الخواتيم!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فقد خلق الله الإنسان، وخلق له إرادة ومشيئة بها يقع اختياره وفعله، وعلى فعله واختياره يحاسب.

ووضح الله -تعالى- للإنسان طريق الحق حتى يسلكه، وطرق الباطل ليجتنبها، قال -تعالى-: (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ) (البلد:10)، أي: بيَّنا له طريق الخير وطريق الشر، فحاجة الإنسان إلى معرفة الطريقين أشد من حاجته إلى الهواء الذي يتنفسه.

وجعل الله الهدى، كل الهدى، والطمأنينة والراحة، في اتباع رسله ومنهجه: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى . وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) (طه:123-124)، فاتباع الرسول هو الهدى والرشاد، والفوز والنجاة.

وتنكب طريق الله والبعد عنه سبب الضلال والهلاك: (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (فصلت:17).

ويموت الإنسان غالبًا على ما عاش عليه وتعلق قلبه به، فإن تعلق قلبه بأعمال الإيمان مات عليها، وإن تعلق قلبه بالدنيا والشهوات مات غالبًا على ما تعلق قلبه به، قال الله -تعالى-: (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ) (إبراهيم:27).

وإذا مات الإنسان فلا عودة ولا رجعة إلى الدنيا، ولا ينفع الندم على شيء: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ . لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ . فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ . فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ . وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ . تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ) (المؤمنون:99-104).

ويبعث المرء على ما مات عليه، فَعَنْ جَابِرٍ -رضي الله عنه- قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- يَقُولُ: (يُبْعَثُ كُلُّ عَبْدٍ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ) (رواه مسلم).

وهكذا كانت خواتيم الناس على ما كانوا عليه في الدنيا غالبًا، فعامر بن عبد الله بن الزبير في مرض موته لما سمع الأذان وكان قد اشتد عليه المرض، قال لأبنائه: "احملوني إلى المسجد، قالوا: إنك معذور، قال: والله، إني لأستحيي أن أسمع منادي الله ينادي ولا أجيبه!"، فحملوه وصُفَّ مع المصلين، ولما ركع الإمام وركع معه، فاضت روحه إلى بارئها -تعالى-.

وعن أبي جعفر التستري قال: حضرنا أبا زرعة الرازي وكان في السَّوق، وعنده أبو حاتم، ومحمد بن مسلم، والمنذر بن شاذان، وجماعة من العلماء، فذكروا حديث التلقين، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَقِّنُوا مَوْتَاكُمْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ) (رواه مسلم)، قال: فاستحيوا من أبي زرعة، وهابوا أن يلقنوه، فقالوا: تعالوا نذكر الحديث. فقال محمد بن مسلم: حدثنا الضحاك بن مخلد، عن عبد الحميد بن جعفر، عن صالح، ولم يجاوز، والباقون سكتوا.

فقال أبو زرعة وهو في السَّوق: حدثنا بندار، حدثنا أبو عاصم، حدثنا عبد الحميد بن جعفر، عن صالح بن أبي غريب، عن كثير بن مرة الحضرمي، عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ كَانَ آخِرُ كَلَامِهِ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ) (رواه أبو داود، وصححه الألباني)، وتوفي رحمه الله.

وفي مدينة الإسكندرية كانت معلمة القرآن في حلقتها كعادتها تحفظ النساء كتاب الله، فكتبت على السبورة: "من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة"، وماتت -رحمها الله-.

ومؤذن كان يؤذن الصلوات الخمس أكثر من عشرين عامًا، فلما مرض وعاقه المرض عن الذهاب إلى المسجد، طلب من أبنائه أن يذهبوا به إلى المسجد فقد اشتاق إلى الأذان، فرفضوا فقد منع من ذلك الأطباء، فانتفض قائمًا على سريره وأذان الأذان كاملًا، ثم وقع ميتًا -رحمه الله-.

وكذلك كانت الخواتيم السيئة -والعياذ بالله-: فهذا شاب كثير العصيان في بلده، ذهب إلى إحدى بلاد أوروبا ليكون الفساد على مصراعيه، فلا وازع ولا رادع، وعشق فتاة وعاش معها أيامًا، وفي يوم انتظرها فتأخرت عليه، فقلق عليها واضطرب، وكلما مر الوقت زاد اضطرابه وقلقه، خاصة بعد أن اتصل على هاتفها فلم ترد، فقرر الخروج للبحث عنها، فلم وصل إلى الباب وجدها أمامه فخر تحت قدميها ساجدًا، ومات!

وأعلم رجلًا قيل له: قل: لا إله إلا الله، فقال: أعطوني سيجارة.

وعجوز يمني قيل له: قل: لا إله إلا الله، قال: إن هذه الكلمة أثقل على لساني من الجبل.

وشاب أدمن مشاهدة الأفلام الإباحية، وكان يغلق عليه باب حجرته بالساعات لمشاهدتها، وفي يوم تأخر كثيرًا فطرقت عليه أمه الباب فلم يجب، فنادت على أخيه فكسر عليه الباب، فوجدوه ميتًا عاريًا، والجهاز مدار على هذه الأفلام!

ولو تتبعنا القصص في ذلك لطال المقال، ففيما ذكرنا كفاية وتذكرة وموعظة.

فنسأل الله حسن الخاتمة، ونعوذ بالله من سوئها.

وصلى الله وسلم على محمدٍ، وعلى آله وصحبه أجمعين.