كورونا... والخلوة بالنفس

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فيرس كورونا دفعنا دفعًا إلى قلة المخالطة والعزلة والخلوة!

فماذا هناك في الخلوة؟!

دعونا نفكر في الأحداث من زاوية أخرى غير زاوية الاحتراز من الفيروس، وهي طريقة السلف الصالح وأهل الإيمان، بأن قضاء الله كله خير، وقد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (عَجَباً لأمْرِ الْمُؤْمِنِ إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ للْمُؤْمِن: إِنْ أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فَكَانَ خَيْراً لَهُ، وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ صَبَرَ فَكَانَ خيْراً لَهُ) (رواه مسلم).

وقد سمعت من شيخنا "د/ ياسر برهامي" مقولة لا أنساها أبدًا، وهي: "إن الله يكتب للمؤمن ولا يكتب عليه"، وبين أن قضاء الله كله خير للناس، وأن الأحداث وسائل لإيصال قدر الله لك.

العالم اليوم سيطرت عليه النظرة المادية، وأصبح حب المخالطة والاختلاط والتواصل هو الأصل، وعزف الكثير عن العزلة بنفسه والتفكير فيها وفي شأنها ومصيرها، لكن المتأمل في الشريعة يجد أنها كما أتت بالتواصل والمخالطة المحمودة مع المجتمع كما جاء في قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: (المُسْلِمُ إِذَا كَانَ يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ خَيْرٌ مِنَ المُسْلِمِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني)، فإنها أيضًا بيَّنت أهمية العزلة بالنفس والتفكر فيها.

قال الله -تعالى-: (قُلْ إنَّمَا أَعِظُكُم بِوَاحِدَةٍ أَن تَقُومُوا لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى ثُمَّ تَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِكُم مِّن جِنَّةٍ) (سبأ:46).

ففي هذه الآية يأمر -سبحانه- كفار قريش، ومَن كابر عن الحق بأن ينفصل عن مؤثرات الجماهير، ويخلو بنفسه أو مع صاحبه، ويتفكر حتى يتبين له الحق؛ وذلك لأن مَن أَلِف المخالطة في أيامه كلها خمدت أدوات التفكير لديه، بل وَأَسِن عقله كما يأسن الماء، ويصبح -مع الزمن- خامل الفكر، تابعًا في رأيه لكل ذي رأي، مترددًا في اختيار قراراته، مراوغًا مِن تحمل تبعاتها.

الخلوة... ونحن هنا نتكلم من باب: (نحن لا نخلق الفرص، ولكن لا نضيعها)، مع النظر في الأحداث بعين الاعتبار واستغلال الحدث بطريقة شرعية.

ويحلو هنا الكلام من ابن الجوزي حيث قال: "كنت في بداية الصبوة قد أُلهِمت سلوك طريق الزهَّاد بإدامة الصوم والصلاة، وحُببت إِلَيَّ الخلوة، فكنتُ أجد قلبًا طيبًا، وكانت عين بصيرتي قويَّة الحِدَّة تتأسَّف على لحظةٍ تمضي في غير طاعة، وتُبادِر الوقتَ في اغتِنام الطاعات، ولي نوعُ أُنْسٍ وحلاوة مناجاة، فانتهى الأمر إلى أنْ صار بعض وُلاة الأمور يستحسن كلامي، فأمالني إليه فمال الطبع؛ ففقَدتُ تلك الحلاوة، ثم استَمالني آخَر، فكنت أتَّقِي مخالطته ومطاعمه لخوف الشبهات، وكانت حالتي قريبة، ثم جاء التأويل فانبسطتُ، فقدم ما كنت أجد، وصارت المخالطة تُوجِب ظُلمَةَ القلب إلى أنْ عُدِم النور كله، فكان حنيني إلى ما ضاع منِّي يُوجِب انزعاج أهل المجلس فيتوبون ويصلحون، وأخرج مفلسًا فيما بيني وبين حالي، وكَثُر ضَجِيجي من مرضي، وعجزتُ عن طبِّ نفسي، فاجتذبني لطف مولاي بي إلى الخلوة على كراهةٍ مِنِّي، ورَدَّ قلبي عليَّ بعد نفوره مِنِّي، فأفقت من مرض غفلَتِي، وقُلت في مناجاة خلوتي: سيِّدي، كيف أقدر على شكرك؟ وبأيِّ لسان أَنطِق بمدحك؛ إذ لم تؤاخذني على غفلتي، ونبَّهتَنِي من رقدتي، وأصلَحتَ حالي على كرهٍ من طبعي؟! فما أربحني فيما سُلِب مِنِّي؛ إذ كانت ثمرته اللجأ إليك، وما أوفر جمعي؛ إذ ثمرته إقبالي على الخلوة! وما أغناني؛ إذ أفقرتَنِي إليك! وما آنَسَنِي؛ إذ أوحشتني من خلقك! آهٍ على زمانٍ ضاعَ في غير خدمتك! أسفًا لوقتٍ مضی في غير طاعتك!" (صيد الخاطر).

تأمل... أُكره -رحمه الله- على الخلوة على غير رغبة منه، وكلنا ذاك الرجل.

عبادةٌ في السر، وطاعةٌ في الخفاء هي زينة العبد في خلوته، وزاده من دنياه لآخرته؛ بها تفرج الكربات، وتسمو الدرجات، وتكفر السيئات.

عبادة في السر، وطاعة في الخفاء لا تخرج إلا مِن قلبٍ كريمٍ قد ملئ بحب الله، وهي دليل الصدق وعنوان الإخلاص، وعلامة المحبة وأثر الإيمان، وأراك مدفوعًا إليها دفعًا فاغتنم الفرصة، وهذا الموطن لا يستطيعه المنافقون، ولا يقوى عليه المدعون، ولا يصبر عليه الكذابون .

ومن أجمل ما وقفت عليه من الأحاديث في هذا ما يروى عن صهيب الرومي أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَلَاةُ الرَّجُلِ تَطَوُّعًا حَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ تَعْدِلُ صَلَاتَهُ عَلَى أَعْيُنِ النَّاسِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ) (رواه الديلمي في مسند الفردوس، وصححه الألباني).

فمرحبًا بطاعات عنوانها صدق الإيمان والثبات في زمن المدلهمات، وأبعد ما تكون عن الرياء، وأعظم أثرًا وأكثر عونًا على إصلاح نفسك وقلبك واستقامتك، ورصيدًا لك في دنياك وبرزخك وموتك.

وتأمل هذا الأثر: "من أطاع الله في السر، أصلح الله قلبه شاء أم أبى".

قال سفيان بن عيينة -رحمه الله-: "كان العلماء إذا التقوا تواصوا بهذه الكلمات، وإذا غابوا كتب بها بعضهم إلى بعض: أنه من أصلح سريرته، أصلح الله علانيته، ومن أصلح ما بينه وبين الله، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومَن اهتم بأمر آخرته، كفاه الله أمر الدنيا، ومن اهتم بآخرته، كفاه الله أمر دنياه".

عبادة السر وطاعة الخفاء كثيرة لا حصر لها، ومنها على سبيل المثال:

- صدقة السر: عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السُّوءِ، وَصَدَقَةُ السِّرِّ تُطْفِىءُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمْرِ) (رواه الطبراني، وصححه الألباني).

- صلاة الليل والنوافل: قال -تعالى-: (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ) (السجدة:16)، وقال -صلى الله عليه وسلم-: (عَلَيْكُمْ بِقِيَامِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ دَأَبُ الصَّالِحِينَ قَبْلَكُمْ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

- الصيام: وهو مِن أعظم عبادات السر، عن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: (كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ، إِلَّا الصِّيَامَ، فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ) (متفق عليه).

- الذكر: قد قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَثَلُ الَّذِي يَذْكُرُ رَبَّهُ وَالَّذِي لاَ يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ وَالمَيِّتِ) (رواه البخاري)، وأعظم الذكر: قراءة القرآن، فما أحوجنا أن نعطر الخلوة في هذه الأيام بقراءة كتاب الله -عز وجل-.

- الدعاء: قال -تعالى-: (ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا . إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) (مريم:2-3)، فالعبادة والدعاء، موطن العطايا والهبات.

واعلم أنه لا شيء يساعد على إنماء شجرة الإخلاص وسقياها وتقويتها، مثل طاعة الخلوة، وعبادة السر.

هيا ادخل محرابك... وأثبت لنفسك أنك محب وصادق، وأبعد ما تكون عن الرياء وحب الظهور، والطغيان المادي، والتعلق بزخارف الدنيا.

هيا ادخل محرابك... لتعودَ أقوى للمجتمع؛ حتى تمارس دورَك بكل إخلاص وصدق وقوة، فالمعركة طويلة.

هيا ادخل محرابك... واجعل هذه الأيام والأحداث المحيطة بنا (دار أرقم) جديدة تُصاغُ فيها مِن جديدٍ؛ لتَخْرُجَ إنسانًا جديدًا؛ لتستكمل طريق الإصلاح والتغيير.

واعلم أن كل حركة في هذا الكون تسير بأمر الله -عز وجل-، وعلمه وإحاطته.

إن الله يبتلينا ليصلحنا... ولنا أمل.