كورونا... ذاك الحقير!

  • 307

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فلا أعني بذلك السبّ، بل التقليل مِن شأنه.

وهذا الاستعمال موجود في السُّنة، كما في قول النبي -صلى الله عليه وسلم- عن الخوارج: (يَحْقِرُ أَحَدُكُمْ صَلَاتَهُ مَعَ صَلَاتِهِمْ) (متفق عليه).

وكما في قوله -صلى الله عليه وسلم-: (لَوْ أَنَّ رَجُلًا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ، مِنْ يَوْمِ وُلِدَ إِلَى يَوْمِ يَمُوتُ، هَرَمًا فِي مَرْضَاةِ اللَّهِ، لَحَقَّرَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) (رواه أحمد، وحسنه الألباني).

وإن تعجبتَ -أخي القارئ- مِن هذا الوصف لهذا الوباء الذي أزعج العالم فاقرأ قول الله -تعالى-: (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) (البقرة:155).

وكلمة (بِشَيْءٍ): نكرة تفيد القلة، وكأن ما أصاب كل الناس في هذه الدنيا وما يصيبهم وما سيصيبهم، يندرج تحت هذه الكلمة، فهو شيء؛ فكم يكون قدر هذا الفيروس في جنب كل الابتلاءات؟!

لا شك أنه قليل، بل قليل عليه كثير.

وإذا نظرتَ إلى الآيات وجدت ترتيبًا رائعًا، فقد جاء في الآية التي قبلها: الأمر بالاستعانة بالصبر والصلاة، ثم في هذه الآية بيان مواطن الصبر، وفي الآية التي بعدها بيان عاقبة الصبر.

ثم نظرة أخرى فيما جاء من أصناف البلاء تجده في أيام الناس، وهذه سنته تعالى في عباده؛ لأن السراء لو استمرت لأهل الإيمان لم يحصل معها محنة؛ لحصل الاختلاط الذي هو فساد، وحكمة الله تقتضي تمييز أهل الخير من أهل الشر، وهذه فائدة المحن؛ فهي ليست لإزالة ما مع المؤمنين من الإيمان، ولا لردهم عن دينهم، فما كان الله ليضيع إيمان المؤمنين، والمحن تمحص لا تهلك.

فهذه الأمور لابد أن تقع؛ لأن العليم الخبير أخبر بها، فوقعت كما أخبر، فإذا وقعت انقسم الناس إلى قسمين: جازعين وصابرين؛ فالجازع حصلت له المصيبتان: وجود هذه المصيبة، وفوات ما هو أعظم منها، وهو الأجر بامتثال أمر الله -تعالى- بالصبر؛ فيكون باء بالخسارة والحرمان، ونقص ما معه مِن الإيمان، وفاته الصبر والرجاء والشكران، وحصل له السخط الدال على شدة النقصان.

وأما مَن وفقَّه الله للصبر عند وجود هذه المصائب فحبس نفسه من التسخط قولًا وفعلًا، واحتسب أجره عند الله، وعلم أن ما يدركه من الأجر بالصبر أعظم من المصيبة التي حصلت له، بل المصيبة تكون نعمة في حقه؛ لأنها صارت طريقة لحصول ما هو خير له وأنفع منه، فقد امتثل أمر الله، وفاز بالثواب (بتصرفٍ من تفسير السعدي).

فإن قلتَ: فلمَ أخبرهم بوقوع ذلك؟!

فالجواب أن ذلك لحكمٍ عديدةٍ، منها:

- ليوطنوا أنفسهم على الصبر إذا وردت، ويكون ذلك أبعد لهم عن الجزع؛ لأن بعض المنافقين قد يظهر متابعة الرسول -صلى الله عليه وسلم- طامعًا في مالٍ أو سعة رزق، فإذا علم بذلك ظهر على حقيقته، فتميز المنافق عن الموفق.

- وليكون دعوة للكفار إن ثبت أهل الإيمان على عقيدتهم ودينهم رغم ما يصيبهم في صدق هذه العقيدة التي ضحى أصحابها لأجلها، خلاف العقائد الرخيصة التي لا يعز على أهلها تركها عند الصدمة الأولى.

- وأيضًا: أنه إذا وقع كما أُخبر به كان ذلك إخبارًا عن الغيب، فكان معجزًا، ثم ختمت الآيات بهذه البشرى العظيمة: (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).

ثم بين صفاتهم: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) (البقرة:156)، إنا عبيد مملوكون لله مدبرون بأمره وتصرفه، يفعل بنا ما يشاء ولا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة.

ومن كمال عبودية العبد: عِلمه بأن وقوع البلية مِن الملك الحكيم الذي هو أرحم بعبده مِن نفسه، فيوجب له الرضا عن الله والشكر له على تدبيره لما هو خير لعبده، وإن لم يشعر بذلك، وكم كان هذا البلاء سببًا في التمييز بين صابر وجازع، وراضٍ عن ربه وساخطٍ عليه، وشاكرٍ وكفورٍ.

فاللهم اجعلنا صابرين شاكرين.