التعليم عن بُعد... الأهمية والأمل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، أما بعد؛  

فقد انتبه العالم الآن إلى الأهمية القصوى لمسألة التعليم عن بُعد، وهذا بَعد أن اجتاح فيروس كورونا العالم، والإعلان عنه كوباء عالمي، والحاجة لاستكمال مسيرة التعليم دون الحاجة إلى الخروج.

إن التعليم عن بُعد عَرفه العالم منذ عقود، لكنه لم يأخذ حقه في التعريف به، ولعل مِن أهم أسباب عزوف الناس عنه سابقًا أن أكثر القائمين على التعليم في بلادنا لا يأبهون له، وليت الأمر وقف على هذا الحد، بل نجدهم قد عادوه، ولا تجد إلا نزرًا يسيرًا مِن الجهات الرسمية مَن يعترف بشهادات التعليم عن بعد، على الرغم من أن الكثير من الجامعات اعتمدت التعليم عن بعد في بعض الدورات والشهادات، لكن غير الأساسية منها!

إن التعليم عن بُعدٍ يحوي المزايا الكثيرة التي لا تكاد تكون متوفرة في التعليم على الأرض، ففيه الحلول الصحيحة لمواجهة النمو السكاني، دون الحاجة لبناء مؤسسات تعليمية جديد، وكذلك البعد الجغرافي فهو يعطي اتساعًا في التعليم أيضًا لا يمكن للتعليم على الأرض تغطيته، وإمكان الاستفادة من الشيوخ والأساتذة دون الحاجة إلى الانتقال، كما أن التعليم عن بعد هو أخفض في التكاليف، بل ويمكن إعطاء عشرات المنح فيه، بما يقابل منحة واحدة في المنح الممنوحة من الجامعات للطلاب؛ بسبب توفير تكاليف السفر والإعاشة، وغير ذلك لعدة سنوات.

كما يوفِّر التعليم عن بعد على الدول تكاليف الابتعاث إلى الخارج، كما يمكن فيه الاتفاق على أوقات التعليم بين المحاضر والطلبة؛ مما يجعله أكثر مرونة من التعليم العادي، ويمكن من خلاله توفير التعليم لفئات يصعب عليهم الانتقال إلى محل الجامعات والمدارس بسهولة: كالمرضى والمعاقين.

وهناك الكثير من طرق التعليم عن بعد، ومنها: المعروف مِن مدة من التعليم بالإذاعة أو التلفزيون، ومن خلال الأشرطة والمقاطع الصوتية، والفيديوهات، لكن مع انتشار استخدام الشبكة العنكبوتية وانتشار أجهزة الهواتف الذكية دخل التعليم عن بعد منحى آخر يكاد يوازي التعليم على الأرض في كل ميزاته بالنسبة للعلوم الإنسانية، ويقترب منه في العلوم التجريبية بنسبة كبيرة، وذلك بدمج التقنية بالتعليم مما يتيح للطلاب التعلم بطريقة فعالة وسهلة، ومن أي مكان من خلال الإنترنت.

ويمكن من خلال التعليم عن بعد تدريس الطلاب ومتابعتهم واختبارهم بسهولة، في المراكز أو في البيوت، فأصبح مِن المتاح الآن التدريس بالغرف الصوتية أو بالبرامج المتطورة: كبرنامج (زووم) أو (المكسلر)، أو (البلاكبورد)، أو حتى الفيس والواتس، وبعضها أعلى إمكانات من بعض.

ومنذ عدة سنوات وأنا أقوم بالتدريس عن بعد، ومِن لطيف الأمر: أني عقدت دورة لدراسة بعض المسائل (الفقهية الطبية)، لبعض الطبيبات الاستشاريات من مختلف التخصصات، وكان ذلك عن طريق الغرف الصوتية، في الثامنة صباح أيام الجمع، فطلبت إحداهن أن نتأخر أو نتقدم، فلما استفسرت فإذا هي في أمريكا، والوقت يكون منتصف الليل عندهم فيصعب عليها! والأخريات كن في مختلف البلدان، فاتفقنا على وقت يتناسب مع الجميع في الجملة، ثم عملت في عدة مؤسسات تعليمية درست فيها عن بعد، وآخرها في جامعتي :(العلا)، و(مينيسوتا)، وقد تبيَّن لي تميُّز التعليم عن بُعد مما أرجو له أن يأخذ مكانته المناسبة اللائقة في العالم.

ويمكن تطوير التعليم بطرقٍ كثيرةٍ عن بُعد للوصول إلى إيجاد نظام تعليمي متكامل قائم على معايير الجودة التعليمية المعتبرة عالميًّا.

والبرامج الحديثة تسهل الاستفادة من المشايخ والعلماء والأساتذة المتميزين في العلوم الشرعية والعلوم الإنسانية، بل والتجريبية من جميع بلدان العالم الإسلامي، مع توفير العديد من الخدمات الأكاديمية لكل مادة دراسية، مثل: إعداد أسئلة وأنشطة تفاعلية متنوعة لكل مادة مع اختبارات قياس الفهم والاستيعاب لكل وحدة تعليمية، وتوفير مكتبة الكترونية تخدم الخطط الدراسية ليتمكن الطالب من خلالها من إعداد متطلبات المواد من البحوث العلمية.

إن التعليم عن بعد يتيح إنشاء ساحات للنقاش والحوار للتواصل بين طلاب المادة الواحدة وأساتذتها فيما بينهم من قضايا حول هذه المادة، أو ساحات عامة تجمع جميع الطلاب المسجلين بالمؤسسة التعليمية، وقد لمست أثر ذلك، فقد أسأل السؤال: وأطلب جوابًا دقيًقا، فأجد الطلاب يضعون عدة روابط فيها الأجوبة، أو أشير لحديث نبوي فيبادر طالب فينسخه من المكتبة الشاملة ويضعه على الشاشة للجميع، ونحو ذلك.

وفي مجال الإشراف على الرسائل سعدت جدًّا لما أنشأت مجموعة في (الواتس) لمجموعة الطلاب المسجلين في تحقيق مخطوطٍ واحدٍ، وكانت رائعة في تبادل الخبرات بين الطلاب في تحقيق هذا المخطوط، مع سهولة وضع التوجيهات للجميع على هذه المجموعة، مما لا يمكن من خلال التعليم الأرضي إلا بمشقة، كما سعدت عندما شاركت في مناقشة الرسائل الجامعية (مشرفًا أو مناقشًا) ولجنة المناقشة كانت في أكثر من دولة، وجرت المناقشات على أعلى درجة أكاديمية علمية، وبدأ الآن الجامعات على الأرض تنحو هذا النحو بسبب تعليق الدراسة في الجامعات في عدة دول.

آمل أن بلادنا تعطي التعليم عن بعد اهتمامًا أكثر، وتعتمد شهاداته كما اعتمدت الآن الجامعات في مصر الشهادات (المهنية) توازيًا مع (العلمية)، ويمكن بعدها طلب معادلات في بعض مجالات العمل أو نحو ذلك؛ ليت هذا يكون من المجلس الأعلى للجامعات في مصر.

وبالله التوفيق.