الفساد (42) المتسربون من التعليم... مسئولية مَن؟ (2-2)

  • 336

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد شهدت مصر في عهد (محمد علي) نهضة علمية كبيرة لملاحقة التقدم العلمي في أوروبا، فكانت البعثات العلمية إلى أوروبا وإنشاء العديد من المدارس في نواحي العلوم الصناعية والهندسية، والعسكرية والطبية، وغيرها، ولكن هذه النهضة صبغت بالعلمانية الدنيوية فجاء ذلك على حساب التعليم الديني الذي كان سائدًا في مصر قبل محمد علي متمثلًا في التعليم الأزهري، الذي فقد كثيرًا من مكانته من جراء تقديم تعلم العلوم الدنيوية عليه.

 وبعد الاحتلال الإنجليزي لمصر عام 1882م حرصت سلطة الاحتلال على إيقاف هذه النهضة العلمية، ووضع العراقيل في طريقها من جهة، وتغريب التعليم في مصر وجعله تعليمًا علمانيًّا من جهة أخرى، من خلال تغيير المناهج الدراسية، وتدخل رجال المستعمر فيها، وكان من أبرزهم المندوب السامي البريطاني: (كرومر)، ومن خلفه مستشاره -المستشرق خريج المدارس اللاهوتية-: (دانلوب)، الذي تولى الإشراف على مجريات هذا التغيير.

وقد دخلت مصر القرن العشرين الميلادي، وهي تعاني من الفقر والأمية والمرض في ظل احتلالٍ مستبدٍ، وخديوي عاجز عن السيطرة على أحوال البلاد، وحركة وطنية ينازعها توجه ليبرالي قومي، وبعد الحرب العالمية الأولى وثورة 1919م حصلت مصر على الاستقلال الصوري الذي لم يغير من وضع الاحتلال البريطاني لمصر كثيرًا، وشهدت مصر فترة ساد فيها الفكر والتوجه العلماني الليبرالي في السياسة والاقتصاد حتى قيام ثورة يوليو 1952م التي حملت معها التوجه العربي القومي بزعامة جمال عبد الناصر، الذي حاول من جديد أن يقود مصر إلى نهضة كبيرة زراعيًّا وصناعيًّا واقتصاديًّا في الخمسينيات، والتي ما لبثت أن تأثرت باستنزاف اقتصاد مصر في حرب اليمن من عام 1962 م إلى عام 1967 م، ثم توقفت بهزيمة مصر القاسية في يونيو1967م، التي كانت إيذانًا بنهاية الحقبة الناصرية.

ورغم الأمية التي كانت سائدة في مصر في بدايات القرن العشرين، فقد كان التعليم في مصر يقطع خطوات نحو النهوض بالمصريين، وكانت أكبر عيوبه أن التعليم كان قاصرًا تقريبًا على أبناء الأغنياء والمقتدرين من الأسر المصرية، وحرم منه أبناء جموع المصريين؛ بسبب مصروفاته الكبيرة التي لا يقدر عليها الكثيرون من الأسر البسيطة العادية إلا القليل من المتفوقين من أبناء البسطاء أو الفقراء الذين يمنحون التعليم المجاني لتفوقهم.

وبعد قيام ثورة يوليو صار التعليم بالمجان في كل مراحله، وأتيح لكل أبناء طوائف الشعب أخذ فرصتهم كاملة في التعليم بلا تمييز، ورأينا أبناء البسطاء من الفلاحين والعمال يحصلون على أعلى الشهادات العلمية، ويتولون أعلى المناصب في الدولة، في درجة من الجودة في التعليم لا بأس بها بمقاييس العصر، (ففي الخمسينيات والستينيات، بل ومنذ نشأة جامعة القاهرة في بداية القرن العشرين كانت جامعات مصر من أهم جامعات العالم، فقد كان خريج جامعة القاهرة أو الإسكندرية يقبل في كل جامعات العالم للتحضير للماجستير أو الدكتوراه دون أن يطلب منه اجتياز أي اختبار أو حتى عمل معادلة، كانت شهادات البكالوريوس والليسانس المصرية معترف بها في كل العالم، وكانت المدارس الحكومية المجانية أعلى مستوى من كل المدارس الخاصة، فلم يكن يلجأ إلى التعليم الخاص سوى الطلبة المتعثرين أصحاب المجاميع الضعيفة، والتي لا تؤهلهم للتعليم الحكومي الذي كان أرفع مستوى، بل أن الجامعة الأمريكية نفسها لم يلجأ إليها سوى المتعثرين في الثانوية العامة، وكانت لجامعات مصر أفرع خارج البلاد، مثل: جامعة بيروت في لبنان التي كانت فرعًا لجامعة الإسكندرية، وجامعة الخرطوم في السودان التي كانت فرعًا من جامعة القاهرة، ناهيك عن جامعة الأزهر، والتي كان لها فرع أيضًا في السودان، وكانت مصر تتوسع في نشر جامعاتها ذات السمعة العالمية خارج مصر، في حين أنها اليوم تتوسع في نشر الجامعات الأجنبية داخل البلاد كاعتراف بتدهور التعليم الوطني. (انظر "هكذا يجب أن تحكم مصر"، للفنان التشكيلي د. ياسر شحاتة، دار الثقافة الجديدة، القاهرة ط. أولى 2016م، ص: 7 - 8).

ولم يكن يدور في خاطر المصريين الهجرة إلى أوروبا أو الإقامة فيها (بل إن أوروبا كانت للمصريين بمثابة المنفى القاسي غير المحتمل، فقد نفي بيرم التونسي أكثر من مرة إلى فرنسا، وكان يعود متخفيًا بأوراق مزورة فينفى إليها مرة أخرى رغم توسلاته للسلطة، ونفي أحمد شوقي إلى إسبانيا ولم تتوقف توسلاته للعفو والعودة حتى عفت عنه السلطة وعاد إلى مصر عام 1920 بعد عذاب 5 سنوات في إسبانيا.

كانت الشوارع في المدن المصرية مضرب المثل في النظافة والنظام، والجمال والأناقة، والبيوت والفيلات الأنيقة، والشرفات تعج بالزهور والورود، كانت الحدائق في المدن المصرية تمتلئ بالأشجار والنافورات والأزهار، وبرك يسبح فيها البط والبجع).

لقد (اختيرت القاهرة أجمل عواصم العالم عام 1936م)، وفي نفس الوقت (ظلت الإسكندرية عقودًا طويلة أجمل مدن البحر الأبيض المتوسط)، (وكان نمط الحياة المصري حلمًا ليس فقط لكل العرب، بل لعددٍ كبيرٍ من العالم) (المصدر السابق، ص 13 بتصرف).

ما بعد تدهور التعليم في مصر:

تبدلت الأمور وتغيرت بصورة كبيرة بعد نكسة 1967م، وتوقفت النهضة التعليمية وتأخر التعليم لعقود طويلة فلم تبنَ مدارس جديدة مناسبة، ولم يتطور التعليم بما يتمشى مع تغير متطلبات العصر، ولم تتحسن أحوال المعلمين ليصبحوا قادرين على القيام برسالتهم على الوجه المطلوب، لتتراجع مرتبة مصر التعليمية إلى الوراء كثيرًا، ففي بعض الفترات تخطت الأمية في مصر 50 % في بعض المحافظات، (ومن خلال تقرير التنافسية العالمية لعام 2013م التابع لليونسكو تأتي مصر في المرتبة قبل الأخيرة في التعليم الأساسي (الابتدائي)، وبالتحديد رقم: 144 من 145 دولة، يأتي ترتيب مصر قبل الأكوادور أسوأ دولة في العالم في التعليم الأساسي، بل إن هناك من أتموا تعليمهم الابتدائي ولا يجيدون القراءة والكتابة.

(أما بالنسبة للتعليم الجامعي فتأتي جامعة القاهرة في المركز 1206عالميًّا)، وتحتل رقم 28 إفريقيا ضمن التصنيف الإسباني (ويبوميتركس) في تقرير يوليو2013 م (راجع المصدر السابق، ص 17).

(وفي انتشار الفساد حسب تقرير الشفافية الدولية، كان ترتيب مصر عالميًّا هو: رقم 98، متساوية في هذا مع بوركينافاسو والمكسيك، ورقم 12 عربيًّا) (راجع المصدر السابق، ص 18).

(أما السؤال كيف حدث هذا الانهيار؟ فهو قضية خلافية تتعدد فيها النظريات، وتختلف وتتعارض وتتكامل. من الإجابات المقبولة أن هزيمة 67 كانت ذات تأثيرات عميقة في الشخصية المصرية والمجتمع المصري استمرت عقودًا) (المصدر السابق ،ص 21).

لقد سقطت الحقبة الناصرية، وفشل تطبيق النظام الاشتراكي في مصر وبقي ما خلفه من مشاكل وتداعيات، وجاء تأثر الاقتصاد بحرب اليمن الطويلة ثم كارثة هزيمة 67 الثقيلة، والحاجة الماسة إلى إعادة بناء القوات المسلحة لتحرير سيناء، حيث فقدت مصر في الحرب معظم قواتها الجوية والبرية، وصار شعار المرحلة لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، ثم جاءت فترة ما بعد نصر أكتوبر لتشهد التحول نحو الانفتاح في السبعينيات وما صاحبها من مزيدٍ من التدهور.

تدهور التعليم وارتفاع نسبة الأمية:

يعد تدهور التعليم من أسباب ارتفاع الأمية في مصر؛ لكونه سببًا للتسرب من التعليم؛ إذ إن سوء حالة التعليم يساهم في التقليل من الشعور بأهميته والحاجة إليه عند الكثيرين، ولم تعد المدرسة بحالتها السيئة الحالية أداة جذب للتلاميذ، بل أداة طرد لهم، وأصبح التدريس الفعلي خارج المدرسة عن طريق الدروس الخصوصية في المراكز التعليمية أو في البيوت بشكل يفوق أي تصور! وفقدت دعوى مجانية التعليم حقيقتها، وأصبح تعليم الأبناء -خاصة إن كثروا- عبئًا لا يقدر عليه كل أب، ولم تستطع الدولة حتى الآن تفعيل قرارها بأن التعليم الأساسي إلزامي، وفشلت في تطبيق ما اتفق عليه دوليًّا من أن التعليم حق من حقوق كل طفل، بل جاء النص عليه في الدستور، وهو التفعيل الذي لو نفذته الدولة بحق فيما مضى؛ لقضت على الأمية بدون أي مجهود إضافي؛ إذ كان تعليم كل الأطفال خلال العقود السابقة مع تلاشي الجيل الذي فيه أميين عبر هذه العقود كفيلًا وحده بالقضاء على الأمية، ولكننا شاهدنا ارتفاع نسبة الأمية في الأمة رغم الجهود والدعوات المتواصلة لمحاربة هذه الأمية المتزايدة.

ويبقى إصلاح التعليم والاعتناء به هو المدخل الكبير لمنع التسرب من التعليم وتزايد الأمية، وقبل ذلك وبعده الارتقاء بالأمة ككل، وهو ما يدركه المسئولون جيدًا، ولكن لا يعرفون بلسان الحال كيف يقومون به! ويلهثون وراء ما يصعب عليهم تنفيذه وتطبيقه رغم تكاليفه الباهظة، وما يحتاجه من جهود جبارة، ويتجاهلون ما يمكنهم فعليًّا تطبيقه وتنفيذه إن خلصت النية وقويت الهمة، وتضافرت الجهود المتاحة، وبتكلفة مقدور عليها، وبطاقة تتناسب مع واقعنا العملي، ولكن هيهات!

مفاسد الأمية والتسرب من التعليم:

في ظل انتشار الأمية فإن كل محاولات التنمية ستصطدم في كل المجالات بالعقول الأمية، ولن يكفي اقتصار التنمية على قطاع من المتعلمين؛ لأن التنمية المستدامة تحتاج إلى معرفة ووعي الجميع بها وبأهميتها؛ وإلا فمحكوم عليها بالفشل.

إن معظم الأميين فقراء يعيشون تحت خط الفقر، وهذا متوقع منهم ولهم، وأغلب الفقراء أميون، وستظل الأمية تأخذ بيد الأمة إلى الفوضى والعشوائيات والمرض والجهل، والتواكل وخور العزيمة، وضعف الهمة والسلبية، وستكون عاملًا كامنًا دائمًا؛ لتشتيت الجهود الإصلاحية واستنزاف جهود الدولة، وستظل سببًا من أسباب تأخرها حتى تتلاشى هذه الأمية.

إن تحسين التعليم وتجويده وإخراجه من حالته السيئة التي وصل إليها، و(القضاء على الأمية سيرفع مستوى الذكاء والوعي والنظافة، والنظام والمرور، والتربية والعلاقات العامة، والمشاركة السياسية والعمل والإنتاج الزراعي والصناعي، وسيساهم في إصلاح العشوائيات، ومقاومة الأمراض وزيادة الوعي الصحي، وسيرفع مستوى الحياة، ويقرب الفوارق الاجتماعية بين الطبقات) (المصدر السابق، ص 25).

إعادة دمج المتسربين في العملية التعليمية:

الدمج في قاموس الخدمة الاجتماعية (عملية يتم من خلالها احتواء أو استيعاب الفرد كجزءٍ مِن جماعته ليكون داخل نسيج المجتمع ككلل)، والدمج بمعناه الشامل: (مجموعة من الإجراءات والممارسات التي تزيد من فرص الفرد للمشاركة القصوى في الحياة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية).

وفي حق الأطفال المعاقين فالدمج هو: (تعليم الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة في البيئة العادية إلى الحد الأقصى الذي تسمح به قدراتهم)، فالدمج أسلوب ومنهج متبع في الحياة يتم به دمج الحالات الاستثنائية وذوي الاحتياجات التربوية الخاصة الذين تواجههم صعوبات تربوية، وهو احترام لإنسانية الإنسان مهما كانت قدراته.

والدمج التعليمي عملية تتضمن احتواء التلاميذ المتسربين من التعليم يقوم بها الاختصاصي الاجتماعي مع التلاميذ؛ لإعادة تعايشهم داخل البيئة المدرسية، باستخدام وسائل جذب للتلاميذ للعملية التعليمية من خلال المشاركة في بعض الأنشطة الجماعية المختلفة (المصدر السابق، ص 51).

الأنشطة الجماعية ودورها في التنمية المجتمعية ومنع التسرب:

الجماعية هي الأداة التي يستخدمها المجتمع في تنشئة الفرد تنشئة اجتماعية سليمة، وطريقة العمل مع الجماعة -أو خدمة الجماعة- هي إحدى طرق الخدمة الاجتماعية لتحقيق التغيير سواء بالنسبة إلى الفرد أو المجتمع من خلال جذب الفرد إلى ممارسة برامج -والمشاركة في أنشطة جماعية- داخل المدرسة من خلال الاختصاصي الاجتماعي، وتعد هذه الوسيلة أكثر نجاحًا وأمنًا لعلاج المتسربين من التعليم ودمجهم في مرحلة التعليم الأساسي.

فالفرد إذا نشأ (في جماعات صالحة مناسبة لنموه، وإذا توافرت له الظروف الملائمة)، (قد يكتسب الكثير من الخصائص والمميزات التي تجعله مواطنًا صالحًا في المجتمع الذي يعيش فيه) (انظر "المتسربون من التعليم: دراسة ميدانية"، دعاء عبد العزيز ط. أولى الهيئة المصرية العامة للكتاب، ص 102).

فمن خلال خدمة الجماعة ووفق خطط موضوعة يتعلم المتسرب المهارات الاجتماعية، ويكتسب السلوك المقبول اجتماعيًّا، ويمكن أن يشبع احتياجاته الفردية؛ مما يؤدي إلى دمجه مع أقرانه في العملية التعليمية. (فطريقة خدمة الجماعة لها دور فعال في مساعدة المتسربين على الاندماج في مرحلة التعليم الأساسي من خلال المدارس المجتمعية بالمؤسسة، حيث يقوم الاختصاصي الاجتماعي بتوجيه تفاعلاتهم أثناء برامج وفقًا لحاجاتهم وإمكانياتهم حتى يتحقق الهدف من دمجهم في التعليم بعد انقطاعهم عنه؛ مما يؤدي إلى إعادة هؤلاء المتسربين تعليميًّا إلى مرحلة التعليم الأساسي مرة أخرى) (المصدر السابق، ص 103 - 104).

أهمية خدمة الجماعة:

(إن خدمة الجماعة هي خدمة مهنية تؤدَّى للناس بغرض مساعدتهم كأفرادٍ للوصول إلى علاقات طيبة ومرضية، والوصول إلى مستويات الحياة التي تتماشى مع رغباتهم وقدرات المجتمع المحلي)، وتهدف (إلى ممارسة نشاط ترويحي غير متيسر إلا من خلال الانضمام لإحدى الجماعات التي تمارس هذه الأنشطة) و(تساعد في اكتساب التقدير والاحترام وإقامة علاقات مع الآخرين) و(إشباع حاجات نفسية واجتماعية لا يمكن توفيرها إلى بالانضمام للجماعة)، و(الميل إلى التعاون مع الغير)، (وتقدير المسئولية وتحملها)، و(التكيف مع المجتمع) بالإضافة إلى (علاج بعض نواحي انحراف السلوك من خلال رقابة الجماعة وتوجيهها) (المصدر السابق، ص 104 - 105 بتصرفٍ).

إن خدمة الجماعة عن طريق ممارسة العديد من الأنشطة الجماعية المختلفة التي تجذب المتسربين مرة أخرى للتعليم وتعمل على إشباع حاجاتهم النفسية والاجتماعية، تقوم بثلاثة أغراض رئيسية: نمو الفرد، ونمو الجماعة، ونمو المجتمع.

وتقوم فلسفة خدمة الجماعة على الإيمان بقيمة كل تلميذ واحترام كرامته، وحقه في حياة كريمة، وبأن كل إنسان قابل للتغيير، وتعديل السلوك، مع مراعاة الفروق الفردية بين الأطفال، وأن لكل طفل احتياجاته الخاصة التي تختلف عن غيره، فطريقة خدمة الجماعة تقوم بدور ذي أهمية قصوى في علاج مشكلة التسرب من التعليم وجذب المتسربين ودمجهم في العملية التعليمية من خلال تنمية شخصية الفرد بوصفه عضوًا في جماعة معتمدة في ذلك على التفاعل الاجتماعي، واستخدام العلاقات المتبادلة بين الأفراد على اعتبار أن الإنسان كائن اجتماعي بطبعه لا يستطيع أن يعيش بمعزل عن الآخرين، ومهمة الاختصاصي الاجتماعي هي القيام بالتدخل من أجل التأثير في مكونات الجماعة ونموها (راجع المصدر السابق، ص 105 - 107).

دور الاختصاصي الاجتماعي في دمج المتسربين من التعليم:

يعتبر المجال المدرسي أحد المجالات النوعية التي تمارس فيه الخدمة الاجتماعية، حيث يتمثل دور الاختصاصي الاجتماعي في المدرسة (في تنظيم الحياة الاجتماعية بالمدارس حتى تصبح محببة لدى التلاميذ عن طريق التعاون التام بين هيئة التدريس والتلاميذ، وإنشاء جماعات النشاط المدرسي وتوجيه التلاميذ والعمل على اكتشاف المشكلات، وتوطيد العلاقات بين المدارس لجعل المدرسة مركز إشعاع اجتماعيًّا وعلميًّا وأدبيًّا، وترويحيًّا ورياضيًّا، وثقافيًّا للبيئة، وتشجيع التلاميذ للخروج للبيئة المحلية في رحلاتٍ ومعسكراتٍ ومؤتمراتٍ، وتبادل خبرات نافعة للتلاميذ) (المصدر السابق، ص 29).  

 ويمارس الاختصاصي الاجتماعي في المدرسة دوره المهني باستخدام التفاعل الجماعي والأنشطة والبرامج للمساهمة في نمو الفرد، وتحقيق الأهداف الاجتماعية المرغوبة.

ويتمثل دوره مع جماعة النشاط من خلال دورين رئيسيين: دوره مع الجماعة ككل، ودوره مع أعضاء الجماعة كأفراد، فالاختصاصي الاجتماعي لا يعتبر عضوًا في الجماعة التي يعمل معها، وإنما يشارك في النشاط الجماعي بأن ينظمه ويحدده ويقوم بإعداده فنيًّا، بوصفه شخصًا مسئولًا عن تقديم خدمات فنية للجماعة، فدوره دور المساعد والمعاون للجماعة؛ لتمكينها من التمتع بتجارب جماعية ناجحة، والاستفادة منها والنمو فيها (المصدر السابق، ص 116).

ومِن الاعتبارات التي يجب مراعاتها عند العمل على دمج المتسربين في التعليم الأساسي:

1- تعرف الاختصاصي الاجتماعي على كل ما يساعد التلاميذ على حل المشكلات التي تعترضهم داخل المؤسسة التعليمية.

2- العمل على إكساب التلميذ القيم الأخلاقية والصفات الحميدة، واكتساب المهارات والخبرات اللازمة له.

3- التعرف على البيئة المحيطة للتلاميذ، والمساعدة على إيجاد الحلول لمشكلاتهم.

4- إقامة الاختصاصي الاجتماعي علاقات ناجحة مع التلاميذ ومع العاملين بالمؤسسة.

5- مساعدة التلميذ على الحصول على الخدمات المتاحة (للاستزادة: راجع المصدر السابق، ص 101 - 126).

المدارس الصديقة للأطفال

(المدارس المجتمعية):

نظرًا لأن الحاجة إلى التعليم ضرورة من ضروريات البقاء والنماء للإنسان خاصة مع تطور الحضارة الإنسانية التي تتطلب التزود بقدر من التعليم المنظم، ونظرًا لأن مفهوم التعليم عن طريق النشاط الجماعي يعد من أبرز المفاهيم الحديثة في التربية حيث يكون النشاط الجماعي مجال لخبرات متنوعة، تؤدي إلى إحداث تغيير وتعديل سلوك المتعلم محققًا التنمية المطلوبة في شخصيته وجعله قادرًا على القيام بدور فعال في المجتمع، لهذا كله جاء مشروع المدارس الصديقة لتعليم الأطفال، أو ما يسمَّى بـ(المدارس المجتمعية)، وهذه النوعية من المدارس تتم من خلال تعاون مشترك بين الحكومة والجمعيات المحلية، حيث تشارك وزارة التربية والتعليم والجمعيات غير الحكومية وممثلي الجمعيات المحلية في إنشاء وتمويل هذه المدارس إلى جانب منظمة اليونيسيف بالقاهرة، وبالتعاون مع الوكالة الكندية للتنمية الدولية.

وهذه المدارس تتميز بشخصيتها الذاتية التي تتلاءم مع ظروف البيئة المحلية واحتياجاتها، وتكون الدراسة فيها نمطية، كالدراسة في التعليم الابتدائي، مضافًا إليها التكوين المهني من خلال مشاريع إنتاجية توفر للتلميذ أو التلميذة دخلًا، وهي مدارس تقوم -وفي ظروف صعبة- بتعليم التلاميذ المتسربين من نظام التعليم الأساسي أو لم يلتحقوا به أو فقدوا المأوى العائلي، حيث تبدأ الدراسة فيها من سن 9 سنوات إلى 14 سنة، وهي مرحلة عمرية حرجة تحتاج إلى رعاية خاصة، حيث يختلف فيها التلاميذ اختلافًا كبيرًا في الاستعدادات والقدرات والميول قد لا تسمح إمكانيات الفصل الواحد بمراعاة هذه الفروق الفردية في جوانبها المتعددة ولا تسمح باكتشاف القدرات الفردية واستغلالها؛ لذا تصبغ الدراسة في هذه المدارس بألوان من النشاط تمثل برامج إضافية خارج قاعات الدرس تستكمل بها المدرسة وظيفتها الاجتماعية.  

وتتميز هذه النوعية من المدارس بالمرونة والتحرر من قيود التعليم النظامي، وبالتدريب على الأعمال الحرفية المناسبة للبيئة، فتجمع بين تدريس المواد العلمية والثقافية وبين التدريب المهني، وتمنح في نهاية الدراسة شهادة تعادل الشهادة الابتدائية تسمح للمتفوقين بالالتحاق بالتعليم الإعدادي.

ولهذه النوعية من المدارس دورها الكبير في تقليل نسبة الأمية والفوارق فيها بما يتلاءم مع ظروف البيئة، وإعادة الرغبة في التعليم واكتساب المهارات، إلى جانب إيجاد مواطن منتج في المستقبل، كما تغير بعض السلوكيات السلبية لتحل محلها سلوكيات جديدة إيجابية، إلى جانب تنمية المهارات العلمية والعملية.

وتحقيق ذلك يتطلب بالطبع تعديل نظام هذه النوعية بما يتناسب مع:

1- التعامل مع فئات غير متجانسة من حيث السن والتعليم.

2- القدرة على تكييف مواعيد الدراسة بما يتلاءم مع البيئة.

3- عدم الالتزام بالنمط التقليدي للمبنى المدرسي وتجهيزاته.

4- مرونة المناهج وشمولها ومواءمتها للبيئة.

5- فتح قنوات بينها وبين المدرسة الابتدائية النظامية (للاستزادة: راجع المصدر السابق، ص 92 - 97).