ودق ناقوس الخطر! التربية الجنسية (9)

  • 401

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد تكلمنا في المقال الماضي عن اللواط (الشذوذ الجنسي) وحرمته!

- وأما حدّه في الإسلام: فهو القتل، وهذا إجماع الصحابة -رضي الله عنهم-، لكنهم اختلفوا في طريقة القتل.

قال ابن القيم -رحمه الله-:

 "ولما كانت مفسدة اللواط من أعظم المفاسد، كانت عقوبته في الدنيا والآخرة من أعظم العقوبات، وقد اختلف الناس: هل هو أغلظ عقوبة من الزنا، أو الزنا أغلظ عقوبة منه، أو عقوبتهما سواء؟ على ثلاثة أقوال:

1- فذهب أبو بكر الصديق وعلي بن أبي طالب، وخالد بن الوليد، وعبد الله بن الزبير، وعبد الله بن عباس، ومالك وإسحاق بن راهويه، والإمام أحمد في أصح الروايتين عنه، والشافعي في أحد قوليه إلى: أن عقوبته أغلظ من عقوبة الزنا، وعقوبته القتل على كل حال، محصنًا كان أو غير محصن.

2- وذهب الشافعي في ظاهر مذهبه، والإمام أحمد في الرواية الثانية عنه إلى: أن عقوبته وعقوبة الزاني سواء.

3- وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أن عقوبته دون عقوبة الزاني، وهي: التعزير.

- قال أصحاب القول الأول، وهم جمهور الأمة، وحكاه غير واحد إجماعًا للصحابة: ليس في المعاصي مفسدة أعظم من مفسدة اللواط، وهي تلي مفسدة الكفر، وربما كانت أعظم من مفسدة القتل، كما سنبينه -إن شاء الله تعالى-.

قالوا: ولم يبتلِ الله -تعالى- بهذه الكبيرة قبل قوم لوط أحدًا من العالمين، وعاقبهم عقوبة لم يعاقب بها أمة غيرهم، وجمع عليهم أنواعًا من العقوبات من الإهلاك، وقلب ديارهم عليهم، وخسف بهم، ورجمهم بالحجارة من السماء، وطمس أعينهم، وعذّبهم وجعل عذابهم مستمرًا؛ فنكّل بهم نكالًا لم ينكّله بأمة سواهم؛ وذلك لعظم مفسدة هذه الجريمة التي تكاد الأرض تميد من جوانبها إذا عُملت عليها، وتهرب الملائكة إلى أقطار السموات والأرض إذا شاهدوها خشية نزول العذاب على أهلها، فيصيبهم معهم، وتعج الأرض إلى ربها -تبارك وتعالى-، وتكاد الجبال تزول عن أماكنها.

وقتل المفعول به خير له من وطئه، فإنه إذا وطأه الرجل قتله قتلاً لا ترجى الحياة معه، بخلاف قتله، فإنه مظلوم شهيد.

قالوا: والدليل على هذا -يعني على أن مفسدة اللواط أشد من مفسدة القتل-: أن الله سبحانه جعل حد القاتل إلى خِيرة الولي؛ إن شاء قتل، وإن شاء عفى، وحتّم قتل اللوطي حدًّا كما أجمع عليه أصحاب رسول الله، ودلت عليه سنة رسول الله الصريحة التي لا معارض لها، بل عليها عمل أصحابه وخلفائه الراشدين -رضي الله عنهم أجمعين-.

وقد ثبت عن خالد بن الوليد أنه وجد في بعض نواحي العرب رجلا يُنكح (أي: يجامع) كما تُنكح المرأة، فكتب إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فاستشار أبو بكر الصديق الصحابة -رضي الله عنهم-؛ فكان علي بن أبي طالب أشدهم قولاً فيه، فقال: ما فعل هذا إلا أمة من الأمم واحدة، وقد علمتم ما فعل الله بها؛ أرى أن يحرّق بالنار، فكتب أبو بكر إلى خالد فحرقه. وقال عبد الله بن عباس: "ينظر أعلى ما في القرية فيرمى اللوطي منها منكسًا ثم يتبع بالحجارة.

وأخذ ابن عباس هذا الحد من عقوبة الله للوطية قوم لوط.

وابن عباس هو الذي روى عن النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ، فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ) (رواه أبو داود والترمذي، وصححه الألباني)، واحتج الإمام أحمد بهذا الحديث، وإسناده على شرط البخاري.

قالوا: وثبت عنه أنه قال: (لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قوْمِ لوطٍ، لعَنَ اللهُ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قومِ لوطٍ) (أخرجه أحمد، وصححه الألباني)، ولم يجئ عنه لعنة الزاني ثلاث مرات في حديثٍ واحدٍ، وقد لعن جماعة من أهل الكبائر، فلم يتجاوز بهم في اللعن مرة واحدة، وكرر لعن اللوطية فأكده ثلاث مرات، وأطبق أصحاب رسول الله على قتله، لم يختلف منهم فيه رجلان، وإنما اختلفت أقوالهم في صفة قتله، فظن بعض الناس أن ذلك اختلاف منهم في قتله، فحكاها مسألة نزاع بين الصحابة، وهي بينهم مسألة إجماع، لا مسألة نزاع" (الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي).

يتبع -إن شاء الله-.