وباء كورونا... على هامش قصة قوم سبأ

  • 722

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

الغرض من الموعظة:

- بيان أن المعاصي والانحراف عن أوامر الله سبب في زوال النعم، وحلول النقم في إشارة إلى وجه الشبه الكبير بين حال العالم الآن ومعاناته إثر وباء كرونا، وبين قصة قوم سبأ.

المقدمة:

- جعل الله قصص القرآن مشتملًا على ثلث كتابه للاعتبار، وقصة قوم سبأ من أكثر قصص القرآن موافقة لحالنا وما وصلنا اليه، لاسيما ما وصل إليه حال بعض بلاد المسلمين من رغد العيش: (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) (يوسف:111).

- مناسبة ذكر القصة في القرآن: قال المفسرون: "لما ذكر الله حال الشاكرين لنعمه في سورة سبأ بذكر داود وسليمان -عليهما السلام- وقال: (اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) (سبأ:13)، بيَّن بعدها حال الكافرين الجاحدين لأنعمه بقصة قوم سبأ، فقال: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ . فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ . ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ . وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ . فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) (سبأ:15-19)؛ موعظة للمشركين من أهل مكة ولغيرهم على مرِّ الزمان، وتنبيهًا وتحذيرًا على ما جرى من المصائب والنكبات على مَن كفر بأنعم الله مِن باب: (فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الأَبْصَارِ) (الحشر:2).

(1) تعريف بحال قوم سبأ وما كانوا فيه من النعم:

- كانت بلادهم آية من آيات الله: قال الله -تعالى-: (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ).

- أقاموا سدًّا عظيمًا على مداخل الأنهار، وحوَّلوا الصحراء إلى جنات فيحاء: قال -تعالى-: (جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ).

- نعمٌ مِن الله كثيرة، وأجواء صحية، وعظيم رفاهية: قال الله -تعالى-: (بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ).

وقال ابن الجوزي -رحمه الله- في زاد المسير: "ولم يكن يُرى في بلدهم حية ولا عقرب، ولا بعوضة ولا ذباب ولا برغوث، ويمر الغريب ببلدتهم وفي ثيابه القمل، فيموت القمل لطيب هوائها!"، وقال قتادة وغيره: "كانت المرأة تمر بالمكتل على رأسها فتمتلئ من الثمار مما يتساقط فيه من نضجه وكثرته".

- أسفارهم سهلة وطرقهم آمنة؛ لاتصال العمران: قال الله -تعالى-: (وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ)، قال قتادة -رحمه الله-: "كان الرجل المسافر لا يحمل معه زادًا ولا سقاءً، ولا يخافون ظمأً ولا جوعًا".

(2) بداية الانحراف:

- الغفلة عن شكر الله على نعمه كما أُمِروا: قال -تعالى-: (كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ)، وقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (مَنْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ نِعْمَةً فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبده) (رواه أحمد والترمذي، وصححه الألباني).

- الإعراض عن الطاعات واستعمال النعم في المحرمات: قال -تعالى-: (فَأَعْرَضُوا).

- الترف المحرم والبطر على نعم الله بطلب الأسفار الشاقة البعيدة: قال -تعالى-: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).

(3) نزول العقوبة:

- انهيار السد العظيم عماد نهضتهم بالسيل الشديد: قال الله -تعالى-: (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ... ).

- السيول تجتاح أراضيهم وتفسد مراعيهم، وتبدل الثمر بالحثالة: قال -تعالى-: (وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).

- ساروا يبحثون عن أسباب الرزق من البلاد حولهم هربًا من المجاعة، فتفرقوا في البلاد: قال -تعالى-: (فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ... ).

(4) عاقبة كفر النعم:

- هكذا عاقبة الكفر بالنعم والانحراف عن أمر الله: قال -تعالى-: (ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلا الْكَفُورَ).

- هكذا عاقبة كل كفور بنعم الله: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا... ) (البقرة:61)، فكان الحرمان: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (المائدة:26).

- هكذا عاقبة النكال والعبرة على مرِّ التاريخ والزمان: قال -تعالى-: (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ . فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (البقرة:65-66).

- سنة الله ماضية لا تتوقف في كل زمان ومكان: قال الله -تعالى-: (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَابًا شَدِيدًا وَعَذَّبْنَاهَا عَذَابًا نُكْرًا) (الطلاق:8)، (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) (الأنفال:53).

(5) خاتمة: حاجتنا إلى الاعتبار من هذه القصة في أيامنا هذه:

- السعيد مَن وعظ بغيره: قال -تعالى-: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).

- هل شكرنا الله -تعالى- على نعمه أم لم نشكر نعمه العظيمة علينا وظلمْنا أنفسنا بمعصيته؟!: قال الله -تعالى- عن قوم سبأ: (فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ).

- التوبة والرجوع، وإلا زيادة النقم وزوال النعم: قال -تعالى-: (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) (الروم:41).

- بالاستقامة على منهج الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- تستقيم لنا الحياة: قال الله -تعالى-: (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا) (الجن:16)، وقال -تعالى-: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (الأعراف:96).

فاللهم إنا نعوذ بك مِن زوال نعمتك، وتحول عافيتك، وفجاءة نقمتك، وجميع سخطك.