من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (6)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

12- مِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

كثرة الاعتبار والبكاء، والاهتمام بأمر الموت إذا رأوا جنازة، أو تذكروا الموت وسكراته، وسوء الخاتمة، حتى تزلزل قلوبهم.

كان أبو هريرة -رضي الله عنه- إذا رأى أحدًا يحمل جنازة يقول لها: "امضِ إلى ربك، فإنا على إثرك ماضون".

وكان مكحول الدمشقي يقول إذا رأى جنازة: "اغدوا فإنا رائحون، موعظة بليغة قليلة، وغفلة شنيعة، يذهب الأول والآخر لا يعتبر".

وكان الأعمش يقول: "كنا نشهد الجنائز فلا نرى إلا متلفعًا باكيًا".

وذلك لأنهم كانوا يتذكرون جنازة أنفسهم، فلا يبكون على الميت، ولكن على أنفسهم.

فجدير بمن الموت مصرعه، والقبر مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة موعده، والجنة أو النار مورده، ألا يكون له فكر إلا في ذلك، ولا استعداد إلا له.

فاعلم ذلك، واعتبِر كما اعتبر هؤلاء، وأكثِر من البكاء والنحيب، فإن بين يديك مِن الأهوال ما لا يوصف، نسأل الله العافية في الدنيا والآخرة.

13- ومن أخلاقهم رضي الله عنهم:

كثرة العفو والصفح عن كل مَن آذاهم بضرب أو أخذ مال أو وقوع في عرض أو نحو ذلك؛ عملًا بقول الله -عز وجل-: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (المائدة:13)، وبقوله -عز وجل-: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (آل عمران:134).

وتخلقًا بأخلاق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث كان لا ينتقم لنفسه، وإنما ينتقم إذا انتهكت حرمات الله -عز وجل-.

ومَن تخلق بهذا الخلق الكريم يكون أقرب إلى رحمة أرحم الراحمين، وعفوه ومغفرته، كما في الصحيح: (كَانَ تَاجِرٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، فَإِذَا رَأَى مُعْسِرًا قَالَ لِفِتْيَانِهِ: تَجَاوَزُوا عَنْهُ، لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهُ) (رواه البخاري).

وكان جعفر بن محمد -رحمه الله- يقول: "لأن أندم في العفو، أحب إليَّ مِن أندم على العقوبة".

وسُئل قتادة -رحمه الله: "مَن أعظم الناس قدرًا؟ قال: أكثرهم عفوًا".

ويروى أن أحد السلف غاظه غلام له فجأة غيظًا شديدًا، فهم بالانتقام منه، فقال الغلام: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ) فقال: كظمت غيظي. قال الغلام: (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) قال: عفوت عنك. قال: (وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). قال: اذهب، فأنتَ حر لوجه الله".