(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)

  • 429

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد قال -سبحانه وتعالى-: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (البقرة:216).

فقد أرشدت هذه الآية الكريمة المؤمنين برحمةٍ ولطفٍ أن تسكن نفوسهم وترضى بقدر الله العليم الحكيم -سبحانه وبحمده-؛ لأن العبد ضعيف فقير، يجهل الكثير من حكمة وعلم الله -تعالى-، فما يحبه المرء ويريده قد يكون فيه شقاؤه، وما يكرهه ويتجنبه المرء قد يكون فيه الخير والسعادة له، وختمت الآية الكريمة بالعلة العظيمة لهذه الأمور، وهي أنه -تعالى- يعلم وأنتم لا تعلمون.

وما أجمل قول النبي -صلى الله عليه وسلم- في دعائه: (اللَّهُمَّ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ، وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ، أَحْيِنِي مَا عَلِمْتَ الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي، وَتَوَفَّنِي إِذَا عَلِمْتَ الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي) (رواه النسائي، وصححه الألباني).

ففيه إظهار قدرة وعلم الله -تعالى- علام الغيوب، وكذلك فقر وضعف الإنسان إلى ربه، وهذا من أعظم وأرجى أسباب إجابَةَ الدعاء، وكذا علم النبي -صلى الله عليه وسلم- المستخير أن يقدم بين يدي سؤاله لربه مثل ذلك كما في الدعاء: (اللهُمَّ إنِّي أسْتَخيرُكَ بعِلْمِكَ، وأسْتَقْدِرُكَ بقُدْرَتِكَ، وأسْألُكَ مِنْ فضلِكَ العَظِيم، فإنَّكَ تَقْدِرُ ولا أقْدِرُ، وتَعْلَمُ ولا أعْلَمُ، وأنْتَ عَلاَّمُ الغُيوبِ) (رواه البخاري)، ثم يشرع في سؤال ربه العليم القدير القريب المجيب -سبحانه وبحمده-.

فكم مِن آلام وأحزان تمر على العبد في حياته لربما البعض من شدتها تفطَّر فؤاده حزنًا لها وألمًا، فانظر إلى الغلام الذي قتله الخضر لا شك أن في قتله ألمًا وحزنًا لوالديه المؤمنين، لكن ربك رؤوف رحيم -سبحانه وبحمده- بعباده المؤمنين فأخبر -تعالى- على لسان الخضر: (وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا) (الكهف:80).

قال قتادة -رحمه الله-: "قَدْ فَرِحَ بِهِ أَبَوَاهُ حِينَ وُلِدَ، وَحَزِنَا عَلَيْهِ حِينَ قُتِلَ، وَلَوْ بَقِيَ كَانَ فِيهِ هَلَاكُهُمَا، فَلْيَرْضَ امْرُؤٌ بِقَضَاءِ اللَّهِ، فَإِنَّ قَضَاءَ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِ فِيمَا يَكْرَهُ خَيْرٌ لَهُ مِنْ قَضَائِهِ فِيمَا يُحِبُّ... " (انظر: تفسير ابن كثير).

بل هذا أيضًا فيه رحمة بهذا الغلام، ليس بأبويه وحسب، بل هو لو كان بقي لكفر، فرحمه الله -تعالى- بموته، بل ويجمع مع والديه في الجنة، كما قال النووي -رحمه الله-: "أجمع من يعتد به مِن علماء المسلمين على أن مَن مات مِن أطفال المسلمين، فهو مِن أهل الجنة؛ لأنه ليس مكلفًا" (شرح النووي على صحيح مسلم)، فكم في البلايا من عطايا، بل مَنَّ الله عليهم بمولود غيره أزكى وأرحم وأبر بهما؛ ليكون خير عوض لهما عن الغلام الذي قتل، كما قال -تعالى-: (فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا) (الكهف:81)، "أَيْ: وَلَدًا أَزْكَى مِنْ هَذَا، وَهُمَا أَرْحَمُ بِهِ مِنْهُ، قَالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. وَقَالَ قَتَادَةُ: أَبَرُّ بِوَالِدَيْهِ".

وكل ذلك اللطف والرحمة أثر من آثار رحمة الله الرحيم العليم بعباده المؤمنين.

فاللهم لك الحمد، لا نحصي ثناءً عليك، أنت كما أثنيت على نفسك.