مظاهر القسوة في مجتمعنا أسباب وعلاج (23) آيات من القرآن في ذم القسوة

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد تكرر في كتاب الله -تعالى- مرات عديدة ذمُّ قسوة القلب، وبيان خطر ذلك وصفات أصحابه، ومدح لين القلب وتأثره بالقرآن وبذكر الله، وهي تتضمن لمن تدبرها كيفية علاج القسوة، وتحصيل لين القلب؛ فلنعرِّج على ذكرها وتفسيرها؛ عسى أن تلين قلوبنا إلى ذكر الله، وتُصبغ بصبغة الله التي بيَّنها في كتابه؛ فتتشكل القلوب وفق شرع الله، بدلًا مِن القسوة التي تجعل القلب لا يستجيب ولا يتأثر بأوامر الله ونواهيه، ولا يتذكر الدار الآخرة ولا يرغب فيما عند الله، ولا يرهب مما عنده، ولا يعرف أسماء الله -عز وجل- وصفاته.

وأول هذه الآيات ما ذكره الله -عز وجل- في سورة البقرة، قال الله -تعالى-: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) (البقرة:74).  

قال ابن كثير -رحمه الله- في تفسيره: "يقول -تعالى- توبيخًا لبني إسرائيل، وتقريعًا لهم على ما شاهدوه من آيات الله -تعالى- وإحيائه الموتى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) كله (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) التي لا تلين أبدًا؛ ولهذا نهى الله المؤمنين عن مثل حالهم، فقال: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِّنْهُمْ فَاسِقُونَ) (الحديد:16)... وعن ابن عباس: لما ضُرب المقتولُ ببعض البقرة جلس أحيا ما كان قط (يعني في كمال حياته)، فقيل له: مَن قتلك؟ قال: بنو أخي قتلوني، ثم قُبض، فقال بنو أخيه -حين قبضه الله-: والله ما قتلناه؛ فكذَّبوا بالحق بعد أن رأوه؛ فقال الله: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) يعني: أبناء أخي الشيخ، (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)؛ فصارت قلوب بني إسرائيل مع طول الأمد قاسية بعيدة عن الموعظة، بعد ما شاهدوه من الآيات والمعجزات، فهي في قسوتها كالحجارة التي لا علاج يلينها، أو أشد قسوة من الحجارة، فإن من الحجارة ما تتفجر منه العيون بالأنهار الجارية، ومنها ما يشقق فيخرج منه الماء وإن لم يكن جاريًا، ومنها ما يهبط من رأس الجبل من خشية الله، وفيه إدراك لذلك بحسبه، كما قال -تعالى-: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا) (الإسراء:44).  

وقال مجاهد: كل حجر يتفجر منه الماء، أو يتشقق عن ماء، أو يتردى من رأس جبل؛ لمن خشية الله، نزل بذلك القرآن. وعن ابن عباس في هذه الآية: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) أي: وإن مِن الحجارة لألين مِن قلوبكم عما تُدْعَوْنَ إليه من الحق، (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ). وقال أبو علي الجبائي في تفسيره: (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) هو سقوط البرد من السحاب. قال القاضي الباقلاني: وهو تأويل بعيد، وتبعه في استبعاده الرازي، وهو كما قالا؛  فإن هذا خروج عن ظاهر اللفظ بلا دليل، والله أعلم.

وروى ابن أبي حاتم: عن يحيى بن أبي طالب، يعني: يحيى بن يعقوب في قوله -تعالى-: (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ)، قال: كثرة البكاء، (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ) قال: قليل البكاء، (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) قال: بكاء القلب، من غير دموع العين.

وقد زعم بعضهم أن هذا من باب المجاز؛ وهو إسناد الخشوع إلى الحجارة كما أسندت الإرادة إلى الجدار في قوله: (يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ) (الكهف:77)، قال الرازي والقرطبي وغيرهما من الأئمة: "ولا حاجة إلى هذا؛ فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة، كما في قوله -تعالى-: (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا) (الأحزاب:72)، وقال: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّمَاوَاتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ)، وقال: (وَالنَّجْمُ وَالشَّجَرُ يَسْجُدَانِ) (الرحمن:6)، وقال: (أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ يَتَفَيَّأُ ظِلَالُهُ عَنِ الْيَمِينِ وَالشَّمَائِلِ سُجَّدًا لِلَّهِ وَهُمْ دَاخِرُونَ) (النحل:48)، وقال: (قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ) (فصلت:11)، وقال: (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) (الحشر:21)، وقال -تعالى-: (وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ) (فصلت:21)، وفي الصحيح عن جبل أُحد أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: (أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبُّنا ونُحِبُّهُ) (متفق عليه)، وكحَنِين الجذع المتواتر خبره، وفي صحيح مسلم: (إنِّي لأَعْرِفُ حَجَرًا بمَكَّةَ كانَ يُسَلِّمُ عَلَيَّ قَبْلَ أنْ أُبْعَثَ، إنِّي لأَعْرِفُهُ الآنَ)، وفي صفة الحجر الأسود أنه يشهد لمن استلمه بحق يوم القيامة، وغير ذلك مما في معناه" (انتهى من تفسير ابن كثير بتصرف).

وتأمل كيف ربط السلف بين أنواع القلوب التي ذكرها الله -سبحانه وتعالى- وبين حال القلب والعين في الدمع عند ذكر الله، وقد قال الله -عز وجل- عن مؤمني النصارى -النجاشي وبطارقته-: (وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) (المائدة:83)، وكيف أن القلوب أنواع؛ منها ما يتأثر تأثرًا عظيمًا بذكر الله، ومنها ما يكون أقل تأثرًا، ومنها ما يكون فيه الخشية، ولا يصل تأثير ذلك إلى جوارح البدن: كالعين، والجلد.

ولقد قال الله -سبحانه وتعالى- في لين قلوب المؤمنين واقشعرار جلودهم: (اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ ذَلِكَ هُدَى اللَّهِ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ) (الزمر:23).

وأما (أَوْ) التي في الآية؛ فقد رجح ابن جرير أنها للتقسيم؛ فقال: "ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة، وبعضها أشد قسوة مِن الحجارة" (انتهى).

وقد ذكر ابن كثير -رحمه الله- حديث الترمذي عن ابن عمر أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: "لا تُكثِروا الكلامَ بغيرِ ذكرِ اللهِ، فإنَّ كثرةَ الكلامِ بغيرِ ذكرِ اللهِ قسوةٌ للقلبِ، وإنَّ أبعدَ النّاسِ من اللهِ تعالى القلبُ القاسي".

ورغم ضعف إسناده مرفوعًا للنبي -عليه الصلاة والسلام- فإن معناه ثابت في أدلة كثيرة؛ من أن القلوب القاسية بعيدة عن الله -عز وجل-، وأن كثرة الكلام بغير ذكره -سبحانه وتعالى- وبغير ما ينفع، يؤدي إلى قسوة القلب، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم- لمعاذ: (أَلَا أُخْبِرُكَ بِمَلَاكِ ذَلِكَ كُلِّهِ) قُلْتُ: بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ، فَأَخَذَ بِلِسَانِهِ قَالَ: (كُفَّ عَلَيْكَ هَذَا)، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللَّهِ، وَإِنَّا لَمُؤَاخَذُونَ بِمَا نَتَكَلَّمُ بِهِ؟ فَقَالَ: (ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا مُعَاذُ، وَهَلْ يَكُبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ أَوْ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إِلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِم) (رواه الترمذي وابن ماجه، وصححه الألباني).

وذكر ابن كثير -رحمه الله- أيضًا حديث البزار عن أنس مرفوعًا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: "أربعةٌ مِن الشقاءِ: جمودِ العين، وقَساوَةِ القلبِ، وطولِ الأملِ، والحرصِ على الدنيا"، وهو كالذي قبله وإن كان ضعيف الإسناد؛ إلا أن معناه من أجمل المعاني التي نحتاج إليها في كل أوقاتنا حتى نتجنب هذه الأسباب التي تؤدي إلى شقاء الإنسان.