أهمية الأدب وشدة الحاجة إليه

كتبه/ خالد أبو الدرداء

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فأدب الظاهر عنوان أدب الباطن، وحركات الجوارح ثمرات الخواطر، والسلوك مرآة الفكر، قال العلماء: "مَن قعد به حسبه، نهض به أدبه".

قال ابن القيم -رحمه الله-: "أدب المرء عنوان سعادته وفلاحه، وقلة أدبه عنوان شقاوته وبواره، فما استجلب خير الدنيا والآخرة بمثل الأدب، ولا استجلب حرمانهما بمثل قلة الأدب، فانظر إلى الأدب مع الوالدين كيف نجى صاحبه من حبس الغار حين أطبقت عليهم الصخرة، والإخلال به مع الأم -تأويلًا وإقبالًا على الصلاة- كيف امتحن صاحبه بهدم صومعته، وضرب الناس له ورميه بالفاحشة!".

وقال أيضًا: "وانظر إلى أدب الصديق -رضي الله عنه- مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في الصلاة أن يتقدم بين يديه، فقال: ما كان ينبغي لابن أبى قحافة أن يتقدم بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ كيف أورثه هذا الأدب مقامه -صلى الله عليه وسلم- والإمامة بعده!".

اهتمام السلف بالأدب: اهتم سلفنا الصالح اهتمامًا بالغًا بالأدب، فمن مظاهر هذا الاهتمام: أنهم أدخلوا كتاب الأدب في مصنفاتهم "الجوامع"، ومنهم مَن أفرده بالتصنيف: كفعل البخاري في "الأدب المفرد"، والخطيب البغدادي في "الجامع"، وابن جماعة في "التذكرة"، وصنف ابن مفلح كتابه: "الآداب الشرعية والمنح المرعية"، وكان تأديب الأولاد وظيفة تخصصية يباشرها المتأهلون لها، حتى كان يلقب الإمام ابن أبىِ الدنيا: "بمؤدب أولاد الخلفاء"، وقد ذكر الأصفهاني أن المنصور بعث إلى مَن في الحبس من بني أُمية يقول لهم: "ما أشد ما مرَّ بكم في هذا الحبس؟" فقالوا: "ما فقدنا من تربية أولادنا".

قال أحد السلف لابنه: "يا بُنىِ اجعل عملك مِلحًا وأدبَك دقيقًا"، أي: استكثر من الأدب حتى تكون نسبته في سلوكك من حيث الكثرة كنسبة الدقيق إلى المِلْح الذي يُوضع فِيه.

وقال مخلد بن الحسين لابن المبارك: "نحن إلى كثيرٍ مِن الأدب أحوج منا إلى كثيرٍ مِن الحديث"، وقال الإمام مالك لفتى من قريش: "يا ابن أخي، تعلم الأدب قبل أن تتعلم العلم"، وقال أحدهم لابنه: "يابُنىِ لأن تتعلم بابًا من الأدب أحبٌّ إلىَّ من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم"، وقال أحدهم: "كنا نجتمع في مجلس الإمام أحمد قرابة خمسة آلاف أو يزيدون، أقل من خمسمائة يكتبون والباقي يتعلمون منه حُسن الأدب وحُسْنَ السمت".

- كان الحافظ ابن وارة -من علماء الحديث- وكان فيه زَهْوٌ وخيلاء، فحضر مجلس أبىِ كُرَيب فقال له: "ألم يبلغك خبري؟ ألم يأتك نبئي؟ أنا ذو الرحلتين، أنا محمد بن مسلم بن وارة" فقال أبو كُرَيب: "وارة؟ وما وارة؟ وما أدراك ما وارة؟ قم فوالله لا حدثتك ولا حدثت قومًا أنت فيهم".

- ودخل ابن وارة على الإمام الشاذكوني -أحد أئمة الحديث- فأخذ يتقعر في كلامه، فسأله الشاذكوني: مِن أي بلدٍ أنت؟ فقال: مِن أهل الري، ألم يأتك خبري؟ ألم تسمع بنبئي؟ أنا ذو الرحلتين، فسأله الشاذكوني: من رَوى حديث: "إن من الشعر حكمة"؟ فقال: "حدثني به بعض أصحابنا أبو نعيم وقَبيصة"، فأمر به الشاذكوني فضرب خمسين سوطًا ثم قال له: "فلا آمن أن تخرج من عندي وتقول: حدثني بعض غلماننا" (اهـ بتصرف يسير من كتاب: "حرمة أهل العلم" لشيخنا محمد بن إسماعيل المقدم -حفظه الله-).