مقاصد المكلفين (11)

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلقد استعرضنا في المقال السابق مسألة مهمة، ألا وهي: أن أمر الصدق والإخلاص في النيات من أشقّ الأمور وأعظمها على النفوس، حتى صرح كثير من العلماء والصالحين أنهم تعبوا في مجاهدة النفس في أمر النية، وذكرنا أن الشيطان إنّما يصارع ويحاول أن يملك القلب ويستولي عليه ليفسده.

ثم هناك جهة أخرى تؤثر على القلب، وهي النفس، فالنَّفس أمارة بالسّوء، تدعو إلى الطغيان وتأمر بالشرّ كما قال -تعالى-: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) (يوسف:53)، وقال نبي الله يعقوب -عليه السلام- لأبنائه عندما زعموا أن الذئب قد أكل يوسف -عليه السلام-: (بَلْ سَوَّلَتْ لَكُمْ أَنْفُسُكُمْ أَمْرًا) (يوسف:18)، وقال -تعالى- في حقّ ابن آدم قابيل الذي قتل أخاه هابيل: (فَطَوّعَتْ لَهُ نفْسُهُ قَتْلَ أخِيهِ فقتله) (المائدة:30)، ومركب النفس الأمارة بالسوء الهوى والشهوات، فالمسلم لا ينجو إلاّ بمجاهدة الهوى ومصارعته.

وقد قال الله -تبارك وتعالى- على لسان امرأة العزيز: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي) (يوسف:53)، والنفس البشرية لو أن الإنسان أطاعها لأوردته الموارد والمهالك؛ لأنها تميل إلى الدعة والخمول، ولا تريد أن تستقيم على طاعة لا سيما ما شق عليها من الطاعات؛، لذا يجب على الإنسان أن يجاهدها وأن يعلم أنه في حرب مع النفس والشيطان والهوى والدنيا، ومِن ثَمَّ يحتاج المسلم إلى قوة تحميه من مكائد الشيطان وميول النفس، فهو يحتاج إلى صحبة الصالحين، وحضور مجالس العلم، والإكثار من قراءة القرآن، والذكر والاستغفار، ولزوم صلاة الجماعة، وكثرة الصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم-، وغير ذلك من أنواع العبادات التي تحمي القلب من الزيغ.

فالسر يكمن في المجاهدة، وقد قال الله -تعالى-: (وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا) (العنكبوت:69)، وعن فَضَالَة بْن عُبَيْدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ: (أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالْمُؤْمِنِ؟ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ، وَالْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ النَّاسُ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ، وَالْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللهِ، وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ الْخَطَايَا وَالذَّنُوبَ) (رواه أحمد وابن حبان، وصححه الألباني).

قال ابن القيم -رحمه الله- في زاد المعاد: "كَانَ جِهَادُ النَّفْسِ مُقَدَّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوِّ فِي الْخَارِجِ، وَأَصْلًا لَهُ، فَإِنَّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوَّلًا، لِتَفْعَلَ مَا أُمِرَتْ بِهِ، وَتَتْرُكَ مَا نُهِيَتْ عَنْهُ، وَيُحَارِبهَا فِي اللَّهِ: لَمْ يُمْكِنْهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ فِي الْخَارِجِ؛ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوِّهِ، وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ: وَعَدُوُّهُ الَّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ، مُتَسَلِّطٌ عَلَيْهِ، لَمْ يُجَاهِدْهُ، وَلَمْ يُحَارِبْهُ فِي اللَّهِ؛ بَلْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إِلَى عَدُوِّهِ، حَتّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ؟!" (انتهى).

هذا وقد وصف الله -تعالى- النفس في القرآن بثلاث صفات: نفس مطمئنة، ونفس لوامة، ونفس أمارة بالسوء؛ فالنفس المطمئنة: هي التي رضيت بالله ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمد -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا ورسولًا، وهي النفس التي سكنت إلى الله واطمأنت بذكره وطاعته وأنابت إليه واشتاقت إلى لقائه -سبحانه وتعالى-، وأنست بقربه، وهي التي يقال لها عند الوفاة: (يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ . ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً . فَادْخُلِي فِي عِبَادِي . وَادْخُلِي جَنَّتِي) (الفجر:27-30).

وسُميت مطمئنة؛ لأنها اطمأنت إلى محبة الله -تعالى- وطاعته، وعبوديته وشرعه، واطمأنت إلى الرضا به ربًّا وبالإسلام دينًا، وبمحمدٍ -صلى الله عليه وسلم- نبيًّا وسولًا، فاستسلمت لله -تعالى- وانقادت له.

وأما النفس اللوامة: فهي التي تلوم صاحبها دومًا، فهي تلومه في حال الطاع، ألا يكون قد أداها على الوجه الأكمل، وكذلك تلومه في حال المعصية على التفريط والوقوع في الزلل، والنفس اللوامة نفس مؤمنة؛ ولذلك أقسم الله بها قائلًا: (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ . وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) (القيامة:1-2)، قال الحسن: "إن المؤمن -والله- ما تراه إلا يلوم نفسه على كل حالاته يستقصرها في كل ما يفعل فيندم ويلوم نفسه، وإن الفاجر ليمضي قُدمًا لا يعاتب نفسه!".

وأما النفس الأمارة بالسوء: فهي التي تأمر صاحبها بما تهواه من شهوات الغي واتباع الأهواء والباطل والضلالات والبدع، وهي الأصل كما قال -تعالى-: (إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ) (يوسف:53).

ولذا كان من دعاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ، وَالْكَسَلِ، وَالْجُبْنِ، وَالْبُخْلِ، وَالْهَرَمِ، وَعَذَابِ الْقَبْرِ، اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِي تَقْوَاهَا، وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا. أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا. اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) (رواه مسلم).

ونستكمل في المقال القادم -بمشيئة الله تعالى-.