قصة صاحب الجنتين

  • 563

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

المقدمة:

- قصة تصوِّر لنا مَثَلًا في القيم الفاسدة الزائلة، والقيم الباقية، وترسم نموذجين واضحين للنفس المعتزة بزينة الحياة الدنيا، والنفس المعتزة بالله -عز وجل-: قال الله -تعالى-: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا رَجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنْكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا . وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا . قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا . لَكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِنْ جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنْفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَالَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُنْ لَهُ فِئَةٌ يَنْصُرُونَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنْتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا) (الكهف:32-44).

- الإشارة إلى سبب النزول: وهو استنكاف سادات المشركين من مجالسة النبي -صلى الله عليه وسلم- في حضور أصحابه الفقراء: (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا).

- الإشارة إلى تقسيم تناول القصة إلى ثلاثة مشاهد: (حال العبد الغافل المغرور بالنعم - حال العبد المؤمن الفقير الناصح إلى شكر المنعم - عاقبة كفر نعم الله).

1- المشهد الأول: حال العبد الغافل المغرور بالنعم:

- جعل الله له من النعم ما يبهج النفوس ويسر الناظرين؛ ابتلاءً وامتحانًا كما هي سنة الله في الخلق: (جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍ وَحَفَفْنَاهُمَا بِنَخْلٍ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا . كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْئًا ۚ وَفَجَّرْنَا خِلَالَهُمَا نَهَرًا . وَكَانَ لَهُ ثَمَرٌ... ).

- كفَرَ الرجل بنعمة الله، وتعالى وتكبر على صاحبه الصالح الفقير: ذكر بعض المفسرين أن صاحبه جاء يستقرضه لحاجة ألمت به، فجعل يعيب عليه إقباله على العبادة والعمل الصالح، ويعيره بفقره، كأنه يريد أن الطاعة والعبادة هي سبب الفقر والحاجة، وأما هو فإنه بعلمه المزعوم صار غنيًّا وصاحب نعم كثيرة! (فَقَالَ لِصَاحِبِهِ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَنَا أَكْثَرُ مِنكَ مَالًا وَأَعَزُّ نَفَرًا).

- بل ازداد كفرًا بشكه في قدرة الله على البعث والحساب: (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِ أَبَدًا . وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا).

- هكذا ظن أن الدنيا والنعم أعطيت له كرامة، وجهل أنها أهون شيء على الله: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ لَهُمُ الدُّنْيَا وَلَنَا الآخِرَةُ؟) (متفق عليه)، وقال -تعالى-: (وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ) (الأحقاف:20)، فتعلق قلبه ونظره بالنعم، ونسي المنعم -سبحانه-: (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَّهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا) (الكهف:7).

- وهكذا فشل وسقط في الامتحان: قال -تعالى- عن نبيه سليمان -عليه السلام- لما أعطاه من فضله: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ) (النمل:40)، وقال -تعالى- عن أمثاله المغرور: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى . أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى) (العلق:6-7)، وقال: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ) (فصلت:51)، وقال عمَن اغتروا بكثرة المال وسلطان الدنيا: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ) (المائدة:18)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مِنْ الدُّنْيَا عَلَى مَعَاصِيهِ مَا يُحِبُّ فَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْرَاجٌ) (رواه أحمد بسندٍ حسنٍ).

2- المشهد الثاني: حال العبد الصالح الفقير الناصح:

- هنا قام العبد الصالح المعتز بالله وطاعته ينصح ويؤدي واجب الدعوة الى الله: (قَالَ لَهُ صَاحِبُهُ وَهُوَ يُحَاوِرُهُ أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ).

- تذكير بالأصل والتطور في الخلق بما فيه تنبيه على أن القادر على الخلق قادر على البعث: (أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا)، وكذلك التذكير بالضعف والفقر من باب (هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا) (الإنسان:1).

- ثم إعلان لأهم قضية في الحياة وأنه مهما عظمت الفتن بالدنيا -ومنها الفقر- فأنا على العهد: (لَّٰكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَدًا)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (اللهمَّ أَنْتَ رَبِّي لا إِلَهَ إلا أَنْتَ، خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدُكَ، وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ، أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرِّ مَا صَنَعْتُ، أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيَّ، وَأَبُوءُ لَكَ بِذَنْبِي، فَاغْفِرْ لِي؛ فَإِنَّهُ لا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلا أَنْتَ) (رواه البخاري).

- إذا أعجبتك نعمتك فالواجب شكر المنعم، فذلك أدعى لدوامها وزيادتها: (وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ).

فائدة: أركان شكر النعم:

أولها: الاعتراف بالنعمة ونسبتها إلى المنعم -سبحانه-: (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي) (النمل:40)، وكان سيد الشاكرين -صلى الله عليه وسلم- يشكر الله ويحمده في كل أحواله، من مآكل ومشرب، ونوم وقيام، وعطاس، ويقول: (‏الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمُّ الصَّالِحَاتُ) (رواه ابن ماجه، وصححه الألباني).

ثانيها: التحدث بها والثناء على المنعم -سبحانه-: (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) (الضحى:11).

ثالثها: تسخيرها في طاعة المنعم -سبحانه-: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا) (سبأ:13).

- وهكذا قام العبد الصالح يخوفه من عاقبه الكفر والجحود لنعم الله: (إِن تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنكَ مَالًا وَوَلَدًا . فَعَسَىٰ رَبِّي أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًا مِّنَ السَّمَاءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا . أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا).

3- المشهد الثالث: عاقبة كفر نعم الله:

- صدق العبد الصالح في توقعه أو استجابة دعائه: (أَوْ يُصْبِحَ مَاؤُهَا غَوْرًا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَبًا . وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا).

- أين المال؟ أين الولد؟ أين العشيرة؟ أين الخدم والحراس؟: (وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَا أَنفَقَ فِيهَا وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَدًا . وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا . هُنَالِكَ الْوَلَايَةُ لِلَّهِ الْحَقِّ هُوَ خَيْرٌ ثَوَابًا وَخَيْرٌ عُقْبًا).

- هكذا عاقبة كل مَن جحد نعمة الله، أو استعملها في غير مرضاته سبحانه: قال -تعالى-: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ . وَلَا يَسْتَثْنُونَ . فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِّن رَّبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ . فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيمِ) (القلم:17-20)، وقال عن قارون: (فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ) (القصص:81)، وقال سفيان بن عيينة في قوله -تعالى-: (سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ) (الأعراف:182)، قال: "نسبغ عليهم النعم، ونمنعهم الشكر".

4- خاتمة: الشكر قيد النعم:

- شكر المنعم سبحانه يحفظ النعم ويزيدها: قال -تعالى-: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِن شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ) (إبراهيم:7)، وقال بعض السلف: "النعم وحشية فقيدوها بالشكر"، وقال الحسن البصري: "إن الله ليمتع بالنعمة ما شاء، فإذا لم يشكر عليها قلبها عذابًا، ولهذا كانوا يسمون الشكر: الحافظ؛ لأنه يحفظ النعم الموجودة، والجالب، لأنه يجلب النعم المفقودة".

- هناك أغنياء صالحون يتمنى الإنسان أن يكون مثلهم في تواضعهم وأخلاقهم وسخائهم: قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (نِعْمَ المالُ الصَّالحُ للمَرءِ الصَّالحِ) (رواه أحمد، وصححه الألباني)، وقال: (لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ، رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَسُلِّطَ عَلَى هَلَكَتِهِ فِي الْحَقِّ) (متفق عليه).

- تأمل خاتمة القصة تعرف أن العزة في طاعة الله، وليست بالدنيا والمال والبنين: (وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا . الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِندَ رَبِّكَ ثَوَابًا وَخَيْرٌ أَمَلًا) (الكهف:45-46).