من أخلاق السلف (1)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

 فإن من أهم ما يبادر به اللبيب شرخ شبابه، ويدئب نفسه في تحصيله واكتسابه، حسن الأدب الذي شهد الشرع والعقل بفضله، واتفقت الآراء والألسنة على شكر أهله.

وإن أحق الناس بهذه الخصلة الجميلة، وأولاهم بحيازة هذه المرتبة الجليلة، طلاب العلم الشرعي.

قال ابن سيرين: "كانوا يتعلمون الهدي كما يتعلمون العلم".

وقال حبيب بن الشهيد لابنه: "لابنه: يا بني! اصحب الفقهاء والعلماء، وخذ من أدبهم، فإن ذلك أحب إلي من كثير من الحديث".

وقال بعضهم لابنه: "يا بني! لأن تتعلم بابًا من الأدب أحب إلي من أن تتعلم سبعين بابًا من أبواب العلم".

وقال الله -عز وجل- مادحًا نبيه -صلى الله عليه وسلم-: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ) (القلم:4)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ صَالِحَ الْأَخْلَاقِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقد ندبنا الله -عز وجل- إلى الاقتداء برسوله -صلى الله عليه وسلم-، فقال -تعالى-: (لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا) (الأحزاب:21).

فاقتدى السلف الصالح -رضي الله عنهم- برسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتخلقوا بأخلاقه، وامتثلوا ما أمرهم به، وانتهوا عما نهاهم عنه، وكانوا كما قال الله -عز وجل-: (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ) (آل عمران:110).

قال الإمام مالك -رحمه الله-: "بلغني أن النصارى كانوا إذا رأوا الصحابة الذين فتحوا الشام، قالوا: والله لهؤلاء خير من الحواريين فيما بلغنا".

ولما بُعد العهد بزمن النبوة، وغابت شمس الشريعة، وتشاغل الناس بأمور الدنيا، اندرس كثير من الأخلاق التي نشأ عليها الصدر الأول من هذه الأمة المشرفة، عمدنا إلى اختصار ما جمعه أحد العلماء المتأخرين في بيان أخلاق السلف -رضي الله عنهم-، وتحليته بالآيات والأحاديث المناسبة، وتخليته من الأخبار الواهية والحكايات الموضوعة، راجين أن ينتفع المسلمون بما تضمنه من خير، وأن نجنبهم ما فيه شر.

والله أسأل أن ينفع به مَن انتهى إليه، وأن يجعله له غنمًا لا غرمًا، وأن يوفق ناقله وناشره وقارئه إلى العمل بما فيه، والله عند قصد كل عبد ونيته، وهو مولانا ونعم النصير.

1- مِن أخلاق السلف -رضي الله عنهم-:

كثرة إخلاصهم في علمهم وعملهم، وخوفهم من دخول الرياء في ذلك.

قال الله -تعالى-: (أَلَا لِلَّهِ الدِّينُ الْخَالِصُ) (الزمر:3).

وقال النبي صلى الله عليه وسلم: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنَ الْعَمَلِ إِلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا، وَابْتُغِيَ بِهِ وَجْهُهُ) (رواه النسائي، وقال الألباني: حسن صحيح).

كان إبراهيم التيمي يقول: "المخلص مَن يكتم حسناته كما يكتم سيئاته".

وكان الشعبي -رحمه الله- يقول: "من أدب العلماء إذا علموا أن يعملوا، فإذا عملوا شغلوا بذلك عن الناس، فإذا شغلوا فقدوا، وإذا فقدوا طلبوا، وإذا طلبوا هربوا، خوفًا على دينهم من الفتن".

وكان الفضيل بن عياض -رحمه الله- يقول: "إذا رأيتم العالم أو العابد ينشرح لذكره بالصلاح عند الأمراء وأبناء الدنيا؛ فاعلموا أنه مراء".

وذلك لأن الإخلاص هو أن يبتغي العبد بعلمه وعمله ما عند الله -عز وجل-، فانشراح صدره للثناء أو عند اطلاع الناس على عمله من علامات الرياء الخفي، والسلف كانوا يعدون الرياء أكبر من الكبائر؛ لأنه الشرك الأصغر، والشرك أكبر من الكبائر.

ففتش يا أخي في نفسك وفي علمك وعملك، وابكِ عليها إن رأيت فيها رياءً أو سمعة، فإنه مَن راءى راءى الله به، ومَن سَمَّع سمَّع الله به.

نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.