سقوط ما بعده سقوط!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

‏فتمييع الاعتقاد لا يأتي بخير، ويعقبه سقوط ما بعده سقوط، والأمم التي قبلنا ما سقطت بسبب قصور عمراني أو صناعي، لكن سقطت لما تخلت عن عقيدتها وحادت عن منهج الرسل والأنبياء، فلا صلاح للبشرية ولا سعادة إلا بالوحي، والاستقامة عليه والاعتصام به.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-: "إن السعادة والهدى في متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وإن الضلال والشقاء في مخالفته".

وقال أيضًا: "سعادة العباد في معاشهم ومعادهم باتباع الرسالة التي هي من عند الله -عز وجل-، والرسالة ضرورية للعباد لا بد لهم منها وحاجتهم إليها فوق حاجتهم إلى كل شيء، الرسالة هي روح العالم ونوره وحياته، فأي صلاح للعالم إذا عدم الروح والحياة والنور؟!".

للأسف أصبحنا نعيش في عالم يتفاخر بالتخلي عن منهج الرسل وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعًا!

حراسة الهويةُ الإسلاميةُ "وخصوصًا عند الشباب" هي بمثابة حائط الصد أمام تلك الحملات المسعورة والمتكررة، بل وهي مهمةٌ تحتاجُ إلى يقظةٍ وعدم غفلة، واستمرارٍ، وعدم يأس.

خصوصًا ونحن نرى بكل وضوحٍ أن البعض يعمل جاهِدًا على عدم استيقاظ الأمة، وهم مِن جلدتنا ويتكلمون بأَلسِنَتِنا! بل وتراهم يحاربون بالوكالة عن الحضارة الغربية كأنهم لا يعيشون معنا في واقعنا!

ألا يَرَوْنَ ماذا صنعت الحضارة الغربية في العراق وأفغانستان وفي سوريا؟!

أليستْ هذه هي الحضارة الغربية في أوضح صورة؟! ولكن: (فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (الحج:46).

والغريب في الأمر: أن الكل يعلم تاريخ الغرب والحضارة الغربية، وطريقتهم في هدم المجتمعات وتذويب الهويات؛ فتاريخهم أكبرُ دليلٍ على مدى انحطاطِهم ومكرهِم، وكيدهم لهذه الأمة!

ونحن -والحمد لله- على علمٍ ويقينٍ تامٍّ بخبثهم؛ ولِمَ لا، وقد أخبرنا العليمُ الخبيرُ بذلك في كتابه، فقال: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) (البقرة:217)؟!

ومِن أساليبهم الماكرة ما يشهد به لسان حالهم الذي يقول: "إذا أردتَ أن تقضي على مجتمع وهويته؛ فافتح لهم جامعة بثقافتنا وتقاليدنا!"، وأوضح مثالٍ على هذا: ما فعله اليهودُ عندما أقاموا جامعة "برنام"، فقد قالوا: "اليومَ أصبح لنا دولة!"؛ لأنها فُتحت وَفْقَ هُويتهم وثقافتهم!

وإن كان الاحتلال الغربي للمجتمعات العربية والإسلامية تراجع بسلاحه ودباباته، لكنه لا يزال متغلغلًا ومتمكنًا بفكره وثقافته وأجنداته، وعملائه ووكلائه في عصب المجتمعات العربية الإسلامية، فكما قدَّمنا أولَ كلامنا أن مِن المعلوم أن الحرب الفكرية والثقافية أشدُّ ضراوة وأكبر تأثيرًا مِن الحروب العسكرية، بل الحرب بالسلاح والدبابات تُولِّدُ رُوحَ المقاومةِ والتحدي والاعتزاز بما عند الشعوب مِن هُوية وثقافةٍ، والواقعُ يشهدُ بِذلِكَ، بخلاف الغزو الفكري والمناهج المستوردة التي يصفِّق لها الكثير؛ فهي أشدُّ تأثيرًا في تغيير المجتمعات مِن الحروب العسكرية!

كما لا يخفى على كل لبيب أن انتصار الأمة في ماضيها كان منطلقًا مِن هويتها؛ حيث انصبغت شخصية المسلم آنذاك بالاعتزاز بعقيدتها التي منبعها الوحي المنزَّل، فكان النصر حليفهم في كل ميدان، بل العجيب صنيع الغرب نفسه وتمسكهم بهويتهَم ومعتقداتهم.

قال "هتلر" يومًا: "كلما أسمع كلمة (ثقافة) كنت أتحسس مسدسي!"، وكأنه يقول تحدثوا معي عن الحرب بكل أريحية، ولكن لن أقبل الحديث عن تغيير ثقافتي وهويتي.

وللأسف.... العرب تهوي سفينتهم إلى القاع منذ زمنٍ، وهم في لهوهم وغيهم يلعبون!

وأصبح الكثير منهم مثل الطائر الذي يبيض في غير عشه، وكل سعيهم البعيد عن الوحي وهويتهم وشريعتهم، مثل الحمل خارج الرحم مهما كبر فهو سقط!

لذلك؛ فإن النصر الحقيقي الذي ننطلق به مِن هويتنا، ورسالة السماء التي أُنزلتْ علينا واختصنا الله بها هو ما لَخَّصَه أمير المؤمنين عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- في مقولته: "إنَّا كنَّا أذلَّ قوم فأَعزنا الله بهذا الدين، فمهما ابتغينا العزةَ في غيره أذلنا الله".

فالحفاظ علي الهوية مقدم على كل شيء والمخرجُ مما فيه الأمةُ الآن هو كما في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمُ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)؛ وهذا يحتاج إلى الاستسلام للشرع، والاستعداد لقبوله والعمل به؛ إذ لا حياةَ ولا كرامة، ولا نصرَ إلا مِن خلاله: (ثُمَّ جَعَلْنَاكَ عَلَى شَرِيعَةٍ مِّنَ الأَمْرِ فَاتَّبِعْهَا وَلا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ) (الجاثية:18)، وقال -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16).

ولن تعود الأمة والمقدسات إلا إذا حققنا ما في الحديث: (حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ)، والطريق يبدأ بعودتنا لديننا، والانتصار على أعدائنا والحضارة الغربية يكمن في استقامتنا، وعودتنا إلى شريعتنا؛ فإذا استطعنا أن نحوِّل شريعتنا وهويتنا إلى واقعٍ ملموس، وإيجاد جيل يتحمل ويعتز ويعمل لهذا الدين العظيم؛ كان النصرُ حليفَنا، ولا شك في ذلك.

لكن المهم أن نبدأ، وأن يوجد مَن يبدأ!

نعم الطريق طويل... وأنا أقول: سيزداد طوله؛ إن لم نبدأ ونتحرك الآن.

وليعلم الجميع: أن العمل اليوم رغم مرارة الواقع، وكثرة تحدياته، وتفاقم أزماته، وكثرة وسائل الباطل وأدواته؛ إنما هو بمثابة بداية حياة وأمل للأجيال القادمة، وفي الحقيقة الشباب هم عماد الأمة ووقودها، وعلى كواهلهم تحمل الأمة وبهم تنتصر؛ لذلك كان مِن الطبيعي لأعداء الأمة وأذنابهم أن يوجِّهوا سهامهم إليهم؛ ليبعدوهم عن التفكير في نصرة أمتهم ليسلكوا سُبُل الغواية!

قتلوهم، ولكن ليس بالسلاح، بل بالتبعية والهزيمة النفسية، وفتحوا عليهم أبواب الشهوات والشبهات، والفواحش والرذائل، وللأسف هناك مِن شبابنا مَن لعب به الهوى، وتمكنت منه الشهوات؛ فأصبح غارقًا لا يفكر، أعمى لا يبصر، أصم لا يسمع؛ إلا ما يوافق هواه!

ونسي ما قاله الله -سبحانه وتعالى-: (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ) (الزخرف:36)، وقوله -عز وجل-: (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ) (الأنعام:44)، وقوله -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا) (النساء:66).

فيا شباب... أنتم الأمل، واستقامتكم لها ما بعدها؛ فلا تعينوا أعداءكم بمعاصيكم وذنوبكم، ولكن اجتهدوا للعمل بالمستطاع والممكن، وعندها يأتي الفرج، قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت:69).

ولنا أمل.