من أخلاق السلف -رضي الله عنهم- (11)

  • 275

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

ومِن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

هوان الدنيا عندهم وشدة رفضهم لها؛ عملًا بقول رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (وَاللهِ مَا الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مِثْلُ مَا يَجْعَلُ أَحَدُكُمْ إِصْبَعَهُ فِي الْيَمِّ، فَلْيَنْظُرْ بِمَ تَرْجِعُ؟) (رواه مسلم)، وقوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ كَانَتِ الدُّنْيَا تَعْدِلُ عِنْدَ اللَّهِ جَنَاحَ بَعُوضَةٍ مَا سَقَى كَافِرًا مِنْهَا شَرْبَةَ مَاءٍ) (رواه الترمذي، وصححه الألباني).

كان مالك بن دينار -رحمه الله تعالى- يقول: "اتقوا السحارة التي تسحر قلوب العلماء، وتلهيهم عن الله تعالى -يعني الدنيا-، وهي أسحر وأقبح من سحر هاروت وماروت؛ لأن ذاك يفرِّق بين المرء وزوجه، وهذا يفرق بين العبد وربه".

وكان الحسن البصري -رحمه الله تعالى- يقول: "لقد أدركنا الناس وهم يرون الدنيا عندهم كوديعة يؤدونها إلى صاحبها، ليس لهم فيها ملك؛ ولذلك ذهبوا إلى الآخرة خفافًا".

وكان عبد الله بن المبارك -رحمه الله تعالى- يقول: "الدنيا سجن المؤمن، وأعظم أعماله في السجن: الصبر وكظم الغيظ، وليس للمؤمن في الدنيا دولة، وإنما دولته غدًا في الآخرة".

وكان بعضهم يقول: "إذا أردت القرب من الله -تعالى-، فاجعل بينك وبين الشهوات حائطًا مِن حديدٍ".

ومن أخلاقهم -رضي الله عنهم-:

عدم إسرافهم في الحلال إذا وجدوه؛ وذلك لأن الحلال غريب في كل زمان بحسب تفاوت أهله، وكانوا يقدمون كسب الدراهم الحلال على سائر مهماتهم؛ وذلك لأنهم من أبناء الآخرة بيقين، والأعمال الأخروية الخالصة لا تقع على يدي مَن أكل حرامًا أو شبهات، فإن مَن أكل حرامًا نشأ عنه فعل الحرام، ومن أكل شبهة نشأ عنه فعل الشبهة، حتى لو أراد من أكل الحرام أن يطيع الله لما قدر على ذلك.

ولذلك والله أعلم، سوَّى الله -تعالى- بين الرسل وبين سائر المؤمنين في الأمر بالأكل من الحلال الطيب، كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَيُّهَا النَّاسُ، إِنَّ اللهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إِلَّا طَيِّبًا، وَإِنَّ اللهَ أَمَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَمَرَ بِهِ الْمُرْسَلِينَ، فَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا، إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) (المؤمنون:51)، وَقَالَ: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) (البقرة:172)، ثُمَّ ذَكَرَ الرَّجُلَ يُطِيلُ السَّفَرَ أَشْعَثَ أَغْبَرَ، يَمُدُّ يَدَيْهِ إِلَى السَّمَاءِ، يَا رَبِّ، يَا رَبِّ، وَمَطْعَمُهُ حَرَامٌ، وَمَشْرَبُهُ حَرَامٌ، وَمَلْبَسُهُ حَرَامٌ، وَغُذِيَ بِالْحَرَامِ، فَأَنَّى يُسْتَجَابُ لِذَلِكَ؟) (رواه مسلم).

فالأكل مِن الحلال الطيب أكبر عون على العمل الصالح، وهو كذلك شرط لقبول الدعاء.

كان يونس بن عبيد -رحمه الله تعالى- يقول: "ما ثَمَّ اليوم أقل من درهمٍ طيبٍ، ولو وجدناه لاستشفينا به مرضانا!".