منزلة الإخبات (وبشر المخبتين)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فمنزلة الإخبات من منازل الإيمان، قال الله -عز وجل-: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (هود:23).

والإخبات هو: التواضع والخشوع، وأرض خبت: أي: منخفضة. وقيل: هم الرقيقة قلوبهم. وقيل: إنه يفيد السكون والطمأنينة. وقيل: هو أول منازل الثبات، وعدم التردد أو التلوم والندم.

كيف نصل إليه ونحققه؟

لابد من معرفة أن تحقيق جديد في الإيمان، والحياة على الإخبات لله -عز وجل-، يحتاج إلى:

1- علم.

2- صبر.

3- نية.

4- توسل إلى الله.

5- همة عالية.

6- نظر إلى الجنة.

7- توكل على الله.

8- صحبة صالحة.

9- محبة لله ولرسوله -صلى الله عليه وسلم-، وللصحب الكرام؛ أصحاب المنازل العالية من الإيمان.

واليقين أنه مَن يتحرى الخير ويطلبه يعطيه ربه المزيد، ومَن يتوقى الشر ويتركه سيعافيه الله منه.

درجات الإخبات:

- الدرجة الأولى:

1- تستغرق العصمة الشهوة كأنها غير موجودة، فإن ثمرة أعمالك الإيمانية وتحقيق الإخبات بأدائه بإخلاص واتباع؛ سبب عظيم لتقبل الله منك كل أعمالك دون موانع منك؛ فهي تعصمك وتحفظك من الشهوات وحظوظ النفس، والمعلوم أن فاقد القدرة على منع نفسه من الحرام سببه أن الله تخلى عنه ونسيه؛ لعدم وجود طاعات منه مرفوعة للسماء، وتالله ما عدا عليك الشيطان إلا عندما أعرض عنك الولي، ولا تظن أن الشيطان غالب، ولكن الحافظ أعرض.

2- وتستدرك الإرادة الغفلة كأنه في ذكر وطاعة على الدوام، فعلو إرادة المخبت وسمو همته تحيط وتمنع أن يقع في غفلة أو تقهقر؛ بل هو دائمًا في يقظة وطاعة وذكر لله -عز وجل-؛ ولذا فالطاعة تعصمه، والنية والإرادة تحركه وتدفعه للأمام، وسلوته ازدياد طلبه لمعرفة ربه وشرعه، ويضحي بحظوظ نفسه المباحة؛ ذلك لما رأى وعاين طعم الإيمان، وحلاوة الطاعة، ولذة اليقين.

استغراق العصمة الشهوة، واستغراق الإرادة الغفلة، واستغراق علو الهمة في الطلب كل حظوظ نفسه وهواه. 

- الدرجة الثانية:

مداومة السير رغم العقبات والموانع، مثل معارض أو مخالف؛ ويستمر حتى لو كان وحده؛ لذلك لابد من معرفة الحق ومدارسته ليصل صاحبه إلي اليقين به، فيثبت رغم كثرة المعارضين، ويثبت عند وجود الفتن والشدائد.

- الدرجة الثالثة:

اليقين مِن تحقيق الإخلاص وعلو الهمة في الاحتساب، وانتفاء حظوظ للنفس؛ فيستوي عند المخبت المادح والذام في الحق؛ لأنه في الحقيقة يريد وجه الله وشرع ودينه.

بتلك الأسباب يبني المخبت كيانًا لإيمانه ينفعه وينتفع به كل المحيطين حوله؛ حتى الأرض والسماء، والشجر والدواب، ويتربى أهله ورحمه وإخوانه وسائر المسلمين حوله بما يرون من حاله وإيمانه.

حينذاك ينتفع به كيان دعوته وجماعته، ويكون رحمة حيثما حل.

وحتى تكتمل منظومة الإخبات الإيمانية ولا تنقص، يكون آخر بند في الدرجة الثالثة: أن تدوم لائمة المخبت لنفسه حتى يكمل، وتتزكي نفسه دائمًا، فلا يعاتب، ولا يخاصم، بل يكون سهلًا هينًا، صاحب خُلُق حسن حتى يعتذر لمَن أساء إليه، خروجًا من الخصومة والخلاف، ويهتم بمعالي الأمور، متواضعًا خاشعًا، محاسبًا لنفسه على الدوام، ذاكرًا لله بقلبه وجوارحه، موصولًا بالمنبع الصافي الصحب الكرام، وعلى منهج سبيل المؤمنين؛ هينًا كريمًا مفضالًا، لا ينقطع خيره وعطاؤه دائمًا حتى يلقى ربه الكبير المتعال.

نسأل الله -عز وجل- أن يرزقنا الإيمان الصادق، ويجعلنا من المخبتين.

وصلى الله وسلم على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وعلى آله وصحبه وسلم.