سؤال وجواب حول الكورونا

  • 805

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

السؤال:

ما دور الفرد والمجتمع والمؤسسات في وقت الفتن والابتلاءات؟

الجواب:

الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شرك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، أما بعد؛

فلا شك أننا لابد أن نتكاتف جميعًا، ونتعاون على البر والتقوى عندما تحدث فتن ونوازل تهدد بلادنا ومجتمعنا وأفراد أمتنا، فلابد أن نتعاون على دفعها؛ وأعظم ذلك الدعاء والتضرع إلى الله -عز وجل- قال الله -تعالى: (فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُم بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) (الأنعام:43)، وعلى المؤسسات وعلى المسئولين في الدول وكبار الناس ورؤوسهم أن يجتهدوا في منع المنكرات، ومنع الذنوب العامة المعلنة التي تستجلب سخط الرب -سبحانه وتعالى- ونزول النقم، فنحن في حاجة إلى توبة جماعية؛ ليرفع الله هذا البلاء.

 ونحتاج أن نتعظ جميعًا بتذكر ضعف البشر، العالم كله ينتفض من أجل فيروس لا يُرى بالعين المجردة؛ بل ولا بالميكروسكوبات العادية، شيء على حافة الحياة لا يعيش مستقلًا؛ إنما يعيش على الخلايا الحية، ومع ذلك فالعالم كله عاجز؛ إلا أن يأذن الله بأن يُلهم البعض لقاحًا أو دواءً، فجبروت الإنسان وطغيانه لابد أن يوضع تحت الأقدام.

 ولابد أن نعلم جميعًا أن توحيد الله -سبحانه وتعالى- والإيمان برسوله -صلى الله عليه وسلم- سبب النجاة؛ حيث قال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُون) (الأعراف:96).

ثم الأخذ بالأسباب أمر مشروع؛ لكن لا تغني الأسباب عن التوكل على الله -عز وجل- وشهود قدرته -سبحانه وتعالى-، وشهود إحاطته وقهره للبشر والخلق جميعًا، قال -تعالى-: (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (الأنعام:18)، وأخْذُنا بالأسباب في حدود الشرع بما لا يُعطل أسبابًا أخرى أعظم منها في استمرار الحياة، نسأل الله أن يعافي المسلمين من كل بلاء.

ترويج شائعات حول كورونا لتحقيق مصالح خاصة:

شائعات كثيرة في أزمنة الفتن، وقضية كورونا من ضمن الأمور التي تنشر فيها الشائعات حتى تصيب الناس بالهلع، النسبة عندنا في مصر نحو 2 في المليون، مائة وكسر من الحالات، وإلى الآن -حتى تاريخ الطبع- عدد الذين توفوا ستة أشخاص؛ يعني نحو 2 من عشرة في المليون، ومع ذلك الهلع الذي يحدث وترديد الشائعات خطر عظيم يؤدي إلى ضرر أضعاف مضاعفة لضرر المرض الأصلي، عندما يفزع الناس فيتدافعون ربما يقتل بعضهم بعضًا، أضعاف الأمر الذي أفزعهم ربما كان صوتًا فجائيًّا من سقوط شيء لا يضر، لكن الفزع والتدافع يؤدي إلى أضرار عظيمة جدًّا.

فنحذر من الشائعات ومن ترديدها ومن نشرها على وسائل التواصل، أنا أتعجب من أناس ينشرون أخبار بعض الجرائد الأجنبية والقنوات الأجنبية المغرضة؛ من أن عدد الحالات في مصر وصل اليوم 17 من مارس إلى 19 ألف حالة؛ هل أنتم قمتم بالتحليل؟ لا، هل فكر الناس من أين أتى هذا العدد 19 ألف؟ هل حللتم لـ 19 ألف وتأكدتم أنهم مصابون؟ أم هي معادلات في أدمغة البعض؟!

الدولة أعلنت عددًا معينًا من الحالات بعد التحليل، ونحن نصدق ما أعلنته الدولة، وفي الحقيقة نحن لا نرى شيئًا أمامنا على الإطلاق؛ فهل ترون الناس يصابون في الطرقات بضيق التنفس وارتفاع درجة الحرارة؟ كم عدد معارفك علمت أنهم أصيبوا بارتفاع درجة الحرارة وضيق في التنفس بالأعداد التي يظن البعض بأنها وبائية بالدرجة المرعبة؟!

هو وباء في العالم بمعنى أنه وصل لعدد ضخم جدًّا من الدول (120 دولة تقريبًا)، ربما تزيد بعض الدول خلال اللحظات والأيام القادمة؛ فهذا الذي يجعل منظمة الصحة العالمية تقول: إنه وباء؛ أما داخل البلد فنحن لم نصل بعد إلى هذا الأمر؛ مما لا يصح معه أن ننشر الشائعات، فلابد أن نحذر من هذه الشائعات، ونحذر كذلك من إفزاع الناس وتخوفيهم.

 والإجراءات الاحترازية لا تعني أن الناس قد أصيبوا، الإجراءات التي اتخذتها الدول من منع المدارس ومنع الطيران -ونسأل الله أن لا تزيد على ذلك- إلى الآن كلها إجراءات احترازية لا تدل على أن هناك إصابات وبائية بالعدد الذي يهدد البلد، هذا احتراز واحتياط، لابد أن يكون في دائرة الاحتياط لا نجعله على أنه حقائق يقينية.

احتكار السلع أو تخزين المقتدرين لها كلاهما يضر الفقراء:

قضية التكالب على السلع التموينية تؤدي إلى أزمات حقيقة أخطر من المرض؛ لو أن الناس أصيبت به، لماذا نتكالب على السلع؟! مَن يتكالب هم مَن معهم الأموال؛ أما الذين يشترون طعامهم يومًا بيوم يحصل لهم نوع هائل من الضرر؛ إذا سحبت المخزونات من المحلات والمخازن الصغيرة والكبيرة -أحيانًا بسبب شدة الطلب- وخُزِّنت في البيوت حيث لا يجد الناس كفايتهم؛ يكون في هذا ضرر عظيم.

إذا كان من أهل العلم مَن يحتج على الإجراءات الاحترازية بقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا ضَرَرَ وَلَا ضِرَار) (رواه أحمد وابن ماجه، وصححه الألباني)؛ فلماذا نضر غيرنا بشراء ما لا نحتاج؟! والكلام على حظر التجول قبل أن يُعلن ونحو ذلك، لماذا نصنع ذلك بأنفسنا؟ لماذا نضر الفقراء والمحتاجين الذين يأكلون طعامهم وحاجياتهم يومًا بيوم؟ يكفيهم ما هم فيه من البلاء من الفقر والشدة، لابد أن نراعي ذلك وأقول لإخواني جميعًا في كل مكان: لا تتكالبوا على شراء المنتجات والسلع التموينية.

 ونؤكد على أن من يحتكرون السلع في هذه الأوقات؛ بمعنى يجمعون كل ما للناس به حاجة؛ فهم خاطئون كما أخبر الني -صلى الله عليه وسلم-: (لا يَحْتَكِرُ إِلَا خَاطِئٌ) (رواه مسلم)، والصحيح أن كل شيء يحتاج إليه الناس حاجة ماسة أو يكون بعد ذلك من ضرورياتهم؛ فلا يجوز احتكاره، ولا رفع الأسعار عن ثمن المثل لمجرد استغلال حاجة الناس.

فإن الواجب العدل، وقد قال الله -تعالى-: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ) (الأعراف:85)، فالشيء الذي يساوي جنيهًا أو جنيهين لو باعه تاجر بمائة؛ لأن الناس يحتاجون إليه، فقد بخس الناس المائة جنيه التي في أيديهم، بخسهم حين ضاعف عليهم الثمن بغير سبب؛ فإن هذا ضرر بالغ على الناس، والعقوبات التي قررت على مَن يستغل حاجات الناس عقوبات تعزيرية مشروعة.

الهلع والخوف غير مطلوب، بل أخذ الاحتياطات والحذر:

كل شيء فيه غلو لا يجوز؛ فقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إِيَّاكُمْ وَالغُلُوّ) (رواه أحمد والنسائي، وصححه الألباني)، والأمر في ذلك مبني على القواعد الطبية، ومبني على غلبة الظن، ومبني على مشاهدة الواقع؛ حتى لا يكون التفزيع العالمي الذي يُمارس من قِبل وسائل الإعلام العالمية واصًلا ضرره إلينا.

ونحن لا نأمر بالتفريط في الأخذ بالأسباب: مثل التعقيم، وغسل الأيدي بالماء والصابون، ونحو ذلك، وهي أمور يسيرة، بل نظافة مشروعة؛ فقد أمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بغسل اليد قبل الطعام، وحذر من أن يبيت الرجل وفي يده غمر؛ فإن أصابه شيء فقد برئ منه النبي -عليه الصلاة والسلام-، وأمر عند العطاس أن يضع يده أو كمه، ومثله المناديل الورقية ونحوها، هذه سنة ثابتة نأخذ بها، ولا نترك ما نقدر عليه من الأسباب؛ لكن من دون فزع، لابد أن نتوكل على الله -سبحانه وتعالى- ونوقن أن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وأن ما أخطأنا لم يكن ليصيبنا.

ونوقن أن الله -سبحانه وتعالى- كتب الآجال وكتب مقادير الأمور قبل خلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة كما قال النبي -عليه الصلاة والسلام-، وقد قال الله -عز وجل-: (مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ . لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ) (الحديد:22-23).

نُهدئ من روع الناس ونطمئنهم بالإيمان بالقدر مع الأخذ بالأسباب هذا هو الواجب كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (اِحْرِصْ عَلَى مَا يَنْفَعُكَ وَاسْتَعِنْ بِاللهِ ولا تَعْجَز وَإِنْ أَصَابَكَ شَيْءٌ، فَلَا تَقُلْ لَوْ أَنِّي فَعَلْتُ كَانَ كَذَا وَكَذَا، وَلَكِنْ قُلْ قَدَرُ اللهِ وَمَا شَاءَ فَعَلَ، فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ) (رواه مسلم)، والأجل جنة حصينة كما قال علي -رضي الله عنه-، وقال -تعالى-: (إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ) (يونس:49).

لا نفرط في الأسباب، لا نفرط في العزل المطلوب للمرضى والمشتبه فيهم، فالعزل المطلوب للمرضى إجباري؛ لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (لا يُورِدُ مُمْرِضٌ على مُصِحٍّ) (رواه مسلم)، وللمشتبه فيهم مشروع؛ وذلك أيضًا حتى لا تستنهك الطاقة الطبية؛ لأن كل سعلة وكل عطسة سوف تكون اشتباهًا، والأمر ليس كذلك، أهل الطب أدرى بما يكون اشتباهًا في هذا الباب، وعلى أي حال الاشتباه ليس كالمرض المحقق.

فلذلك نقول: عزل المشتبه فيه مشروع، وعزل المريض واجب، وليس أن يعامل الناس كلهم على أنهم مرضى، ووضع سجادة خاصة بالإنسان للصلاة في المساجد أمر لابأس به مع وجود الحاجة إلى ذلك، أو أن يسجد على منديل ونحو هذا، وكذلك أن يلبس كمامة إذا كان عنده سعال أو عطاس؛ لأن هذا الأمر يقلل -بإذن الله تبارك وتعالى- أمر انتشار الأمراض، وأما الكمامة للجميع حتى تضاعفت أسعار الكمامات؛ فالأظهر طبيًا أن هذا لا يحتاج إليه إلا لمن يتعامل كثيرًا مع مَن يشتبه فيه؛ لأن الفيروس غالبًا ينتقل باللمس أكثر منه بالتنفس، وإن كان هناك احتمال لانتقاله بالتنفس، لكنه احتمال مرجوح إلى الآن، فالدراسات تفترض صحة ذلك، لكن الأكثر على أنه ينتقل باللمس، فتطهير الأيدي بالماء والصابون يكفي -إن شاء الله-.

ودورنا أن نتعاون ونهدأ ونعلم أننا كلنا في سفينة واحدة، سفينة هذا البلد، ونحتاج إلى أن تمر الأزمة بسلام حتى يأذن الله -عز وجل- علينا بالفرج علينا وعلى كل بلاد المسلمين.

ونسأل الله -عز وجل- أن يرفع عنا الوباء والبلاء والفتن والمحن.

هل الخوف من الإصابة بالعدوى من كورونا يعتبر عذرًا في التخلف عن صلاة الجمعة والجماعة في المسجد؟

الجواب:

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛

فالواجب على المريض الذي تأكدت إصابته بالمرض المنتشر أن يجتنب الاختلاط بالأصحاء، ويُشرع لمن اُشتبه بإصابته بوجود دلائل أن يعتزل الجُمع والجماعات أيضًا.

وأما عامة الناس فلا أنفع للأمة من لجوئهم إلى المساجد، والمحافظة على الشعائر التي بها تستمطر الرحمات.

وإن جماعات المساجد شأنها شأن أماكن العمل ومحلات السوبر ماركت، وغيرها، والتي لم يُمنع الناس منها، مع اتخاذ تدابير وقائية وتوجيه نصيحة بالمحافظة على تلك التدابير في المساجد بأعلى درجة؛ مثل تطهير المساجد، وترك المصافحة، وتخفيف الصلاة والخطبة، وعدم التجمع بعدها، وكذلك ترك المعانقة والقبلات، مع تطهير الأيدي وغسلها بالماء والصابون كثيرًا بعد ملامسة ما يحتمل أن يكون سببًا لانتقال المرض.

وقد أصدرت وزارة الأوقاف تعليمات ممتازة ينبغي الالتزام بها؛ حيث أكدت وزارة الأوقاف "أنه بناء على ما صدر من بيانات متتابعة لعددٍ من الهيئات العلمية والفقهية -وفي مقدمتها هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف- من جواز الأخذ بالرخصة في الظروف الراهنة في عدم حضور الجمع أو الجماعات بالمساجد؛ فإن الأوقاف تؤكد على ذلك، وتراه أولوية للمرضى وكبار السن، ومن أراد الحرص على الجماعة من هؤلاء فلا حرج أن يصلي جماعة بأهله في منزله.

وأوضحت الوزارة بأن مساجدها ما زالت مفتوحة أمام ضيوف الرحمن، وأنه يستحب لمن أراد الذهاب إلى المسجد أن يصطحب مصلاه الخاص ما أمكن، وأن يتوضأ في بيته قبل الذهاب إلى المسجد، وأن يلتزم عدم المصافحة والاكتفاء بإلقاء السلام.

وينصح بفتح جميع المساجد والزوايا لتخفيف الزحام وتقليل فرص الانتقال؛ حيث يصلي كل واحد في أقرب المساجد إليه، وترغيب النساء في الصلاة في المنزل في هذه الظروف.