مَن للأقصى اليوم... ؟!

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فإن الله -سبحانه وتعالى- حكم عدل، لا يظلم الناس شيئًا، ولكن الناس أنفسهم يظلمون، قال -عز وجل-: (وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ) (الشورى:30)، وقال -تعالى-: (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) (آل عمران:165).

وقال -عز وجل- للمؤمنين لمَّا أصابهم ما أصابهم يوم "أُحد" -وكان فيهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وباقي العشرة المبشرون بالجنة -رضي الله عنهم-، وكان فيهم السابقون الأولون من المهاجرين والأنصار- لمَّا وُجدت طائفة منهم تريد الدنيا: (مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ) (آل عمران:152)، فإذا كان وجود طائفة تريد الدنيا في جيش فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الكرام، فما الذي يُظن بوجود مَن لا يريد إلا الدنيا، وما يريد شيئًا مِن الآخرة؟! وأهل إرادة الآخرة ما أضعف إرادتهم لها، وما أقل عملهم مِن أجلها، نسأل الله -عز وجل- العفو والعافية.

حكمه -سبحانه وتعالى- عدل على ما أصابنا، وإن كنا نسأله -تعالى- أن يجعله خيرًا لنا، وإن الإيمان لهو ذلك المحوِّل الذي يُحول الشرَّ الذي يصيب المؤمن والضراء إلى خيرٍ؛ فيجعل الله -عز وجل- هذا الشر خيرًا له، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَبًا لِأَمْرِ الْمُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَاكَ لِأَحَدٍ إِلَّا لِلْمُؤْمِنِ، إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ، فَكَانَ خَيْرًا لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ فَكَانَ خَيْرًا لَهُ) (رواه مسلم).

والله -سبحانه وتعالى- ما سلَّط علينا عدونا إلا بسببٍ منا؛ وهذا يقتضي إذا أردنا حقًا أن نغير هذا الواقع؛ فليس بالشعارات ولا بالهتافات، فإن ذلك إنما هو تفريغ شحنة في النفس لا يغير شيئًا؛ خصوصًا إذا صدر ممَن يصر على معصية الله -سبحانه وتعالى-؛ كأن هذا الأمر هو المطلوب يظن القائم به أنه قد أدى ما عليه، لا والله، إن علينا واجبًا كبيرًا لابد أن نؤديه إذا أردنا أن نغير هذا الواقع، أن نغير تلك الأسباب، واجبنا أن نغير هذا الذي بنا؛ فيغير الله -عز وجل- ما بنا، فهو سبحانه لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

فهذا الواقع وإن كان واقعًا أليمًا موروثًا، وُلِدْنا وقد وُجد؛ إلا أننا علينا دور في تغييره، فمنذ أكثر من 80 سنة قد دخلت جنود الكفار إلى بيت المقدس، وإلى دمشق وإلى الشام كله؛ بل وإلى كل ديار المسلمين بعد هزيمة الدولة العثمانية في الحرب العالمية الأولى، ودخلت جيوش الحلفاء إلى بيت المقدس في 1917 من الميلاد، وفي تلك السنة وقف اللورد اللمبي على قبر صلاح الدين يقول له: "ها قد عدنا يا صلاح الدين!" ولا حول ولا قوة إلا بالله! واقع أليم.

وفي نفس السَّنة أُعطيت الوعود -وعد بلفور- بعد أن حاولوا قبل ذلك أن يشتروا فلسطين من السلطان عبد الحميد؛ فأبى -رحمه الله وغفر له- أن يأذن لهم في مجرد الشراء في أرض فلسطين، ولكن كانت عدتهم أن يهزموا هذه الدولة المريضة.

والحقيقة: أن هزيمتها كانت قبل ذلك بقرنين من الزمان، كانت أسباب الهزيمة في فساد العقيدة التي قد انتشرت، في مظاهر الشرك والبدع، ومظاهر التقليد الأعمى، ومظاهر غياب الشخصية المسلمة من عقيدة صحيحة وعبادة سليمة، ومعاملات في الحلال وترك للحرام، وحكم بشرع الله -سبحانه وتعالى- وأخلاق سوية في الأفراد وفي الأمة كذلك، فتراكمت هذه الأحداث حتى أدت إلى هذه الهزيمة، وأدت إلى دخول الكفار بيت المقدس فمهدوا لليهود.

ما نراه اليوم وإن كان اليهود قد أفلحوا منذ بدأ الصراع معهم في أن يجعلوا الإسلام خارج المعركة، وأن ترفع الشعارات الباطلة من قومية ووطنية وغيرها، وأدى ذلك إلى الهزائم المتتالية في كل مرة من المرات، وهذا الذي جعلهم حين دخلوا بيت المقدس سنة 1967 منذ أكثر من 53 سنة لم يزيلوا المسجد، كما فعل الصليبيون يوم دخلوا القدس؛ فرفعوا الصليب على قبة الصخرة، وجعلوا المسجد مكانًا لحيواناتهم، ومنعوا الصلاة فيه أكثر من 80 عامًا، فضلًا عن قتلهم كل مَن في بيت المقدس مِن المسلمين، سبحان الله! ما فعل اليهود ذلك في تلك المعركة التي أخذوا فيها بيت المقدس؛ لأنهم يريدون أن يظل الإسلام خارج المعركة، ونجحوا نجاحًا كبيرًا، لكن -بإذن الله تبارك وتعالى- لن يدوم هذا النجاح؛ لأننا نقول لابد أن نغير ما بأنفسنا فيغير الله -عز وجل- ما بنا.

ولابد أن نعلم أن الإسلام هو الكفة الراجحة في هذه المعركة، لا يمكن أن ننتصر بغيره، ولا يمكن أن يظهر على الأعداء اليهود إلا المؤمنون، لا يمكن أن يظهر على أعداء الله إلا مَن رجا لقاء الله -سبحانه وتعالى-، ونحن لا نحاربه بكثرة عدد ولا عدة، بل كما وصف الله -سبحانه-: (قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) (البقرة:249)، فلابد أن يكون ولاؤنا لهذا الدين، وبراؤنا من أعدائه أيًّا مَن كانوا.

ما حصل لنا ما حصل إلا يوم أن رفعت المناهج التي تترك دين الله -سبحانه وتعالى- وتخالف كتابه فوق رؤوس الناس، وشربها الكبار والصغار جميعًا عبر السنين والأجيال؛ أدت هذه المناهج إلى أن يُترك كلام ربنا صراحةً ويعتقد الناس خلافه كذلك.  

الله -عز وجل- يقول: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا) (المائدة:82)، ودخل فيهم بلا شك مَن يواليهم مِن النصارى ويعينهم أفظع معاونة وأشدها فجورًا علانية أمام الناس؛ لذلك هم دخلوا في الذين أشركوا بلا شك؛ لأنهم مِن الذين قالوا: "إن الله ثالث ثلاثة"، ومِن الذين قالوا: "إن الله هو المسيح ابن مريم".

نقول: إنه يوم أن تُرك ذلك، وأعلن أنه قد زالت العداوة بيننا وبينهم، وأننا وهم أصدقاء وأولياء وحلفاء؛ كل ذلك أدَّى إلى ما نرى؛ يوم أن تُرك منذ سنين طوال -لا أقول هذا الجيل بل أجيال- قول الله -تعالى-: (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَن يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة:29).

نعم ميراث مؤلم ورثناه وولدنا عليه، لكن ماذا صنعنا نحن منذ أن أوجدنا الله -عز وجل- على هذه الأرض؟ كلنا يسأل نفسه هذا السؤال؛ لأنها ثمرة تقصير مُرة عبر قرون وأجيال -نسأل الله العفو والعافية-.

لابد من العودة الصادقة بالفعل، لابد من الإيمان، لابد من تحقيق العبودية، نعم والله إنه لطريق طويل، لكنه لا طريق غيره؛ أما ما قد يظنه البعض من إعلانات وشعارات ويطالبون مثلًا بإعلان الجهاد؛ نذكرهم فقط بيوم سقطت القدس، كيف سقطت في يد اليهود؟ منذ أكثر من خمسين سنة كان هناك إعلان للحرب: "كل الناس سوف تحارب، هنحارب، هنحارب، كل الناس هتحارب"، بل دخلت بعض الدول كالأردن التي كانت تسيطر على بيت المقدس -القدس الشرقية كما يقولون، والقدس كلها إسلامية لا شرقية ولا غربية، كلها للمسلمين، فلسطين كلها إسلامية لا يجوز أن يفرط فيها- فأعلنت الحرب، مع أنها في الحقيقة ليس عندها شيء تحارب به؛ وإنما ليتمكن اليهود من احتلال الضفة الغربية وبيت المقدس، وكانت الموازين كلها تؤكد أنه لا يمكن أن يكون هناك دفاع، بلد ليس عنده جيش، وقادة جيشه من الإنجليز في أوقات طويلة عبر تاريخه، ومع ذلك يدخل حربًا، لماذا لا نعقل التاريخ؟

وقد أعلن أحد الحكام في حربٍ منذ سنوات في العراق، أعلنها جهادًا إسلاميًا؛ فهل صار جهادًا بذلك؟ لذلك نقول: لا نريد مثل هذه الأوهام الكبيرة، ولكن كيف نظل مستسلمين؟ كيف نظل في هذا الذل والخنوع؟

لابد أن نسير على الطريق القويم الذي يبدأ من تغيير حقيقي من داخلنا، ليس من مجرد إعلانات، لكن بأن نتنازل عن حظوظ دنيانا لكي نُقبل على ديننا، ونقبل على آخرتنا، ونحقق صفة العبودية؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- وعد عباده المؤمنين الذين يعملون الصالحات بالنصر والتمكين (وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا) (النور:55).

فهل حققنا هذه الأوصاف فعلًا؟!

هل حققنا عبودية حب الله -عز وجل- والخوف منه وحده ورجائه وحده؟!

هل حققنا أن نخلص لله -عز وجل- في نياتنا ولا نتنافس إلا في آخرتنا، ولا نتباغض ولا نتحاسد؟!

هل حققنا عبودية الحب في الله والبغض في الله؟!

هل حققنا عبودية الصبر واليقين كما وصف الله -عز وجل-: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ) (السجدة:24)؟!

هل حققنا عبودية طلب العلم حتى نكون على علم بديننا نطبقه بعمل شرعي صحيح، ونسير في طريق التزامنا يومًا بعد يومًا أكثر مما كنا فيه قبل ذلك؟ أم أننا اكتفينا بالإعلان؟

هذا في الملتزمين، وأما باقي رجال ونساء المسلمين فهم بعد يبحثون عن الفيلم والتسلية، والقنوات، والمحمول، والسيارة، ما زال الأمر هكذا حتى رغم ما يظهر بقية من حياة قلوبهم، رغم رفضهم.

ولا شك أننا نحبذ هذا الرفض من الجميع لذلك الواقع الأليم، وللظلم والعدوان، لكننا نقول: هناك واجبات أخرى تبدأ من تلقاء أنفسنا؛ لأن ما أصابنا كان من عند أنفسنا، فلابد أن نغير ما بنا وما بأنفسنا، ليغير الله -عز وجل- ما بنا.

نريد أن نحقق العبودية لله -سبحانه وتعالى- ليتغير ذلك الواقع، لابد من الدعوة إلى الله -عز وجل-، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مهما كانت العقبات، ما أكثر العقبات في طريق الالتزام نعم، ولكن لابد أن تتخطى هذه العقبات وتواظب عليه، وتحقق التعاون على البر والتقوى، وأن نكون بالفعل يدًا واحدة في نصرة ديننا، ولا شك أن شعور المسلمين بآلام بعضهم البعض في كل مكان هو من أعظم الدلائل على حياة هذا الجسد، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ، وَتَرَاحُمِهِمْ، وَتَعَاطُفِهِمْ مَثَلُ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى) (متفق عليه).

كم ليلة تركناها من غير قيام ومن غير تضرع ودعاء؟ الله -عز وجل- يصيبنا بأنواع البلايا ليسمع تضرعنا، ومع ذلك فما أقل ذلك، كلنا مشغول بنفسه وبمشاكله الشخصية، وربما لم يصلِّ ركعتين من أجل أن يفرج الله كرب المكروبين المسلمين في كل مكان، هذا والله ربما كان أنفع من الكثير من الشعارات التي نعم أقول هي تدل على خير، لكنها لا يمكن أن تكفي، ولا يمكن أن تكون هي الطريق.

كم منا مَن اغتنم أوقات الإجابة لكي يدعو الله -سبحانه وتعالى- للمستضعفين من المسلمين؟ ولكي يدعو الله -عز وجل- ليقيم فينا أمر الجهاد في سبيله وهو ذروة سنام الدين؟ ولكن أيقوم السنام بلا قوائم؟ أين القوائم؟ الذي يريد أن يعلن السنام قائمًا بلا قواعد، سوف يسقطه في لحظات.

النبي -صلى الله عليه وسلم- شبَّه هذا الدين بالبعير وجعل ذروة سنامه الجهاد في سبيل الله، أتراه يقف بلا قوائم؟ أتراه إن كان مقطع القوائم في مجتمعات المسلمين في كل مظاهر حياتهم أيمكن أن يقوم؟! والإعلانات عنه ماذا تثمر؟!

لذلك ليس الأمر وليد اللحظة، وكذلك لن يكون الطريق في لحظة، هذا الذي يستصعب الطريق لطوله؛ نقول له لابد أن تسير فيه؛ هو أقصر الطرق رغم ذلك، وهو الطريق المستقيم، والجهاد له سبيله وصراطه الذي يجب أن نسير فيه من الآن بالتربية الإيمانية، بالإعداد بقلوبنا وأعمالنا وأخلاقنا، ودعوتنا إلى الله -تعالى-، وتعاوننا على البر والتقوى، وإقامة الدين في أنفسنا وفيمن حولنا، وأن نوقظ الهمم للالتزام بدين الله -سبحانه وتعالى-.

ونعلم في كل ذلك: أن الله -عز وجل- إنما أصابنا بما أصابنا لننكسر له -عز وجل- لا إلى عدونا، إن الله -سبحانه وتعالى- أبى لنا -شرعًا- أن ننكسر لعدونا، (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ) (آل عمران:139)، قالها لهم مع الهزيمة؛ لذا قالوا كما أرشدهم نبيهم -صلى الله عليه وسلم- لما قال أبو سفيان: "أُعْلُ هُبَلْ، أُعْلُ هُبَلْ"، قال: (قُولُوا: اللَّهُ أَعْلَى وَأَجَلُّ)، قال أبو سفيان: "إِنَّ لَنَا العُزَّى وَلاَ عُزَّى لَكُمْ"، قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (قُولُوا: اللَّهُ مَوْلاَنَا، وَلاَ مَوْلَى لَكُمْ) (رواه البخاري).

ولا سواء بيننا وبينهم، فقتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، فقد نُغلب؛ لكن لا ننكسر إلا لله -سبحانه وتعالى-، ونأبى الهوان والذل للأعداء (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ . وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (آل عمران:146-147).

نعم ننكسر لله -عز وجل-، والشعور بالعجز إلا مِن حول الله وقوته، وأن الصدور قد ضاقت إلا مِن فرج مِن عنده -سبحانه وتعالى-، شعورنا بأننا انكسرنا لله وخضعنا له، وأصابنا ما أصابنا وتضرعنا، (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ) (الأنعام:43)، نعوذ بالله من قسوة القلب.

ووالله، هذا الذي يفتح الله -سبحانه وتعالى- به الأبواب، وقد أقسم الله -تعالى- بعزته وجلاله لينصرن دعوة المظلوم ولو بعد حين، وهو -سبحانه وتعالى- حكم عدل.

والله -عز وجل- قال لبني إسرائيل لما ذكر تمكنهم وتسليط العدو عليهم بما أحدثوا، وقد وقع ذلك في التاريخ الماضي: (وَقَضَيْنَا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ فِي الْكِتَابِ لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا . فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولَاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا . ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ وَأَمْدَدْنَاكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَجَعَلْنَاكُمْ أَكْثَرَ نَفِيرًا . إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا . عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يَرْحَمَكُمْ وَإِنْ عُدْتُمْ عُدْنَا وَجَعَلْنَا جَهَنَّمَ لِلْكَافِرِينَ حَصِيرًا) (الإسراء:4-8).

هذه الآيات نستفيد منها فائدة عظيمة، فعندما كان بنو إسرائيل مسلمين، وعندما كان عندهم بقية من إيمان، ولكن وجد منهم الانحراف؛ سلط الله عليهم عدوهم حتى دمروا ما علوا عليه من بلادهم تتبيرًا، ودخلوا المسجد.

وليس هذا بدخول المسلمين إلى بيت المقدس في آخر الزمان، ولا ظهور الإسلام فيه، وهو حاصل بإذن الله، ولكن ليس المقصود من الآية، فإن المسلمين لو دخلوا المسجد عظموا المسجد وما تبروا ما علوا تتبيرًا، كما فعلوه عندما دخلوه في عهد عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- فعظموا بيت المقدس، وعظموا المسجد الأقصى وطهروا تلك الصخرة مما كان فيها من الأدناس، وكذا فعلوه عندما دخلوه في عهد صلاح الدين -رحمه الله تعالى-.

وكذلك إذا مكنهم الله من اليهود وزعيهم الدجال على يد المسيح -صلى الله عليه وسلم-، فإنهم لن يدمروا تلك البلاد المكرمة المقدسة المشرفة، ولكن هذا الذي وقع من الكفرة عندما سلطهم الله على بني إسرائيل، عندما كان فيهم مؤمنون، ليرحمهم -سبحانه وتعالى-، فنقول: "عسى ربنا أن يرحمنا إن نحن عدنا"، نحن ابتلينا لنعود، نحن لم نبتلَ كي نظل على ما نحن عليه ولكي نزداد خطايا وذنوبًا وبدعًا ومعاصٍ، وشركًا وضلالًا، الله ابتلانا ليرحمنا إذا عدنا، إذا استفدنا من الدرس.

فنريد أن نستفيد من هذا الدرس، حين دنس المجرمون المسجد الأقصى، وحين قتلوا المسلمين شر مقتلة -ولا حول ولا قوة إلا بالله-، لكن يجعل الله في ذلك خيرًا، فإنه بظلم هؤلاء اليهود يمحقهم الله -عز وجل-، (وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ . وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِين) (آل عمران:140-141).

هو -سبحانه- يريد محقهم وتدميرهم، فإنهم إذا بغوا نصرنا الله -سبحانه وتعالى- عليهم، كما قال الله -سبحانه وتعالى-: (إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ . وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ . وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ) (القصص:4-6).

الأعداء اليوم يقومون بدور فرعون ذلك الزمان، يقتلون المسلمين ويستحلون حرماتهم، والله يريد أن يمن على المستضعفين، وأشد المستضعفين في كل بلاد الأرض هم مَن التزموا بدين الله -سبحانه وتعالى-، هذه مِن الإشارات -بإذن الله-.

فوجود البلاء يكون خطوة على الطريق مع الصبر واليقين بوعد الله، فإننا لابد أن نوقن بأن العاقبة للمتقين وأن الله -سبحانه وتعالى- يكيد كيدًا (فَمَهِّلِ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْدًا) (الطارق:17)، وعن قريب يعلمون، (وَأَبْصِرْهُمْ فَسَوْفَ يُبْصِرُونَ) (الصافات:175)، والله -سبحانه وتعالى- وعد عباده المؤمنين النصر، وكتب أنه يغلب هو ورسله -سبحانه وتعالى-، فقال -تعالى-: (إِنَّ الَّذِينَ يُحَادُّونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ فِي الْأَذَلِّينَ . كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ) (المجادلة:20-21)؛ فرغم كل الكيد والعداوة، فإن الله -عز وجل- هو الذي قدَّر ذلك ليهدي مَن شاء ويخرج مَن شاء مِن الظلمات إلى النور (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا) (الفرقان:31)، ينصر مَن يشاء، ويهدي من يشاء.

فإذا بالشعوب التي أعدت لها العدة، لكي تضل أعظم الضلال، لتساق إلى مذبحها سعيدة راضية؛ إذا بها -بإذن الله تبارك وتعالى- تعود إلى هداية ربها، فينصرها الله -عز وجل-، وتأمل هذا الطريق الواضح: (وَكَفَى بِرَبِّكَ هَادِيًا وَنَصِيرًا)، فبدأ بالهداية قبل النصرة، فلن تتحقق النصرة قبل أن تتم الهداية، فإذا اهتدينا بهدى الله وقبلنا بنعمة الله العظيمة دين الإسلام، وحفظناه في حياتنا؛ فإن الله تعالى ينصرنا على عدونا.

وإذا كان الله -سبحانه- قد جعل لكل نبي عدوًّا شياطين الإنس والجن، فذلك لكي يبتلي عباده ويختبرهم، لكي تقبل على الباطل قلوب، ولكي تنصرف عنه كذلك قلوب، فلنكن من الذين صرفت قلوبهم عن الباطل، ورغبوا في دين الله -سبحانه وتعالى-، وفي الثواب عنده -عز وجل-.

إذا ثقلت موازين الإيمان في قلوبنا ثقلت كفتنا في مواجهة عدونا، وإذا كانت موازين الإيمان في قلوب مليار ونصف مليار مسلم، هي بموازين الذر -لا نقول قد خرجوا من الدين، لكن إذا كانت كالذر- فماذا تصنع مليار ذرة في كفة ميزان؟ هل ترجِّح كفة؟

فما رجحت كفة الأعداء؛ إلا لأن الإيمان قد ضعف أو زال من قلوب البعض وإن تسمى باسم الإسلام، لذلك عباد الله: رجحوا موازين الإيمان في قلوبكم، في قلب كل واحد منا، فليرجع اليوم ليزداد إيمانًا بتلاوة كتاب ربه، والصلاة والصيام، والدعاء، والتضرع.

ومَن يسأل: أريد أن أفعل شيئًا؟ فماذا أفعل؟

الجواب: تفعل أنك تزيد الإيمان في قلبك، والله المستعان.

وإذا تعاونا على البر والتقوى، فإننا نسأل الله -عز وجل- رجحان كفتنا.

نسأل الله -سبحانه وتعالى- أن يوفقنا لما يحب ويرضى.