيد بن ثابت يكتب الكتابين جميعًا: كتاب العربية، وكتاب العبرانية" (المصدر السابق: 231 - 232، 237).

وقد كان زيد من كُتَّاب الوحي، وهو الذي أشرف بعد ذلك على كتابة المصحف في عهد عثمان -رضي الله عنه-، وكان في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- العديد من صغار الصحابة وشبابهم يكتبون الوحي، ثم كتبوا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد ذلك، بعد أن أذن النبي -صلى الله عليه وسلم- لهم بكتابة أحاديثه.

- وعن عبد الله بن سلمة عن أبيه سلمة قال: "دفع إلي أبي بديل بن ورقاء كتابًا، فقال: يا بني هذا كتاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فاستوصوا به، فلن تزالوا بخير ما دام فيكم، فذكر الحديث... وفيه: أن الكتاب كان بخط علي بن أبي طالب".

- وكان سمرة بن جندب -رضي الله عنه- قد جمع أحاديث كثيرة في نسخة ورثها ابنه سليمان ورواها عنه.

- وعن مالك بن أنس -رضي الله عنه- قال: "قلتُ لأمي: أذهب فأكتب العلم؟ فقالت: تعالَ، فالبس ثياب العلم، فألبستني مسمرة ووضعت الطويلة على رأسي وعممتني فوقها، ثم قالت: اذهب فاكتب الآن" (المصدر السابق، 233 - 235).

ولما كثر خطأ أطفال المسلمين في قواعد اللغة العربية تنبه لذلك علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- وخاطب العلماء بتقعيد القواعد وتعليمها للأطفال خشية من استفحال عجمة اللسان، وقد قام بذلك أبو الأسود الدؤلي حيث قيَّد قواعد النحو بناءً على توجيهٍ مِن علي بن أبي طالب (المصدر السابق، 229 - 230).

- وكان الحسن بن علي يقول لبنيه وبني أخته: "تعلموا، فإنكم صغار قوم اليوم، وتكونون كبارهم غدًا، فمَن لم يحفظ منكم فليكتب".

- وكان عطاء بن أبي رباح يقول للغلمان: "اكتبوا فمَن لا يحسن كتبنا له، ومَن لم يكن معه قرطاس (أي ورق للكتابة) أعطيناه من عندنا" (المصدر السابق، ص 221).

ما المراد بالتسرب مِن التعليم؟

المراد بالتسرب هو: ترك التلميذ مقعد دراسته، وعدم العودة إليه، بخلاف الهروب فيقصد به تعمد التغيب عن المدرسة أثناء اليوم الدراسي دون علم أو إذن من المدرسة أو الوالدين.

ويمكن تقسيم التسرب من التعليم إلى نوعين:

أ- تسرب ناتج من عدم التحاق الطفل بالمدرسة الإلزامية.

ب- تسرب نتيجة انقطاع التلميذ عن الذهاب إلى المدرسة بعد قضاء عام أو أكثر في الدراسة، أي عدم الوصول إلى نهاية المرحلة الأساسية الإلزامية.

وهذا التسرب يزداد كلما ارتقينا في الصفوف الدراسية، فكلما ازداد تقدم الطفل في العمر زاد نمو جسمه؛ مما يساعده على التوجه إلى سوق العمل.

وهذا التسرب هو مصدر أساسي للأمية في البلاد، وهو أكثر في المناطق النائية والريفية عنه في المناطق الحضرية، وهو أكثر في القرى عنه في المدن، وأكثر في الأسر الفقيرة عنه في الأسر المقتدرة، وأكثر في الإناث عنه في الذكور.

ويختلف التسرب حسب ظروف كل منطقة اقتصاديًّا واجتماعيًّا، لكنه يتناسب عكسيًّا مع نضج الوعي التعليمي للمنطقة الموجودة فيها المدرسة.

العوامل التي تؤدي إلى التسرب من التعليم:

عوامل التسرب متعددة ومتشعبة، تتعلق بالأسرة برضاها أو باعتباره أمرًا واقعًا، وتتعلق بالمدرسة بضعف إمكانياتها وإدارتها، وبمناهجها الدراسية ومدرسيها، وتتعلق كذلك بالطفل نفسه.

أولًا: العوامل الأسرية وهي عديدة، منها:

1- تفكك الأسرة ووجود الخلافات العائلية.

2- تغيب الأب باستمرار عن المنزل، وعدم وجود الرقابة الواجبة على الطفل.

3- تردي أحوال الأسرة من حيث المستوى الثقافي والصحي، وعدم وعي الآباء وجهلهم بأهمية تعليم أبنائهم أو بأهمية استمرارهم في الدراسة.

ثانيًا: العوامل الاجتماعية وتتضمن أمورًا، منها:

1- العادات والتقاليد في بعض المناطق الريفية التي لا تتحمس لتعليم الفتاة أو ترفض اختلاط الفتاة بفتيان غرباء، أو تميل إلى تزويجها في سن مبكرة؛ وعليه لا تحرص على تعليمها، بل ترى أنها لا حاجة لها إليه.

2- افتقاد الاهتمام بأحوال الأبناء ومتابعتهم وتحفيزهم للتعلم، وبالتالي: فقد الأطفال للدافع والميل نحو التعليم.

ثالثًا: العوامل الاقتصادية:

وهي عوامل أساسية: كافتقاد القدرة على مصروفات التعليم ومستلزماته، ومِن أسباب ذلك:

1- انخفاض مستوى معيشة الأسرة، وضعف دخل ولي الأمر بدرجةٍ تدفعه إلى دفع الأبناء لسوق العمل من الصغر قبل استكمال تعليمهم الأساسي.

2- ارتفاع تكاليف التعليم بالنسبة للأسرة رغم كل قيل وما يُقال عن مجانية التعليم، خاصة مع انتشار الدروس الخصوصية خارج المدرسة والمجموعات داخل المدارس، وذلك في كل سنوات الدراسة بلا استثناء، خاصة مع كثرة عدد الأطفال داخل الأسرة.

رابعًا: العوامل التي تتعلق بالمدرسة والتدريس، ومنها:

1- افتقاد وجود مدارس ابتدائية أو إعدادية قريبة في بعض المناطق، أو عدم ملاءمة موقع المدرسة لذهاب الطفل الصغير وانتقاله إليها، وبالتالي حاجته للمساعدة اليومية ممَن يتولى أمره في ذلك أو تخصيص مَن يقوم بذلك، وما فيه مِن تكلفة ومشقة.

2- النقص في أعداد المدارس بالنسبة لأعداد التلاميذ الكبيرة، ونقص الخدمات بها، وقلة عدد الفصول فيها، وبالتالي ارتفاع الكثافة فيها، وكثرة الحصص، وقلة فترات الراحة بينها، وافتقاد الأنشطة التكميلية الثقافية والرياضية، وبالتالي افتقاد التلاميذ للراحة البدنية والنفسية فيها، وافتقادهم الاستفادة المرجوة منها.

3- عدم صلاحية بعض المباني المدرسية للعملية التعليمية؛ مما يتسبب في التعب والإجهاد للتلاميذ.

4- قصور مناهج التدريس وافتقارها إلى التشويق والجذب، ونقص الكتب الدراسية أو تأخر استلامها، وضعف الكفاءة العلمية والتربوية في التدريس، واعتماد التعليم على النواحي النظرية لا العملية والتلقين والحفظ لا الممارسة والتجربة العملية.

5- عدم توافق المواد الدراسية مع سوق العمل واحتياجاته.

وبالنسبة للإدارة التعليمية فهناك:

1- نقص في أعداد المدرسين خاصة في بعض التخصصات.

2- عدم القدرة على تطبيق قوانين إلزام أولياء الأمور بتعليم أبنائهم التعليم الأساسي، والعجز عن متابعة التلاميذ ومشكلاتهم، وضعف شعور الآباء خاصة في الأسر الفقيرة بجدية الدراسة في التعليم الأساسي وأهميتها لأبنائهم.

3- افتقاد دور المختصين الاجتماعيين بالمدارس على أهميته في التعامل مع التلاميذ أصحاب المشاكل الاجتماعية والأسرية، والتعامل مع أي بوادر ومظاهر لانحرافاتٍ سلوكيةٍ مبكرةٍ، بالتعاون والمشاركة مع المعلمين في الفصول، وأولياء الأمور في البيوت.

4- انحصار أساليب الامتحانات على قياس الجانب المعرفي النظري المرتبط بالحفظ والتذكر، وغياب الجانب المهاري والعملي والابتكاري.

5- تخلف طرق التدريس التقليدية المستخدمة من معلمين غالبهم غير مؤهل لمهمته التعليمية والتربوية، إلى جانب نقص التدريب والتطوير والتحسين لقدرات المعلمين وعدم تحسين أحوالهم المعيشية، وهذا بالطبع له تأثيره وانعكاساته السلبية الظاهرة على العملية التعليمية وعلى التلاميذ.

6- عدم قدرة المدرسة على إشباع احتياجات الأطفال ورغباتهم، خاصة مع فقد الأنشطة الرياضية والاجتماعية، فيجلس التلميذ بجوار آخرين لا تربطه بهم أي صلة إيجابية.

لقد أصبحت المدرسة قوة طرد لا جذب للتلاميذ! لسوء التقويم والمتابعة، وصعوبة المناهج وفهمها على الكثيرين منهم.

خامسًا: العوامل التي تتعلق بالتلميذ:

وهي عوامل لها أثرها الكبير في التسرب، منها:

1- الظروف الشخصية والدراسية والنفسية والعقلية للتلميذ، فضعف التحصيل أو ضعف مستوى الذكاء وتكرر الفشل والرسوب يولِّد لدى التلميذ الرغبة في عدم الاستمرار في العملية التعليمية.

2- قلة العناية بإعداد الطفل إعدادًا ملائمًا في الفترة التي تسبق دخوله المرحلة الابتدائية؛ مما يترتب عليه وجود صعوبة في التعلم والوقوع في التسرب من التعليم.

3- عدم مراعاة الفوارق الفردية بين التلاميذ خاصة في فرض الواجبات المنزلية الكثيرة عليهم.

4- عدم إشعار التلاميذ بقيمة ما يتعلمونه، وعدم إدراكهم بأهمية الحياة المدرسية وتحبيبهم فيها.

5- الشعور بسوء المعاملة من المدرسين أو الزملاء، بل وكراهية بعض المواد الدراسية المقررة.

6- الانجذاب للبيئة الجاذبة خارج المدرسة: كالسيبر، والكافيتيريا والمقاهي التي تجذب هذه النوعية من التلاميذ، والتي تشجِّع التلميذ على الهروب من المدرسة.

7- عدم قدرة المعلم على توصيل المواد الدراسية للتلاميذ بيسر عبر وسائل التدريس القديمة التقليدية.

8- كثرة الرسوب.

9- استخدام المعلمين للعقاب بأشكاله المختلفة.

10- كره التلميذ لبعض المعلمين في المدرسة.

11- عدم تقبل بعض المعلمين للتلميذ لضعفه الدراسي.

12- عدم شعور التلميذ بتشجيع وحرص والديه أو ولي أمره على إكمال دراسته.

13- عدم تلبية البيئة المدرسية لاحتياجات التلميذ ومتطلباته (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 75 – 81).

احتياجات الأطفال من التعليم:

تقوم حياة الإنسان على إشباع الحاجات المختلفة الفسيولوجية والسيكولوجية لديه، فلا ينمو الإنسان نموًّا سليمًا دون إشباعها، ونقص هذا الإشباع يوقع الإنسان في التوتر والضيق الذي يزول بإشباع تلك الاحتياجات، ويمر التلاميذ خلال فتراتهم التعليمية باحتياجاتٍ متعددةٍ، منها: ما يحملونها معهم إلى مدارسهم، ومنها ما يظهر خلال دراستهم، والمتوقع: أن تساهِم المؤسسة التعليمية في إشباع هذه الاحتياجات.

ومن هذه الاحتياجات:

1- الاحتياجات الاجتماعية: وتتمثل في تحقيق الذات والانتماء إلى جماعة، والتوافق مع المجتمع، واكتساب القدرة على الإنجاز، وتحقيق تلك الحاجات الاجتماعية تنشأ من خلال العلاقات الاجتماعية بالآخرين والتعايش معهم، ومن خلال الانضمام إلى جماعة من أفراد يشاركونه في صفاته وعواطفه من حيث الميول والعواطف والأهواء، ويجمع بينه وبينهم رباط متين، ومن خلال بيئة اجتماعية ووسط يسعد بالتواجد فيه، ويحقق حاجاته الاجتماعية.

ويتعارض مع تحقيق تلك الاحتياجات بالنسبة للمتسربين من التعليم: ضعف علاقة المتسرب مع أفراد أسرته، أو مع زملائه وأقرانه، وبالتالي عدم القدرة على التكيف الاجتماعي مع الآخرين.

2- الاحتياجات النفسية: وتتمثل في الشعور بالأمن والطمأنينة والتقدير والحرية وحب الاستطلاع أي الحاجة إلى تقدير الذات واحترامها، والحاجة إلى الاستقلالية وحرية الاختيار دون قيود صارمة مما يتحقق معه الانسجام مع المجتمع والآخرين.

3- الاحتياجات التعليمية: وتتمثل في الهدف المشترك بيت التلميذ والمدرسة والمجتمع، بتحقيق أفضل استفادة ممكنة من فرص التعليم والتربية، وهذا يتطلب توفير المكان المناسب لتعليم التلميذ، ومستوى تعليم يوافق تكوين التلميذ واحتياجاته.

4- الاحتياجات الصحية: فالقدرة على التركيز والانتباه في الأنشطة التعليمية المختلفة تتطلب صحة البدن ونشاطه وحيويته وخلوه من الأمراض. وهذا يتطلب: التغذية السليمة، والوجبات الغذائية المتكاملة، وتنظيم مواعيد ذلك الغذاء وكميته ونوعيته، وعدم إشباع تلك الاحتياجات يؤثِّر على قدرات التلميذ: العقلية والتعليمية والاجتماعية.

5- الاحتياجات الترويحية: وتتمثل في ممارسة أنشطة أو هوايات يرغب فيها التلميذ ويميل إليها بصورة فردية أو جماعية.

6- الاحتياجات الاقتصادية: وتتمثل فيما يتطلبه التحصيل الدراسي من إمكانيات مادية: كتوفير المسكن الملائم، والملبس المناسب، ووسيلة الانتقال إلى ومِن المدرسة بدون إجهاد أو مشقة.

7- الاحتياج إلى تعلم المعايير السلوكية: يحتاج التلميذ إلى مَن يعلمه حقوقه وواجباته، ما له وما عليه، وما يجب أن يفعله وما لا ينبغي أن يفعله. وهذه المعايير يتم تعلمها من خلال الذين يشرفون على تنشئته الاجتماعية في الأسرة والمدرسة، وكذلك وسائل الإعلام، في جوٍّ من الحرية والصبر والتفهم للدور المطلوب، وللمدرسة دورها في إشباع هذه الحاجة، وتعليمه هذه المعايير السلوكية (راجع المصدر السابق، ص 81 - 86).

مشاكل المتسربين المتعلقة بالعملية التعليمية عديدة، ومنها:

1- المشكلة الاقتصادية: يُعد العامل الاقتصادي السبب الأكبر لعدم الاستمرار في الدراسة، فتكاليف الدراسة من مصروفات ودروس خصوصية عائق من جهة، وتحول المتسرب من التعليم إلى مصدر رزق للأسرة دافع من جهة أخرى، فالمتسرب ضحية لهذه الازدواجية والأسرة تساهم فيها.

2 – المشاكل الاجتماعية: وهي متعددة، وترجع إلى أسرة الطفل المتسرب، ومنها:

1- اضطراب العلاقات الاجتماعية بين أفراد أسرة المتسرب بعضهم مع بعض.

2- عدم قدرة الأسرة على القيام بمتطلبات الطفل وتعليمه، وهذا يدفع التلميذ إلى تعمد الانقطاع عن المدرسة؛ منعًا لإحراج أسرته.

3- ضعف الرقابة على الطفل بسبب ثقة الوالدين المفرطة بالطفل أو إهمال الوالدين له، أو بسبب انشغالهما عنه.

4- ملازمة أصدقاء السوء، وما يقدِّمونه للطفل من مغريات تدفعه لمجاراتهم والانصياع لرغباتهم.

5- الاستهانة بأهمية العلم والتعلم.

6- فقد مَن يقدمون الإرشاد والتوجيه التربوي والاجتماعي.

3- مشاكل الذاكرة:

فتكرار الرسوب وعدم القدرة على النجاح يسبب الشعور بالفشل في الحياة أو الشعور بالإحباط، وبالتالي الانفصال عن ميدان الدراسة.

4- مشاكل صحية:

فالمتسرب بسبب فقر الأسرة يعاني من نقص التغذية المطلوبة لتلبية حاجات جسمه للنمو بشكل طبيعي، مما يؤدي إلى العديد من المشكلات الصحية، وقد يسبب نقص أو سوء التغذية تغيرات في الجهاز العصبي المركزي يترتب عليها انخفاض مستوى الذكاء والانفعال.

5- مشاكل نفسية:

ففقد الجو العاطفي والانفعالي السليم الذي يدعم نمو شخصية الطفل ويحدد شخصيته من خلال تهيئة مناسبة من المربين في المنزل والمدرسة، والخبرات الانفعالية الخاصة بالطفل لها أهميتها في تحديد سمات شخصيته، وتلعب المدرسة كبيئةٍ اجتماعيةٍ دورًا كبيرًا في ذلك يفتقده الطفل بالانقطاع عن الدراسة.

ويترتب على ذلك أمور، منها:

1- تكون تركيبة نفسية غير سوية للتلميذ، والشعور بعدم التساوي مع الأقران، وتفضيل البعد عنهم والانعزال، وبالتالي عدم القدرة على التكيف الاجتماعي.

2- فقد الدافع للتعلم والاتجاه إلى سوق العمل مبكرًا بدون مهارات أو قدرات.

3- فقد الشعور بالتقدير والاحترام.