الفساد (44) هجرة الكفاءات العلمية... مسئولية مَن؟ (2-5)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فتشهد البشرية في العصر الحالي تقدمًا علميَّا مذهلًا، أخذت فيه الأرض زخرفها وازينت، حتى ظن أهلها أنهم قادرون عليها، لا يمنعهم عن التطوير والتصرف فيها شيء، وأصبحنا نشهد قفزات علمية متتابعة أشبه بالطفرات تحدث في غضون سنوات قليلة، وتتسابق الدول المتقدمة يومًا بعد يوم في تقديم كل ما هو جديدٍ من العلوم والمعارف، وما هو حديث من مختلف الاكتشافات والمخترعات والابتكارات.

وتدرك الأمم المتقدمة أنها ما بلغت ذلك إلا من خلال جهود وبحوث عقول العلماء والخبراء والمتخصصين، ومنها جزء كبير من هذه الكفاءات والمتخصصين إنما جاءوا من دول العالم الثالث "خاصة الدول العربية وفي مقدمتها مصر"، حيث وجدوا كل الترحاب والاحتضان والتشجيع، فالتحقوا بالجامعات والمراكز البحثية هناك، وبلغوا فيها أعلى درجات العلم والتخصص، بل وتبوأوا المناصب والمراكز العلمية العالية في تلك البلاد، فساهموا -مساهمة لا تُنكر- بنصيبٍ وافرٍ في التقدم والازدهار في تلك البلاد، وصارت معظم العقول والكفاءات متكدسة في دول الغرب المتقدمة، وخلت منها دول العالم الثالث أو تكاد، وهي التي فرَّطت فيما بين يديها من عقول وكفاءات أشد ما تكون حاجة إليها لتلحق بركب التقدم العلمي، لتزداد الفجوة بين الدول المتقدمة والدول المتخلفة.

ولهذا؛ فإن دول الغرب المتقدمة بذلت وتبذل كل ما تملك لاجتذاب واستقطاب العقول النابغة في دول العالم الثالث، حيث قدمت وتقدم لها كافة المساعدات والمغريات للهجرة إليها والإقامة فيها، بل والتجنس بجنسيتها، وقد نجحت في ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ حيث جنت من ورائه مكاسب بشرية ومادية ضخمة لا تقدر بثمن من اكتشافات ومخترعات وابتكارات أحدثت ثورة علمية متميزة لم تشهد البشرية مثلها عبر تاريخها الطويل.

من عوامل الجذب في الدول المتقدمة:

1- الاستقرار الاقتصادي والسياسي:

(يعتبر هذا العامل من أشد العوامل جذبًا لهجرة العقول العربية من ذوي الكفاءات والخبرات؛ لأن المهاجر يشعر بإمكانية التقدم وحرية العمل، فهناك ارتفاع ملاحظ لمستوى المعيشة في البلاد المتقدمة عن مثيلاتها في الدول المتخلفة، وهناك ازدياد ملموس في الطلب للكفاءات العلمية المؤهلة تأهيلًا علميًّا وفنيًّا عاليًا، وبالتالي زيادة لفرص العمل المنتج والحياة المستقرة.

ونظرة مقارنة على جداول الأجور والرواتب التي يحصل عليها المتخصصون وذوو الكفاءات في أوطانهم الأصلية وفي البلاد التكنولوجية التي يهاجرون إليها، تجعلنا ندرك الفوارق الهائلة التي تصل إلى خمسة أو ثمانية أضعاف أحيانًا؛ بالإضافة إلى كافة شروط العمل الجيد من علاوات وإجازات، وتأمينات وعناية طبية وترقيات، ونظام عادل فيه فرص متكافئة، ونظام للحوافز والتشجيع مما لا يتوفر في معظم البلاد المتخلفة التي ترتكز على الواسطة والمحسوبية والرشوة، وأحيانًا التكتلات الطبقية والطائفية، والعشائرية والحزبية.

وقد سجلت التقارير الإحصائية بأن معدل العائد المادي في كندا وأمريكا يصل إلى ثمانية أضعاف ما هو عليه في دول أمريكا اللاتينية ودول العالم الثالث) (انظر: "نزيف الأدمغة: هجرة العقول العربية إلى الدول التكنولوجية" د. عطوف محمود ياسين - ط. دار الأندلس - بيروت لبنان - ط. أولى 1404 هـ - 1984م، ص 73 بتصرفٍ يسيرٍ).

2- توفر فرص العمل والبحث العلمي:

(يجد الباحث في البلاد التكنولوجية بدائل عديدة عما كان يعانيه في وطنه المتخلف، فهناك إمكانيات ووسائل وأدوات متوفرة للبحث العلمي على شتى المستويات والأعمال). إن (15 - 30) بلدًا في العالم يسكنها حوالي ثلث سكان الكرة الأرضية تملك كل العلم والمعرفة المتوفرة في العالم تقريبًا، وتنفق حوالي (95%) من الإنفاق الكلي العالمي على البحث العلمي، وإن أكثر من (100) بلد يسكنها حوالي ثلثي سكان العالم ليس لديها بحث علمي تقريبًا) (المصدر السابق، ص 74).

3- إمكانية تحقيق الذات وتحقيق الاستقرار النفسي:

(إن الطاقات والقدرات تأخذ طريقها الطبيعي حين توجد أمامها المجالات السليمة المشجعة، وتتقهقر وتتراجع حين تخنقها القيود وظروف الحرمان. ولا يمكن أن يتمكن الإنسان من تحقيق ذاته ما لم يهيئ له المجتمع مجالات الإبداع الذاتي والعمل الحر. وتعتبر المجتمعات التكنولوجية المتقدمة نموذجًا لهذا الانفتاح الإيجابي نحو العلم والعلماء وذوي الخبرات من المهاجرين، والاستقرار النفسي لا ينمو إلا في ظل الأمن النفسي، وحين يشعر الفرد بانعدام الأمن النفسي يفتقد أساس التوازن لحياته، وقاعدة الاستقرار لإنتاجه اليومي.

وقد جذبت الظروف العقلية والنفسية المشجعة العديد من ذوي الخبرات للهجرة، وبلغت نسبة الحاصلين على الدكتوراه من المهندسين في أمريكا 5 % فقط وذلك مقابل 60 % من المهندسين ذوي الأصول الأجنبية) (المصدر السابق، ص 74).

4- سن القوانين المشجعة للهجرة:

لقد أدرك المسئولون في الدول المتقدمة أهمية العقول والخبرات فشرَّعوا القوانين المشجعة لاستقطابها وجذبها، وكانت الولايات المتحدة في مقدمة الدول التي عدلت قوانينها لاجتذاب أكبر عددٍ ممكنٍ من الخبراء والمتخصصين، وجاء بعدها كندا وأستراليا وأوروبا الغربية. وقد أعطت القوانين الجديدة الأولوية لحملة الشهادات الجامعية، وأصحاب المؤهلات الفنية والعلمية، وهكذا حلت القوانين الجديدة مكان نظام الكوتة القديم الذي يخصص لكل دولة عددًا من المهاجرين، وهكذا خول القانون الأمريكي لعام 1965م المهندسين والأطباء والعلماء حق الفيزا دون الوقوف عند القيود السابقة التقليدية للقوانين القديمة، وجاء قانون 1968م فحذف نظام الكوتة، وأصبح التخصص والعلم هو المعيار لدخول الشخص إلى أمريكا دون النظر إلى جنسه أو أصله. وأجاز القانون للزائرين المؤقتين التحول إلى مقيمين دائمين إذا كانوا من الطلبة المتفوقين).

(وقامت كندا بنفس الخطوات التشريعية لفتح أبواب الهجرة وطلب المهارات العلمية والفنية من كل مكان في العالم)، (وبدأت الدول الأخرى تسن القوانين والتشريعات لاصطياد العقول والخبرات)، (ولم يكن الأمر مجرد إجراء عاطفي كما يتبادر للأذهان لأول وهلة، وإنما كان خطوة مدروسة بعيدة المرامي والأهداف).  

يقول مدير سابق لليونسكو: (إن الهجرة الحديثة للكفاءات هجرة انتقائية، وليست مجرد حركة تلقائية صادرة عن قرارات فردية اختيارية، وهي تمثِّل استجابة للبرامج الرسمية والتشريعات التي تصدر خصيصًا في هذا الصدد في الدول التي تستقبل المهاجرين. والواقع أن تشريعات الهجرة في جميع الدول وخاصة تلك التي تجتذب المواهب، تعمل بالتدريج على تصفية هجرة غير المؤهلين من أي منطقة باستثناء الوافدين من بعض الدول القريبة الجوار، ويدعم هذا الأسلوب الانتقائي بعثات التعبئة التي تشرف عليها المؤسسات الخاصة والعامة، وهي عملية أصبحت تعرف باصطياد العقول، وهي تمثل نوعًا من الارتداد إلى ماضينا القبلي في اصطياد الرؤوس، ومِن ثَمَّ فإن عملية هجرة الكفاءات العربية تستند إلى عملية انتقائية مدققة (المصدر السابق، ص 75- 76).

5- فرص التخصص الدقيق والتدريب العالي:

(نظرًا لما تزخر به الجامعات الأوروبية والأمريكية والسوفيتية من تخصصات مذهلة ومختبرات حديثة وتدريبات ميدانية، فقد جذبت إليها الأنظار والطاقات، وكانت عاملًا حاسمًا يجذب رأس المال البشري للتنمية والتخصص والتدريب فيه، وأدرك المهاجرون أن الهجرة ليست دومًا خطوة سلبية، فقد تكون عنصرًا إيجابيًّا إذا قدرت له الظروف أن يعود لخدمة وطنه ويعمل في ميدان تخصصه)، (وطبيعي أن يشعر الشاب بأن الشهادة والعلم في البلاد المتقدمة هي أعلى قيمة وسمعة مما هي عليه في بلاده) (المصدر السابق، ص 76).

6- تشجيع المؤسسات الدولية للهجرة:

حيث توجد (في أوروبا والولايات المتحدة عشرات الهيئات والمؤسسات والجمعيات غايتها استقطاب العقول والأدمغة للهجرة، وتوجد في السفارات الأجنبية داخل الدول العربية قوائم خاصة في هذه المؤسسات، ومنها: مؤسسة خدمات العمل الدولية ومركزها قي الولايات المتحدة، مؤسسة جامعة الأمم المتحدة ومركزها في طوكيو، ومؤسسات فورد، وكارينجي، وجنرال موتورز. وتستخدم هذه الهيئات وسيلة بارعة، هي: المنح الدراسية والبعثات، وتعطي القروض والإعانات التشجيعية، وبعضها يسعى لتأمين العمل لذوي الخبرات في أمريكا أو فيزا الدخول. وبدأت مؤسسات التبشير الكنائسي تضمن لأتباعها فيزا الدخول والعمل والإقامة على نطاق عالمي وواسع متمثلة بالاتحاد الدولي للكنائس العالمية وغيرها، وتعتبر المنظمات الصهيونية الدولية واتحاد الكنيست اليهود الدولي من أكثر الهيئات سلطة ونفوذًا في استقطاب العقول والخبرات من اليهود في شتى أنحاء العالم؛ بما في ذلك اليهود الذين كانوا وما يزالون داخل البلدان العربية) (المصدر السابق، ص 76 - 77).

7- تقديم الرواتب والمكافآت المغرية:

فرغم أن العقود في الغرب عقود سنوية إلا أن العمل يكون بالساعة من حيث الأجر وأسبوعية أو نصف شهرية من حيث استلام هذه الأجور بالإضافة إلى العلاوات والمكافآت والساعات الإضافية، بالإضافة إلى ضمانات للحقوق والتأمينات، وهناك لا يكون فصل الشخص من عمله بدون وجه حق أو تحذير سابق، وقد تبلغ الرواتب والأجور إلى 10 أضعاف الأجور للمهندسين والأطباء عنها في بلادهم الأصلية، وهذه كلها أمور مغرية بمقارنة الأوضاع بين هنا وهناك.

8- إغراء الزواج من الأجنبيات:

تتوجه أنظار الكثير من الذين يتعلمون بالخارج إلى الزواج من الأجنبيات في بلادهن حيث يجدوا في ذلك حلًّا لكثيرٍ من المشكلات، فسهولة الالتقاء بالفتاة الأجنبية وسهولة مراسيم الزواج، وقدرة الفتاة الأجنبية على اتخاذ ما يتعلق بنفسها من قرارات بمفردها، وقدرتها على تدعيم ومساعدة شريكها بما لديها من إمكانيات، كتأمين الإقامة له وتبديل الفيزا، وتأمين العمل والاستقرار في الحياة الجديدة ومواجهة تحدياتها؛ كلها مغريات تغري المتعلم في البلاد الغربية بالإقدام على الزواج من أجنبية لتحقيق هذه المنافع، إلى جانب إرواء الجانب العاطفي المتعلق بالزواج.

هل لهجرة شبابنا فوائد؟

أمام ما ذكرنا من أسباب مغرية وجاذبة لشبابنا للسفر والعمل والإقامة في بلاد الغرب، فإن هذا يعود أيضًا بفوائد ومنافع على بلادنا، ولكن هذه الفوائد والمنافع أقل من الخسارة الفادحة -البشرية والمادية- التي تخسرها بلادنا بهجرة شبابنا، ومهما زادت هذه المنافع فهي لا تقارن بخسارتنا.

ومن هذه المنافع والفوائد:

1- الاستفادة من التقدم العلمي في الغرب:

إن هجرة الشباب ليست مجرد انتقال أفراد للإقامة في بلد آخر، ولكنها انتقال لاكتساب علوم وتخصصات لا تتوفر في بلادنا، وكذلك اكتساب مهارات وقدرات وخبرات لن تجدها في بلادها، وكذلك للعمل والالتحاق بالوظائف اللائقة بما لديهم من كفاءات وحصلوه من مهارات وتخصصات، وتتوقف كمية الفائدة ومقدار النفع من خلال الأهداف التي هاجروا من أجلها، وعودة من يعود منهم للوطن يمثل إضافة للكفاءات العلمية فيها لما حصلوه من علم وتدريب، وتعد قوى دفع وتنمية لبلادنا، وبدون هذه الهجرة لا تستطيع دولنا الحصول على هذا العلوم والتخصصات.

(إن العلم والتخصص هما مقياسا الحضارة لأي مجتمع ناهض. والمهاجر يستفيد من البلاد المتقدمة التي يهاجر إليها؛ لأن إمكانيات البحث العلمي والتقدم التكنولوجي متوفرة، وإن اشتراك المهاجرين وبالذات - الخبراء منهم في بحوث علمية رائدة يعني إثراء حصيلة المعرفية الإنسانية، وكثيرون ممن شاركوا في هذه المشاريع عادوا إلى أوطانهم بمهارات قيادية وخبرات فريدة من نوعها، وتأتي الفائدة لأوطانهم عن طريق المعارف العلمية المتقدمة والمهارات الفنية الجديدة التي يعود بها المهاجرون، أو عن طريق توفير إمكانية استفادة الدول المتخلفة من نتائج البحث العلمي التي تتوصل إليها الدول التكنولوجية المتقدمة في بلادها، وفي كل يوم عشرات البحوث عن الطاقة الشمسية، ومئات الدراسات حول استخدام الذرة في الطب والزراعة وتصفية مياه البحر وتسيير المحركات وتغيير البيئة وضبط التلوث وغيرها من مئات الموضوعات الحديثة المعاصرة لصالح الإنسان وإنقاذه وتحريره وإسعاده وسلامته من الهلاك والدمار) (المصدر السابق، ص 101).

(وتتفاوت الدول في السماح بهجرة أبنائها للتخصص وطلب العلم والمعرفة، فالدول التي تهمها قضية البناء الحضاري لشعوبها ترسل أعدادا كبيرة من أبنائها للتخصص في كل مكان)، (وهناك من الدول من تضع القيود والعوائق في وجه شبابها للسفر من أجل العلم والمعرفة والتخصص، وهذا الضغط لا يولد سوى الهروب والنفور، ومن الدول من تستقطب خبرات العالم إليها، كما فعلت إسرائيل التي دخل إليها بين عام (1948م - 1980م) ما يزيد عن مليونين من أوروبا وأمريكا من خيرة المهندسين والأطباء والعلماء والأخصائيين، وكان أخطر هذه العناصر 75000 عالم وخبير من أبرز المهندسين والطيارين والجراحين من الاتحاد السوفيتي.

وفي الوقت ذاته أي بين عام (1948م - 1980م) هجر البلاد العربية ما يزيد عن المليونين من خيرة أبنائها الأطباء والمهندسين والخبراء كمهاجرين إلى الولايات المتحدة وأوروبا واستراليا، وذلك عكس ما تفعله إسرائيل) (المصدر السابق، ص 102 بتصرف).

2- تنمية الروابط والعلاقات مع الغرب:

فالهجرة إلى الدول الغربية قد تكون عاملًا مفيدًا له دوره في التفاعل مع لشعوبها وإقامة جسور للتعاون والصداقة، فالمهاجر يجد في البلد الجديدة المجال لتعميق التفاعل بينه وبين الآخرين، ويرتبط بأواصر صداقة والتعاون مع غيره، هذا على نطاق الأفراد، وكذلك على نطاق الجماعات والمؤسسات، بل قد تتكتل الأقليات حول برنامج سياسي أو اقتصادي له تأثيره الداعم الذي يخدم توجهات السياسة العامة للوطن الأم، وهذا منتشر في كثير من الجاليات والأقليات في المجتمعات الغربية وأمريكا، وأشهر مثال على ذلك هو ما يفعله اليهود في أمريكا وأوروبا من التكتل حول المنظمات الصهيونية التي أصبح لها كلمة نافذة في الكونجرس والبنتاجون (وزارة الدفاع في أمريكا)، ولها تأثيرها الفعال انتخابات الرئاسة، وفي أمور السياسة الأمريكية العليا، وتستخدم ذلك علانية وبقوة في دعم دولة إسرائيل من جهة، ومن جهة أخرى منع تقديم العون والمساعدات إلى الدول العربية من أجل تكريس التخلف والتأخر وفرضه على هذه الدول.

وهي تؤدي هذا الدور للأسف بنجاح لا ينكر طوال العقود الطويلة الماضية والتي لولاها ما قامت واستمرت دولة إسرائيل اللقيطة في منطقتنا العربية، وللأسف فما زالت الجاليات العربية في أمريكا وأوروبا الغربية عاجزة وبعيدة كل البعد عن الوصول لهذه الدرجة من التكتل والتأثير (راجع في ذلك المصدر السابق، ص 101).

(ولعل من الضروري أن نذكر أن إسرائيل هي عضو شرف في حلف الأطلنطي واليونيسكو والمنظمات الدولية الثمانية التابعة لهيئة الأمم المتحدة، وعلى ذلك تتبادل البعثات الدراسية والعسكرية مع ما يزيد على 80 دولة فيها 400 جامعة وأكاديمية عن طريق برامج التبادل الثقافي والعسكري، ومعظم هذا التبادل يتم مجانًا على شكل منح دراسية بضغوط من الدول الكبرى، وتذهب الملايين من أموالنا على بعثات لا يعود منها إلى أوطاننا بالخير إلا القليل) (راجع المصدر السابق، ص 102 بتصرف).

3- تحويلات العاملين والمقيمين في الخارج:

مما تنتفع به البلاد من جراء الذهاب للعمل والإقامة في الدول الأجنبية ما يعود للدولة من العائد المادي الذي يتولد من خلال التحويلات المالية التي يقوم بتحويلها الذين يعملون أو يقيمون بالخارج إلى عائلاتهم وأهاليهم وأقربائهم، والتي تبلغ المليارات من الدولارات سنويًّا، وما قد يستثمرون به أموالهم داخل البلاد من بعض الاستثمارات الداخلية، أو ما قد ينشطون به حركة الشراء والتعاملات المالية داخل البلاد.

4- حل جزئي مؤقت لمشكلة البطالة:

تشهد دول العالم الثالث نسبة عالية من البطالة مع عدم القدرة على معالجة هذه المشكلة المزمنة، خاصة البطالة المقنعة المتمثلة في العاملين فكافة قطاعات الإنتاج، ويرى بعض الاقتصاديين وعلماء الاجتماع أن هجرة الشباب -على خطورتها- هي حل جزئي ومؤقت لهذه القضية.

والنظرة الجادة لهذا الأمر تؤكد أن هجرة الشباب لا تعد -أو ينبغي ألا تعد- صورة من صور حل مشكلة البطالة في بلادنا للاعتبارات الآتية:

أ- أن هذه الهجرة مهما اتسعت، فلن تكون بالسرعة والأعداد الكبيرة الكفيلة بحل مشكلة البطالة -كليًّا أو جزئيًّا-؛ خاصة وأن الدول المتقدمة تراجع سياساتها في هذا الشأن مِن وقتٍ لآخر، وهي لا تقبل إلا مَن يملأون فراغًا علميًّا أو إنتاجيًّا عندهم، ومَن يتصفون بذلك من أصحاب الكفاءات والمهارات ليسوا عندنا بالكثير.

ب- إن مشكلة البطالة عندنا مصدرها معدل التزايد السكاني العالي من جهة، ومن جهة أخرى: سوء توزيع السكان على المساحة الكلية لبلادنا ذات المساحة الجغرافية الكبيرة، والتي تسمح باستيعاب ضعف ما نحن عليه من السكان على الأقل، وهناك قبل ذلك وبعده: فشل الدولة في التخطيط العلمي الصحيح وحسن الاستفادة من موارد البلاد الكثيرة والمتنوعة لاستثمار هذه الثروة، والطاقة البشرية العظيمة، والتي لو استثمرت جيدًا ونجحنا في إدارتها والتعامل معها، والاستفادة منها؛ لتغيرت أحوالنا تمامًا، كما فعلت دول كثيرة في العقود الأخيرة، ومنها: الصين، واليابان، والهند، وإندونيسيا، وماليزيا، وغيرها.

ج- إن معظم الهجرة تكون للكفاءات العلمية وأصحاب المهارات الفنية، وتزايد هجرتهم يعني تهجير أكثر فئات المجتمع قدرة على دفع عملية التنمية ورفع معدلاتها.

إن هجرة تلك الكفاءات والمهارات إلى خارج البلاد بعد قيام الدولة بالإنفاق عليها وتعليمها وتدريبها وإعدادها، ينتج عنه كما يشير الدكتور محمد ربيع في كتابه: (هجرة الكفايات العلمية - مطابع الكويت - 1972م):

1- فقد هذه الاستثمارات المالية التي قدمت لتعليمهم وتدريبهم.

2- خسارة عينية تتمثل في فقد معظم أو كل ممتلكات هؤلاء المهاجرين، وما يحققونه من ثروات ويبذلونه من استثمارات خاصة تتم خارج بلادنا.

3- ضياع نسبة كبيرة من رأس المال البشري لبلادنا، وإضعاف القوى المنتجة في المجتمع.

4- إضعاف القدرة الذاتية لدى المجتمع على القيادة والإدارة والتنظيم.

وهي خسارة فادحة تنعكس آثارها السلبية على الدولة، فتزيد من تأخرها وتخلفها الاقتصادي والعلمي وتعرقل تقدمها، لتتفاقم مشاكلنا السياسية والاقتصادية والعلمية بما فيها مشكلة البطالة نفسها.

للاستزادة راجع:

- المصدر السابق (ص102 - 109).

- هجرة الأدمغة العربية: د. إلياس زين - المؤسسة العربية للدراسات والنشر - بيروت - 1972م.

- هجرة الكفاءات العلمية اللبنانية: د. أنطوان زحلان - حلقة الدراسات حول الكفاءات العلمية - مايو 1972م - وزارة الإعلام بيروت.

- تنمية الموارد البشرية كمحور للتكامل العربي: د. أنطوان زحلان - مجلة دراسات عربية بيروت عدد (6) 1976م.

- هجرة الكفايات العلمية: د. محمد ربيع - مطابع الكويت - 1972م.

- مقال: (هجرة الخبراء والفنيين بين عوامل الجذب من الخارج والطرد من الداخل)، فهمي هويدي - الأهرام - بتاريخ 4 يوليو 1969م، ص 9.