من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (10)

  • 235

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

21- ومِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

ظنهم بأنفسهم الهلاك، بسبب تقصيرهم في الطاعات؛ فضلًا عن وقوعهم في المعاصي، ويقولون: الرجاء في الله -تعالى- أن يعفو عنا هو تحصيل الحاصل، وإنما الشأن في ظن أحدهم أن الله -تعالى- يؤاخذه على النقير والقطمير، ليخفَّ وقوفه للحساب يوم القيامة، فإن من لم يحاسب نفسه هنا يطول وقوفه للحساب هناك، قال الله -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ) (الحشر:18).

وقال عمر -رضي الله عنه-: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوا أعمالكم قبل أن توزنوا، وتهيئوا للعرض الأكبر"، (يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ) (الحاقة:18).

كان عبد الرحمن بن هرمز الأعرج يقول: "فتشوا أنفسكم فيما هي عليه من القبائح، فإن كل أحد يحشر غدًا مع جنسه، فمن وقع في سائر المعاصي فله مع كل قوم حشر".

وكان -رحمه الله- كثيرًا ما يعاتب نفسه ويوبخها ويقول لها: "إن المنادي ينادي يوم القيامة: يا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم، ثم ينادي: يا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم، ثم ينادي: يا أهل خطيئة كذا قوموا، فتقوم يا أعرج معهم، فأراك يا أعرج تقوم مع كل طائفة".

22- ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

عدم الاعتناء ببناء الدور ونحوها، ثم إن وقع أن أحدهم بنى دارًا اقتصر منها على ما يدفع الضرورة من غير زخرفة؛ وذلك لعدم وجود ما يكفي لذلك من الحلال، وعدم طول الأمل، فلا يدعهم قصر أملهم يفعلون ذلك.

عن أنس -رضي الله عنه- قال: خَطَّ النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- خُطُوطًا، فَقَالَ: (هَذَا الأَمَلُ وَهَذَا أَجَلُهُ، فَبَيْنَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذْ جَاءَهُ الخَطُّ الأَقْرَبُ) (رواه البخاري).

مر أحدهم على شخص يبني دارًا ويحكمها، فأنشد يقول:

أتـبني بـناء الخـالـديـن وإنما             بقاؤك فيها لو عـقـلـت قـليـل

لقد كان في ظل الأراك كفاية             لمن كل يـوم يـقـتضيه رحيل

وكان بعضهم يعيب على الفقير إذا رآه يبني دارًا، ويقول له: "إن الذي تصرفه على هذا البناء لا تلحق تسكن به، وزجر رجلًا من أصحابه بنى بيتًا وصرف عليه سبعمائة وقال: لو سكنت بأجرة لكفاك العُشر مما صرفته في هذا البناء!".

وقد درج السلف الصالح كلهم على عدم الحرص وطول الأمل.

وللحديث بقية -إن شاء الله-.