اغتنموا الفرص قبل ضياعها

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فكم مِن فرصة مضت مع مرور الزمن، ما لفواتها وضياعها ثمن!

فرصة الشباب حين لا تُغتنم قبل الهرم.

وفرصة الصحة حين لا تُغتنم قبل المرض.

وفرصة الغنى حين لا تغتنم قبل الفقر.

وفرصة الفراغ حين تضيع قبل الشغل.

وفرصة مساحة لنشر دين الله حين لا تُغتنم قبل فقدها.

وفرصة أهل العلم حين لا تُغتنم قبل ذهابهم.

وفرصة بر الوالدين حال حياتهم حين لا تغتنم قبل موتهما.

وأعظم الفرص: فرصة الحياة حين لا تُنتهز قبـل الموت، قال خـالد بن معـدان: "إذا فُتح لأحدكم بـابُ خيـر؛ فليسرع إليه، فـإنه لا يـدري متى يُغلـق عنه".

لقد كان -صلى الله عليه وسلم- يوجِّه أمته لاستغلال الفرص قبل ضياعها، كما جاء في الحديث: (اغْتَنِمْ خَمْسًا قَبْلَ خَمْسٍ: شَبَابَكَ قَبْلَ هِرَمِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَحَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ) (رواه الحاكم، وصححه الألباني)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ، فَإِنَّهُ قَدْ يَمْرَضُ الْمَرِيضُ، وَتَضِلُّ الضَّالَّةُ، وَتَعْرِضُ الْحَاجَةُ) (رواه أحمد وابن ماجه، وحسنه الألباني).

حين عدم النبي -صلى الله عليه وسلم- محضنًا تربويًا، ومكانًا يعلم فيه أصحابه دين الله -سبحانه- كانت دار الأرقم بن أبي الأرقم -أول مركز دعوي إسلامي- الفرصة المتاحة، التي جعلها الجامعة العلمية، والمحضن التربوي الذي ربى النبي -صلى الله عليه وسلم- فيه طليعة أصحابه الذين حملوا معه المسئولية الكبرى في تبليغ رسالة الله -تعالى-.

وكم كان موسم الحج فرصة عظيمة استثمرها -صلى الله عليه وسلم- في تبليغ دين الله -تعالى- بطريقة مباشرة لكل من استطاع الوصول إليه، ففي موسم الحج في "السنة الحادية عشرة" من البعثة دخلت الكوكبة الأولى من خزرج المدينة في الإسلام؛ فبلغ ذكره -صلى الله عليه وسلم- المدينة، وفي "السنة الثانية عشرة" وفي موسم الحج كانت بيعة مع اثني عشر نفرًا من المدينة، فدخل الإسلام إلى المدينة، وفي موسم الحج في "السنة الثالثة عشرة" تمت بيعة العقبة الثانية مع بضعٍ وسبعين نفرًا من أهل المدينة، وكان ذلك كله مقدمة لهجرته -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة.

ولقد كان أصحاب الهمة والبصيرة يتنافسون في اغتنام الفرص، كما في حديث السبعين ألف الذين يدخلون الجنة بغير حساب، قال -صلى الله عليه وسلم-: (فَرَأَيْتُ سَوَادًا كَثِيرًا سَدَّ الْأُفق فَقيل: هَؤُلَاءِ أُمَّتُكَ وَمَعَ هَؤُلَاءِ سَبْعُونَ أَلْفًا قُدَّامَهُمْ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ... )، فقام عُكَّاشة بن محصن، فقال: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، قَالَ: (اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ مِنْهُمْ).

فتأمَّل كيف اغتنم عكَّاشة -رضي الله عنه- الفرصة، لحظة واحدة رحلت به إلى دخول الجنَّة بغير حساب!

وكم كانت هذه الأمنية في نفوس الجالسين، ولكن تأخرهم عن استثمار هذه الفرصة فوَّتها عليهم، وقد حاول أحدُهم أن يَلحق بصاحبه، فقال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: ادْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِنْهُمْ، فَقَالَ: (سَبَقَكَ بِهَا عُكَّاشَةُ) (متفق عليه).

قال ابن حجر -رحمه الله- في فوائد قصة كعب: "وفيه أن المرء إذا لاحت له الفرصة في الطاعة؛ فحقه أن يبادر إليها، ولا يسوف بها؛ لئلا يحرمها" (فتح الباري).

إن الذي لم يغتنم فرصة حياته، وظل على تفريطه وتقصيره فسيندم ندمًا شديدًا، ويتحسر تحسرًا عظيمًا على هذه الفرصة التي أضاعها، فيتمنى حين يعاين خسارته أن تتهيأ له مرة أخرى حتى يحسن التعامل معها، ولكن هيهات، فما كل عثرة تُقال، ولا كل فرصة تُنال، والفرص لا تبالـي بمـن لا يُشغل بها بـال.

إن من أسباب تضييع الفرص التي قد تتاح للإنسان في حياته، حالة الأمل التي يعلل بها نفسه؛ آملًا أن يتاح له ما هو أفضل منهـا، أو ربما ينتـابـه نوع من التراجع والتردد، يؤدي إلى تضييع فرص مهمة كان يمكن أن يغتنمها، ومن أقوالهم: "من أخّـر الفـرصـة عن وقتها، فليكـن على ثقة من فـوتها".

لما أراد الأعشى أن يسلم، اعترضه بعض المشركين من قريش، فسأله عن أمره، فأخبره أنه يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ليسلم فقال له: يا أبا بصير، إنه يحرم الزنا، فقال الأعشى: والله إن ذلك لأمر ما لي فيه من أرب، فقال له: يا أبا بصير، فإنه يحرم الخمر، فقال الأعشى: أما هذه فوالله إن في النفس منها لعلالات -الشرب بعد الشرب تباعًا-، ولكني منصرف فأتروى منها عامي هذا، ثم آتيه فأسلم، فرجع، فوقصته ناقته، فسقـط فمات.

وعاجز الـرأي مضياع لفـرصته         حتى إذا فـات أمرٌ عـاتب القـدرَ

قال توماس أديسون: "يخسر الناس معظم الفرص؛ لأنها تأتيهم دائمًا بملابس العمل، فلا توجد فرص مجـردة من الجهـد إلا في الأحـلام، ولا يقـابـل الفـرص في الأحـلام إلا النِّيام".

ولقـد حثنا ربنا -سبحــانه- في كتابه على اغتنام فرصة الحياة، في التــزود من الأعمـال الصالحـات، فقـال ـ تعالى ـ: (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) (البقرة:148)، دعوة إلى اغتنام الفرص المواتية لفعل الخيرات، والتقرب إلى الله رب الأرض والسماوات، فهذا كفيل -بإذن الله- بأن تدرك حاجتك، وتحقق هدفك.

قال ابن القيم -رحمه الله-: "الرجل إذا حضرت له فرصة القربة والطاعة، فالحزم كل الحزم في انتهازها، والمبادرة إليها، والعجز في تأخيرها، والتسويف بها، ولا سيما إذا لم يثق بقدرته، وتمكنه من أسباب تحصيلها، فإن العزائم والهمم سريعة الانتقاض قلما تثبت، والله -سبحانه- يعاقب من فتح له بابًا من الخير فلم ينتهـزه، بأن يحـول بين قلبه وإرادته، فلا يمكنه بعـد من إرادته؛ عقوبة له، فمن لم يستجب لله ورسـوله إذا دعـاه؛ حال بينه وبين قلبه وإرادته، فلا يمكنه الاستجابة بعد ذلك، قال -تعالى-: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ) (الأنفال:24)" (زاد المعاد).