نيل الأماني في ظلال السبع المثاني (6)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

(مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ):

يخبر الله -سبحانه- أنه مالك يوم الدين، والمعنى كما قال قتادة -رحمه الله-: "أي يوم يدين العباد بأعمالهم"، وعن جريج: "يدان الناس بالحساب".

- فإخباره -تعالى- بأنه مالك هذا اليوم ينبغي أن يثمر شعورًا في القلب بالذل والفاقة إلى هذا الملك المالك، وذلك أنه كلما كان الأمر مهولًا شديدًا وكان الخطب فيه جليلًا، كان مالك هذا الأمر عظيمًا ذا هيبة في النفوس، تتطلع القلوب إلى رضاه؛ فضلًا عن أن يكون المرء مخاطبًا له، حاضرًا بين يديه. وليس هناك مِن يوم أشد هولًا ولا أعظم كربًا من يوم الدين، فكانت الفاقة إلى مالكه أشد، والاحتياج إليه أعظم؛ لذا كان على العبد الفقير الذليل إذا وقف بين يدي هذا الإله مصليًا، ألا يلتفت بقلبه -فضلًا عن قالبه- إلى أمرٍ أقل خطبًا أو إلى مالك أصغر ملكًا وهيبة، فالله أكبر من هذا الذي قد التفت إليه؛ إذ إنه -سبحانه- مالك يوم الدين، ولعلك أيها الحبيب قد أدركت الآن سر اختيار كلمة: "الله أكبر" ليفتتح بها العباد صلاتهم، دون غيرها من سائر الأذكار؛ ليقبل العبد على ربه لا على سواه.

وتأمل تجد المناسبة بين هذه الآية وما قبلها من الآيات في غاية الإتقان والترتيب؛ وذلك أنه لما أخبر -سبحانه- أنه لا وصول إليه إلا بجناحين: أحدهما: الخوف في قوله: (رَبِّ الْعَالَمِينَ)، وثانيهما: الرجاء في قوله: (الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ)؛ أتبع ذلك بقوله: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، وكأنه -سبحانه وتعالى- يخبر العبد أن خوفه ورجاءه لن يذهب هباءً، ولن يضيع سدى؛ فهذا الإله الذي كنت تخافه في الدنيا وترجوه هو (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ)، فكأنه يقول: مَن عبدني بالخوف والرجاء كنتُ عند حسن رجائه، وأمَّنته يوم الدين، الذي أنا مالكه، فاجتمع للعبد كل سبب يجعله يقبل على ربه بقلبه وقالبه؛ ذلًّا لربوبيته، ورجاءً لرحمته، وافتقارًا لملكه يوم الدين.