نيل الأماني في ظلال السبع المثاني (5)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

(الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ):  

وهنا سؤال: لماذا كرر قوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ) في آية مستقلة بعد قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)؟

والجواب: أن عبارات المفسرين اختلفت في ذلك، فمنهم مَن قال: كُررت للتأكيد، ولكننا سنذكر ثلاث فوائد لهذا التكرار؛ لنعلم قوة المناسبة بين هذه الآية وما قبلها، وأن الأمر ليس لمجرد التأكيد.

الفائدة الأولى: أنه لما كان معنى قوله: (الْحَمْدُ لِلَّهِ) هو: احمدوا الله حق حمده، وكان العباد عاجزين عن أن يوفوا ربهم حقه في الحمد؛ أتبع ذلك بقوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، ومِن مقتضيات رحمته أن يقبل من العمل اليسير ويجازي عليه الكثير، فيقبل مِن عبده أن يقول بقلبه ولسانه: "الحمد لله"، ويكون ذلك عند الله خيرًا مما أنعم الله به على الإنسان، بل ان توفيقه للحمد نعمة تحتاج الى حمد؛ فكيف سيوفي ربه حقه إن لم يقبله منه الرحمن الرحيم برحمته وفضله، وعفوه وتجاوزه.

الفائدة الثانية: أنه لما كان قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ) فيه مِن معاني الهيمنة وشدة البطش ما فيه، فهو -سبحانه- لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون، يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء؛ إذ هو رب العالمين؛ لما كان الأمر كذلك أتبع ذلك بقوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ ليعلم العبد أن تلك الهيمنة والكبرياء تصاحبها رحمة متناهية قد وسعت كل شيء، وبذلك يحيا العبد بين الخوف والرجاء.

قال القرطبي -رحمه الله-: "وإنما جاء بقوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)، بعد قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ)؛ لأنه لما كان اتصافه برب العالمين ترهيبًا، قرنه بالرحمن الرحيم؛ لما تضمنته مِن الترغيب، فجمع في صفاته بين الرغبة فيه والرهبة منه، فيكون أعون على طاعته وأمنع من معصيته"، وهذا كقوله -تعالى-: (نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ) (الحجر:49-50)، وفي الحديث الصحيح: (لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الْعُقُوبَةِ مَا طَمِعَ بِجَنَّتِهِ أَحَدٌ، وَلَوْ يَعْلَمُ الْكَافِرُ مَا عِنْدَ اللهِ مِنَ الرَّحْمَةِ مَا قَنَطَ مِنْ جَنَّتِهِ أَحَدٌ) (رواه مسلم).

الفائدة الثالثة: أنه لما كان قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ): فيه من معاني الرحمة والبر الشيء الكثير مِن رعاية لأحوالهم وتدبير لشئونهم، وإيداع السكينة قلوبهم؛ أتبع ذلك بقوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ ليعلم العباد أن هذه الرحمات وتلك الألطاف وهذه النعم، لم تكن عن رغبة في شيء يحتاجه الرب من عباده؛ فهو الغني وهم الفقراء، ولم تكن عن رهبة منهم؛ إذ هو القوي وهم الضعفاء، بل تلك النعم والرحمات محض فضل منه ورحمة، ولم يوجب ذلك أحد عليه، بل فعل ذلك بهم؛ لأنه رحمن رحيم.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.